ربع قرن كامل مر على معجزة العبور العظيم.. الآن نحن بصدد الاحتفال بالعيد الفضي لانتصار أكتوبر 1973حينما تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس في الساعة الثانية ظهيرة السادس من أكتوبر محطمة خط بارليف الذي ظنه الاسرائيليون والعالم بأنه عصي على الاقتحام.. في لمحة بصر كان هذا السد المنيع قد تحول إلى كومة تراب بفعل صيحة الجنود المصريين (الله أكبر) .. على الجبهة الأخرى تمكنت القوات السورية تحرير القنيطرة وتلقين الاسرائيليين درسا ما زالوا يحفظونه حتى الآن. هذا الانتصار الذي تحقق بفضل مساندة عربية بشرية ومالية ما زال هو نقطة الضوء الوحيدة في بحر متلاطم يعج بالتراجعات والانكسارات والحروب الأهلية العربية, ناهيك عن عربدة اسرائيلية أمريكية غير مسبوقة لم يكن أشد المتشائمين يتوقعها.. وربما من هذا المنطلق تأتي أهمية اعادة قراءة ملف أكتوبر مرة أخرى.. ربما نكتشف ان الهزيمة العربية ليست قدرا محتما علينا تقبله. درس أكتوبر يشير بجلاء إلى انه متى توافرت إرادة القتال وحد أدنى من تضامن فعال فإن العرب قادرون على تغيير مجمل خطوط الهزيمة في خريطتهم التي تعرضت للاستباحة من كافة الاتجاهات وربما وقتها يستطيع العرب عبر كلمتهم الموحدة وفوهات بنادقهم من تحسين النتائج المخزية على طاولات المفاوضات. (البيان) تفتح ملف أكتوبر عبر سلسلة من الحوارات مع نخبة من أبرز قادة أكتوبر الذين سجلوا هذا النصر وجعلوا العالم يعيد مرة أخرى نظرته إلى العربي بعد أن أفلح الصهاينة في تصويره قبل الحرب وكأنه ينتمي إلى عصر الديناصورات المنقرضة. وعبر سلسلة الحوارات تسترجع (البيان) هذه اللحظات المفعمة بالأمل.. كيف تم التخطيط للحرب.. لحظات ما قبل العبور.. الثغرة وكيف حدثت.. الدور الدولي خاصة الأمريكي السوفييتي؟ هذه الأسئلة تناولتها مئات الكتب والمقالات والدراسات لكن اجابة شافية لم تحسم الجدل بشأنها حتى الآن. (البيان) وعبر هذه الحلقات تحاول تقديم رؤية جديدة لحدث قديم تطلعا إلى مستقبل أفضل. الفريق سعد الدين الشاذلي لـ(البيان) أنا صاحب(المآذن العالية)والحديث عن انهياري باطل: الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر, واحد من رموز العسكرية المصرية التي ذاع صيتها على المستوى الشعبي مطلع السبعينات, باعتباره النموذج الفذ للإرادة العسكرية المصرية, وكان ضمن القيادات التي أعدت لحرب أكتوبر باعتباره رئيسا للأركان آنذاك.. وفي أثناء الحرب تمت اقالته بعد احتدام الاختلاف في الرأي مع السادات حول كيفية مواجهة الثغرة, ووصل الأمر إلى تهديد السادات له بتقديمه إلى محاكمة عسكرية, كما اتهمه السادات آنذاك أمام الرأي العام بالانهيار أمام عملية الثغرة بالاضافة إلى اختلاف قادة أفرع الجيش معه, حول كل هذه القضايا استضافته (البيان) في ذكرى مرور ربع قرن على هذه الحرب, ليكشف عن حقائق أخرى غير التي أعلنها السادات وإلى نص الحوار: القرار - كيف اتخذ قرار حرب أكتوبر.. هل اتخذه السادات بمفرده أم استشاركم فيه؟ ــ للاجابة عن هذا السؤال.. لابد أن نعود إلى ما قبل هذا القرار الذي اتخذ في أكتوبر 1973 بعامين.. وبالتحديد في مايو 1971 عندما توليت رئاسة الأركان.. وكان لابد أن أبحث ماذا فعل الذين سبقوني في هذا المنصب, فوجدت خطة دفاعية. (الخطة 200) والتي تتضمن كيف نتصرف إذا ما قام العدو بالهجوم علينا!.. ومن هنا كان لابد أن يكون لنا خطة هجومية, فبحثت امكانياتنا في القيام بعملية هجومية واكتشفت النواقص عندنا التي تحد من امكانيات القيام بعملية هجومية والتي كان قد مقدمتها ضعف قواتنا الجوية وضعف الدفاع الجوي المتحرك.. أي عدم وجود دفاع جوي صاروخي متحرك يستطيع أن يرافق القوات البرية أثناء تقدمها في سيناء, ولكي استفيد من نقاط القوة الموجودة لدينا, وأحاول أن أقلل من نقاط القوة التي يتمتع بها العدو تولدت عندي فكرة أن نقوم بعملية هجوم محدودة يكون الهدف منها عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف والتوقف شرق القناة على مسافة 10ــ15 كيلو شرق القناة. - ما الهدف من ذلك؟ ــ الهدف هو أن أغطي ضعف قواتنا الجوية بالاعتماد على صواريخنا المضادة للطائرات بعيدة المدى التي تدافع عن مصر ككل ومداها حوالي 15ــ20 كيلو, فإذا ما حركت هذه المواقع إلى غرب القناة مباشرة ستستطيع أن تعطي للقوات الجوية مظلة حوالي 10ــ51 كيلو شرق القناة. ثانيا: ان نجنب قواتنا الجوية الدخول في معارك جوية صرفة بين طائرة وطائرة.. وان أستدرج قوات العدو الجوية في معركة ضد صواريخنا المضادة للطائرات وبمعنى آخر إذا كنت لا أستطيع أن أرفع قواتنا الجوية إلى مستوى القوات الجوية للعدو فإني أريد أن أخفض قدرات القوات الجوية الاسرائيلية إلى قواتنا الجوية.. فإذا ما تحقق هذا يمكن أن نقحم قواتنا الجوية ضد القوات الاسرائيلية. الأمر الآخر هو انه عندما نتوقف عند 10ــ15 كيلو تكون أجنابنا مستندة على مانع مائي (في الشمال البحر الأبيض المتوسط وفي الجنوب خليج السويس) وبالتالي يكون العدو مجبرا على أن يهاجم بالمواجهة (أي وجها لوجه) لان كل حروبه السابقة كان يلتف حول قواتنا ويهاجمنا من الخلف والأجناب فإذا ما استندت الأجناب على المواقع المائية.. إذن لن يستطيع تطويق قواتنا.. ويضطر للهجوم بالمواجهة وهذا ليس في صالحه.. لاننا سنحدث فيه خسائر كبيرة.. واسرائيل لها مقتلين.. المقتل الأول هو عدم قدرتها على تحمل خسائر بشرية كبيرة.. والمقتل الثاني هو اطالة مدة الحرب. أكبر الخسائر - ماذا كان مصير هذه الخطة حين ناقشتها مع القيادة العسكرية؟ ــ عندما ناقشتها مع الفريق محمد صادق وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة حينها.. اعترض وقال : انها ترمي إلى تحرير 1000 كيلو متر من سيناء ويبقى بعد ذلك 60,000 كيلو متر يحتلها العدو. فشرحت فلسفتها الحقيقية وقلت: لا يهمني احتلال الأرض ولكن يهمني احداث أكبر خسائر ممكنة في العدو. فإذا دمرت القدرات القتالية للعدو وقدراته على الهجوم تصبح سيناء مفتوحة لقواتنا تتقدم فيها كما تريد.. المهم ان نقضي على القوات الموجودة في سيناء. - ماذا حدث بعد ذلك؟ ــ استمر الصراع الفكري بيننا مدة طويلة حتى تم الاتفاق على ان نضع خطتين.. الخطة التي أريدها بالامكانيات الفعلية وأسميتها (المآذن العالية) وكانت على درجة من السرية العالية ولا يعلم بها سوى عدد محدود جدا من قادة القوات المسلحة وتعتمد على قوات موجودة في الواقع. أما الخطة الثانية فكانت كيف نصل إلى المضايق؟ وهي أقرب إلى مشروع تدريبي منه إلى خطة حيث يفترض وجود قوات ليست موجودة فعلا.. وكان الهدف منها أن نقول للروس كي نصل إلى المضايق نحتاج إلى أسلحة ومعدات معينة وبكميات محددة.. وأعطينا هنا الخطة اسم (41) . هذا هو الموقف في أغسطس 1971.. حيث أصبح لدينا خطتان هجوميتان ولم يدع أحد حتى الآن انه صاحب خطة المآذن العالية (التي وضعتها) والتي نفذت في حرب أكتوبر. - البعض يقول ان الخلاف بينك وبين المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية في أكتوبر بدأ مبكرا, فما هو وجه الحقيقة في ذلك؟ ــ في يونيو 1972 كان أحمد إسماعيل رئيس جهاز المخابرات العامة, ووصل إلى علمي ان القوات المسلحة أعدت خطة (المآذن العالية) فأرسل تقريرا للرئيس السادات يقول فيه: ان القوات المسلحة المصرية غير مؤهلة للقيام بأية عملية هجومية في سيناء في ذلك الوقت وانه إذا استدرجنا العدو إلى هذه المعركة فسوف تدمر القوات المسلحة ويحذر من القيام بأية عملية هجومية.. وعندما وصل هذا التقرير إلى السادات.. دعا إلى مؤتمر في القناطر الخيرية في السادس من يونيو 1972.. وكل الكتب التي صدرت في هذا الشأن لم تذكر هذا المؤتمر أبدا.. وحتى حسنين هيكل لم يذكره أيضا. اجتماع محدود وهذا المؤتمر حضره عدد محدود من القادة وهم الرئيس السادات, ووزير الحربية والقائد العام وهو الفريق محمد صادق, والفريق سعد الشاذلي (أنا) كرئيس للأركان, واللواء الجمسي رئيس هيئة العمليات وعن القوات الجوية اللواء المسيري, ومحمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي ومدير المخابرات الحربية) وتمت قراءة تقرير أحمد إسماعيل علينا وخاصة حيثياته وهي عدم قدرتنا على الهجوم لضعف قواتنا الجوية وعدم وجود دفاع جوي متحرك وإذا ما دخلنا الحرب سندمر.. إلخ. وبعد القراءة طلبت الكلمة من الرئيس السادات وقلت: الحيثيات التي جاءت بخصوص القوات الجوية والدفاع الجوي.. حقيقة لا جدال فيها ولكني أختلف مع أحمد إسماعيل في الاستنتاجات.. فاستنتاجه يقول لا ندخل الحرب.. لكن أنا أقول من قال اننا سندخل الحرب بقصد تحرير سيناء ونعرض قواتنا للقصف الجوي والتدمير.. أنا أقول نعبر مسافة 10ــ15 كيلو (خطة المآذن العالية) ونضع العدو أمام خيارين كلاهما مر.. اما ان يهاجم بالمواجهة وفي هذه الحالة سنحدث فيه أكبر خسائر ممكنة أو أن يطيل مدة الحرب وهذا في صالحنا وليس في صالحه أما إذا كنا نريد أن ننتظر ــ كما يقول مدير المخابرات العامة ــ حتى تصبح قواتنا الجوية ندا للقوات الجوية الاسرائيلية فهذا لا يعلمه إلا الله فقد يأخذ عشرات السنين بل بالعكس فإن فجوة التفوق في القوى الجوية تزداد لصالحهم. وبعد أن قلت هذا شهد شاهد من أهلها.. قام اللواء المسيري ممثل القوات الجوية وقال: أؤيد كلام الفريق سعد الشاذلي 100%.. ولكن الفريق محمد صادق كان (مبسوطا) من التقرير لانه يؤيد وجهة نظره.. وكان من المفترض أن يتخذ الرئيس السادات قراره وخاصة انه أصبح لديه رؤية كبار مستشاريه ــ اثنين منهم في جانب وهما القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية (محمد صادق) وأحمد إسماعيل رئيس المخابرات العامة ــ وهي ضد الحرب الآن.. وضد رأي الفريق سعد الشاذلي ولكن السادات لم يتخذ قرارا وترك القضية (عايمة) . - في هذه الفترة تم وبشكل مفاجئ اقالة وزير الدفاع الفريق محمد صادق.. فما أسباب ذلك؟ ــ عندما أقال السادات الفريق محمد صادق أراد أن يعطي مبررا للرأي العام لخطوته وليس دائما المبرر المعلن هو المبرر الحقيقي.. وأصل الحكاية ان محمد صادق كان يسير على نهج عبدالحكيم عامر بأن يكسب الضباط بالخدمات والسفر والعلاج للخارج وغيره.. ونتيجة لهذا أصبح شخصية محبوبة بين القوات المسلحة وهذا وضع لم يشعر السادات بالأمان والاطمئنان هذا هو الجانب الحقيقي في الموضوع, وليس كما قال السادات ان محمد صادق لا يريد أن يدخل الحرب. - بعد تولي أحمد إسماعيل وزارة الحربية ألم تفتح معه موضوع خطتك (المآذن العالية) ؟ ــ بعد ان أصبح قائدا عاما للقوات المسلحة سألته هل تذكر التقرير الذي أرسلته للرئيس السادات في يونيو 1972؟.. قلت له الأمر لم يتغير كثيرا.. فالقوة النسبية بيننا وبين اسرائيل كما هي.. وان الخطة الوحيدة الممكن تنفيذها الآن هي المآذن العالية. وفي ابريل 1973 جاء أحمد إسماعيل وقال لي: نريد عمل خطة للوصول إلى المضايق. وفي جميع لقاءاتنا منذ ابريل وحتى أكتوبر مع القيادة السورية كنا نتبادل شرح الخطط.. وكنت عندما أشرح خطتنا الخاصة بالعبور أشرحها بالتفصيل تماما.. وعندما أصل إلى الخطة الأخرى (الخاصة بالمضايق) أقول وبعد وقفة تعبوية تقوم قواتنا بتطوير هجومها نحو المضايق.. وكلمة وقفة تعبوية كلمة مطاطة فهي في التعبير العسكري وقفة لظروف خارجة عن الطاقة وتستأنف بعد أن تزول هذه الظروف.. وقد تصل الفترة إلى بضعة أسابيع أو بضعة شهور أو أيام.. فهي أمر غير محدد كي نغطي العملية.. ويضيف الشاذلي: استمر هذا الوضع إلى أن دخلنا شهر أكتوبر بخطة (المآذن العالية) وإن كنا أسميناها قبل المعركة بعدة أيام (بدر) لانها ستكون في رمضان.. ولكنها نفس الخطة. ولم يدع أحد بأنه كان هناك خطة للتقدم نحو المضايق لم يذكر أحد شيئا عنها, والجمسي هو الوحيد الذي قال ان الخطة كانت الوصول إلى المضايق وهذه لها قصة عندما ورطه السادات عندما أقام ندوة سنة 1975 وكان الجمسي وزيرا للحربية وقائد عام فإذا انتقد خطة التقدم نحو المضايق فهذا معناه انه (يضرب) في السادات لان السادات ادعى انه اتجه نحو المضايق لتخفيف الضغط عن سوريا. وأذكر انه في 23 أغسطس 73 اجتمعت القيادة العليا المصرية والسورية في رأس التين في الاسكندرية وكان الهدف من هذا الاجتماع ان نعلن تمام استعدادنا للقتال ونعرض الموقف على القيادة السياسية لاتخاذ قرار لان الحرب أولا وأخيرا قرار سياسي. وفي هذا الاجتماع اتفقنا على كل التفاصيل ورفعنا تقريرا إلى القيادة السياسية الممثلة في الرئيسين السادات والأسد.. نقول لهم اننا جاهزون للحرب والوقت المناسب لهذه الحرب سيكون اما في نهاية سبتمبر أو بداية اكتوبر.. والقيد الوحيد هو انهم يعطوننا القرار قبلها بـ15 يوما. وفي 23 سبتمبر أخطرنا ان قرار الحرب سيكون يوم السادس من أكتوبر.. وهذا يعني ان قرار حرب أكتوبر الذي اتخذه السادات والأسد كان يوم 22 سبتمبر.. وفي أول أكتوبر جمع السادات القيادة العليا ليتأكد من استعدادهم للحرب.. وهكذا اتخذ قرار حرب أكتوبر. خطأ المضايق - بعد العبور وتحطيم خط بارليف.. هل صحيح اننا ظللنا متفوقين عسكريا إلى أن تدخلت أمريكا في الحرب عبر الجسر الجوي الذي أمدت اسرائيل به؟ ــ هذه المعلومات غير صحيحة فنحن معترفون ان العدو أقوى منا في الطيران وليس لدينا دفاع جوي يتصدى له ولهذا قلنا هجوم محدود والتوغل 10ــ15 كيلو في سيناء. المهم ان أحمد إسماعيل عاد وأصدر قرارا ليس للمناقشة بصفته القائد العام للقوات المسلحة بأنه لابد من تطوير الهجوم ناحية المضايق. قلت له: ضع أنت خطة هذا التطوير (حتى لا أشارك في هذه الجريمة) فوضع الخطة.. وكان من ضمنها اننا سندخل سيناء بـ400 دبابة بينما العدو أمامنا بـ900 دبابة.. ونحن لا نملك الدفاع الجوي وهو يملك الدفاع الجوي.. أليس هذه كارثة! وكان نتيجة هذا اننا فقدنا 250 دبابة في أقل من ساعة بينما لم نفقد هذا العدد طوال ثمانية أيام بما فيهم العبور. - ما هو تفسيرك العسكري لما أعلنه السادات آنذاك بتخفيف الجبهة المصرية العبء عسكريا على الجبهة السورية, والعكس أيضا؟ ــ ليكن في علم الجميع انه لا الجبهة المصرية آنذاك كانت تستطيع أن تخفف العبء عن سوريا ولا الجبهة السورية تستطيع أن تخفف الضغط عن الجبهة المصرية وذلك للتفوق الاسرائيلي الساحق في القوات الجوية. ولذلك قلت لابد من تقوية الجبهتين السورية والمصرية بحيث تستطيع كل جبهة أن تكون مستقلة وأن تدافع عن نفسها. الجبهة السورية قوية وبالأرقام فإن الجبهة السورية كانت أقوى من الجبهة المصرية.. ولا تحتاج تخفيف العبء عنها بل على العكس.. بالاضافة إلى مشكلة كبيرة لم أعرفها إلا منذ خمس سنوات عندما نشر هيكل كتابه (الحرب والسياسة) قال انه ذهب لزيارة السادات يوم 11 أكتوبر ليلا فوجده في قمة السعادة.. وقال له ان الجبهة المصرية ممتازة وكانت هناك بعض المشاكل على الجبهة السورية ولكن الامدادات الروسية (نازلة بقوة) في دمشق والموقف (كويس قوي) . واستطرد السادات قائلا: حكمتك يا رب أنا كل ما أكلم واحد من الملوك والرؤساء يقولوا لي حاضر يا أفندم وهذا يوضح ان النصر أدار رأس السادات وبعد أن كان يطمح في أن يكون بطلا مصريا أصبح يطمح في أن يكون بطلا عربيا. وفي يوم 12 أصدر قرارا لأحمد إسماعيل بضرورة تطوير الهجوم نحو المضايق لتخفيف الضغط عن سوريا. فماذا حدث من مساء 11 أكتوبر حتى الساعة الثامنة صباحا يوم 12 أكتوبر؟ أي في عشر ساعات أنا أريد أن أعرف الحقيقة؟ احتمال أن تكون هناك قوى أجنبية ضغطت على السادات!! - السادات عندما اتخذ قرار وقف اطلاق النار قال أنا لا أخاف اسرائيل ولكني لن أحارب أمريكا.. فما رأيك في هذا الكلام وهل هذه كانت الحقيقة؟ ــ غير صحيح على الاطلاق فنحن منذ دخلنا الحرب ومنذ بدأ جمال عبدالناصر في اعداد القوات المسلحة بعد النكسة ونحن نعلم ان العدو الرئيسي ليس اسرائيل فحسب بل اسرائيل وأمريكا.. وإذا وضعنا في حسابنا اننا لن نحارب أمريكا لا ندخل الحرب من أساسه.. ولكن نحن نعلم تماما ان أمريكا وراء اسرائيل. إذن مقولة السادات اننا لن نحارب أمريكا مقولة غير صحيحة, وإذا كنا قد التزمنا بخطة حرب أكتوبر (المآذن العالية) أو (بدر) فيما بعد لا يهمني اطلاقا أن ترسل لهم أمريكا أسلحة لأني أستطيع وفق خطتي أن أتصدى لهم وأحدث فيهم خسائر. - ولكن الرئيس السادات قال ان الامدادات الروسية توقفت وانه يواجه أمريكا بمفرده.. فهل هذا صحيح؟. ــ غير صحيح.. فالروس أمدونا بالأسلحة. ولم يتوقفوا, ولكن نوعيات الأسلحة الروسية مختلفة عن الأمريكية. إذن فالجسر الجوي الأمريكي كان يقابله جسر جوي روسي ولكن السادات ادعى هذه الحكاية كي يبرر قراراته الخاطئة.. وإذا ما كنا قد التزمنا بالخطة ووقفنا على بعد 10ــ15 كيلو وتركناهم يهجموا ولم نتحرك ناحية المضايق ما كان للثغرة أن تحدث اطلاقا.. وكان يمكن أن نكبد العدو خسائر فادحة, وللتاريخ أقول ان السوفييت كانوا يعاملوننا أفضل من معاملتهم لأعضا حلف وارسو. الثغرة - لماذا حدثت الثغرة... وكيف؟ ــ خطأ يقود إلى خطأ.. والخطأ الأول هو تطوير الهجوم نحو الشرق.. وقد ارتكب يوم 14.. ولم يكن هذا ليحدث إلا على أساس الاحتياطي الاستراتيجي لنا.. وقد كان لنا فرقتان في الغرب وهي الفرقة الرابعة المدرعة والفرقة 21 مدرعة.. ولأغراض الهجوم يوم 14 دفعت هاتين الفرقتين إلا لواء واحدا بقي منهم في الغرب.. فأصبح غرب القناة (فاضي) من القوات.. واستطاعت أمريكا عن طريق طائرات الاستطلاع أن تكتشف هذا الأمر ونقلته لاسرائيل. وبعد أن فشل الهجوم طالبت بعودة القوات التي دفعت إلى الشرق إلى غرب القناة.. فرفض السادات وأحمد إسماعيل الذي كان عنده عقدة الانسحاب منذ 1967.. وأصبحا يخلطان بين المناورة بالقوات والانسحاب.. وهناك فرق ان أسحب قوات لأضرب في مكان آخر وأن أنسحب من معركة. ونتيجة هذا الرفض قام الاسرائيليون بالاختراق في منطقة الدفرسوار (ثاني يوم) وحدثت الثغرة.. وقمت بعمل خطة سريعة بسحب الفرقة الرابعة المدرعة ولواء مدرع من الجيش الثالث خلال يوم 16 وأضرب الثغرة وأدمرها تدميرا كاملا يوم 17 أكتوبر. وعرضت الأمر على أحمد إسماعيل بعد عودته من لقاء مجلس الشعب.. فقال: لا.. لن يحدث انسحاب.. كل فرقة تظل كما هي.. واختلفنا مع بعض.. ثم دخل السادات.. وأردت أن آخذه في صفي.. فعرضت عليه وجهتي نظرنا نحن الاثنان حول الموضوع وليس عندي (الخلفية) انه مشحون مني من زمان.. وكانت الصحافة كلها تشيد بي (كبطل) .. وأنا ليس في ذهني كل هذه المسائل.. ولذلك أول ما كلمته انفجر وحدث الصدام الأول بيني وبينه يوم (16) .. وعرفت ان أحمد إسماعيل وراء هذه العملية.. وقال: (مفيش حاجة اسمها انسحاب وسأقدمك للمحاكمة العسكرية) فقلت له: يا سيادة الرئيس هناك فرق بين الانسحاب والمناورة بالقوات.. ولكنه رفض بشدة. - إلى أي مدى استمر الخلاف؟ ــ استمر الخلاف بيني وبين أحمد إسماعيل من 16-18 أكتوبر.. وسافرت إلى قيادة الجيش الثاني يوم 18 وعدت يوم 20 أكتوبر فوجدت الموقف سيئا للغاية.. وعندما عدت قلت لأحمد إسماعيل يجب أن نسحب أربع ألوية من الشرق (الليلة) حتى نستطيع ايقاف الثغرة يوم 21ــ22 ونمهد الموقف لتدمير الثغرة في الأيام التالية.. فعارض هذه الفكرة.. فطالبت بضرورة حضور رئيس الجمهورية ليتحمل المسؤولية التاريخية فقال أحمد إسماعيل يصعب أن نحضره الآن الساعة العاشرة مساء, وأصررت على موقفي إلى أن اتصل بالسادات تليفونيا وشرح له الأمر وقال له: نريدك أن تحضر لحسم الخلاف بيننا. وحضر السادات بعد نصف ساعة ودخل على غرفة أحمد إسماعيل وجلس معه ساعة ومعه اللواء عبدالفتاح عبدالله وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية وبعد انتهاء اجتماعهم جاء إلى غرفة العمليات وكان معي مجموعة استشارية صغيرة مكونة من رئيس هيئة العمليات, وقائد القوات الجوية, وقائد الدفاع الجوي, والجمسي, وقائد المدفعية سعيد الماحي, ومدير المخابرات الحربية. ولكن السادات خرج من عند أحمد إسماعيل والقرار في رأسه. - السادات قال ان القيادات العسكرية كانت مختلفة معك؟ ــ ليس صحيحا على الاطلاق فعندما يتكلم قائد القوات الجوية لا يتكلم إلا عن قواته فقط, وأيضا قائد الدفاع الجوي فقط.. وكذلك قائد المدفعية, وأول المتكلمين يكون مدير المخابرات يقول ما هي احتمالات العدو وما هو موقفه بالضبط وبعد ذلك يتكلم كل قائد عن قواته.. ثم يتكلم رئيس هيئة العمليات عن موقف قواتنا.. ورئيس الأركان فقط هو الذي يتكلم عن الخطة التي هي المحصلة النهاىة للعدو واحتمالاته وموقف قواتنا.. والخطة قلتها من قبل لمواجهة هذه الثغرة وهي سحب أربعة ألوية.. السياسة والسلاح ولم يطلب مني السادات ولم يسمح لي أن أتكلم.. والمفروض أن أشرح خطتي ثم يأخذ القرار.. ولكنه لم يفعل واتخذ القرار بألا يتم سحب أية بندقية أو دبابة من الشرق إلى الغرب ويبقى الموقف على ما هو عليه.. وكل وحدة تقاتل في مكانها.. أي انه نفذ رأي أحمد إسماعيل بينما هو مقتنع في داخله بوجهة نظري بدليل انه خرج من هذا الاجتماع وطلب من السفير الروسي الساعة 12 مساء أن يأتي له ويبلغه انه طالب وقف اطلاق النار وهذه معلومة لم نعلمها إلا بعد الحرب. - ذكر السادات في كتابه البحث عن الذات انك عدت يوم 20 من الجبهة (منهارا) فهل هذا صحيح؟ ــ هذه مقولة غير صحيحة لم يؤيده فيها أي من الذين خاضوا معنا الحرب.. وهناك مذكرات الجمسي التي نفت ذلك.. وجمال حماد أيضا نفى ذلك وقال لم يحدث هذا. - بعد 25 سنة من حرب أكتوبر.. هل ترى انها حققت أهدافها؟ ــ حرب أكتوبر لها نتائج عسكرية وسياسية.. فلا يستطيع أحد أن ينكر أن مصر حققت لأول مرة بعد سلسلة من الهزائم في العصر الحديث نصرا عسكريا عظيما كما قال الخبراء الأجانب في الندوة الدولية التي أقيمت سنة 1975 وأشادوا بعملية العبور وقالوا انه لم يكن في استطاعة أي جيش في العالم أن يفعل أفضل مما فعله المصريون في هذه الحرب. وقال واليعازر في كتابه: اننا كنا في مناقشة قبل الحرب. وتساءلنا ماذا يمكن أن نفعله إذا قام المصريون بعملية مباغتة على قناة السويس. فقال موشي دايان ساخرا لكي ينتصر المصريون ويدمروا خط بارليف ويعبروا القناة فإنهم يلزمهم أن يدعموا بسلاح المهندسين الأمريكي والسوفييتي معا وليس هناك أكثر من شهادة الخصم بذلك.. وأنا أعتز بهذه الشهادة وأقول انه كان عندنا فعلا 35 كتيبة مهندسين مصرية شاركت في انجاح عملية العبور فإذن كل ما حدث من أخطاء في الناحية العسكرية كان بسبب تدخل القيادة السياسية وهذا أمر معيب لا نجده إلا في دول العالم الثالث.. لأن في الدول الديمقراطية القيادة السياسية لها مسؤولية تحديد الهدف أما القيادة العسكرية فهي التي تقوم بتنفيذ هذا الهدف دون تدخل من القيادة السياسية. ليست آخر الحروب - موشي دايان قال ان حرب 67 آخر الحروب, والسادات تمنى أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب فهل تتوقع فعلا أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب مع اسرائيل؟ أم يمكن أن تقوم حربا جديدة؟ ــ من المؤكد أن ذلك سيحدث.. لان من يقول ان حرب 73 آخر الحروب لا يملك رؤية استراتيجية ولا رؤية دينية فالدين والاستراتيجية يؤكدان ان هذا غير حقيقي.. فالدين قال: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) وقال ان الصراع بيننا وبين اليهود حتى يوم القيامة. وعسكريا إذ وضعنا مقارنة بين الدول العربية واسرائيل على الخريطة نجد ان هناك تفوقا ساحقا في الامكانيات إلى جانب الدول العربية.. لانني عندما أقدر القوى الاستراتيجية لأية دولة من الدول هناك عناصر رئيسية: العنصر الأول هو اتساع الاقليم.. ومساحة الدول العربية إذا افتراضنا انها ــ اجتمعت ــ تصبح 14 مليون كيلو متر مربع.. وهي أكبر مساحة لدولة في العالم.. والثروات الطبيعية ثروات لا نهائية في مقدمتها المياه والبترول.. وعدد الأفراد وهو حوالي 250 مليونا.. وإذا ما قارنا هذا باسرائيل سنجد نسبة تفوق (50 إلى 1) تبقى المشكلة فقط في تحقيق الديمقراطية التي تصل بالشعب العربي إلى خياراته الصحيحة. - هل تتوقع تحقيق سلام عادل في المنطقة؟ ــ لا يمكن تحقيق سلام عادل إلا إذا تحقق توازن استراتيجي في المنطقة.. فالمفاوضات لا تجرى إلا بين منتصر ومنهزم.. الفريق الأقوى يفرض رأيه على الفريق المهزوم.. والفريق المهزوم ليس له إلا أن يقبل بالحل الذي يفرض عليه. في علم الغيب - ماذا عن قدراتنا العسكرية مقارنة بقدرات اسرائيل؟ ــ العرب يملكون 3000 طائرة في حين ان اسرائيل تملك 600 طائرة, ونملك حوالي 20,000 دبابة واسرائيل 4600 دبابة ولكن هل عناصر القوة هذه موجهة إلى اسرائيل؟ طبعا لا. فنحن نقاتل بعضنا.. إذن عندما نمتلك عناصر قوتنا وتحكمنا أنظمة ديمقراطية.. ونعود لإسلامنا كل هذه المشاكل ستحل فأنا متفائل.. لكن متى سيحدث هذا.. هو في علم الله. إيجابيات سلبية - الكاتب الكبير نجيب محفوظ يرى ان حرب الاستنزاف إحدى الايجابيات السلبية في فترة حكم عبدالناصر.. فما رأيك في هذا القول؟ ــ هناك مصطلحات غامضة تحتاج إلى ايضاح.. فما هو المقصود بالايجابيات السلبية! أنا أعتقد انها ايجابيات ولكن ليست ايجابيات سلبية.. فهناك من رأى حرب الاستنزاف على انها حرب مكلفة لنا وان خسائرنا من خلال هذه الحرب كانت أكثر من خسائر اسرائيل البشرية وفي المعدات.. وهذا خطأ في التصوير. فإذا افترضنا انه ينظر للحرب ايجابية أم سلبية وان المقياس الوحيد لقياس هذه الايجابيات ومدى ما تحملناه من خسائر في الأفراد والمعدات ومدى ما تحمله العدو من خسائر أيضا.. ففي هذه الحالة إذا سلمنا بهذا الجدل فهم صادقون في هذا التصوير.. لان نحن فعلا خسائرنا كانت أكثر ولكن هناك أشياء أخرى اننا تعلمنا دروسا كثيرة ورفعنا معنوياتنا وهذا ساعدنا في وضع التخطيط الصحيح لحرب أكتوبر التي انتصرنا فيها ويجب ألا نهمل هذا. وعندما أنشأنا قواعد الصواريخ خلال هذه المرحلة وبنينا ملاجئ الصواريخ.. كانت الطائرات تأتي لتقصفنا.. ولكن كان هناك اصرار وتحدي.. وهذا الذي مكننا في يونيو سنة 1970 أن ننشئ حائط الصواريخ ونحدث خسائر كبيرة في الطائرات.. مما جعل اليوم الأخير من يونيو كل عام عيدا لقوات الدفاع الجوي. وكل هذه مكاسب يجب أن نضعها نصب أعيننا.. ولا بد أن نهتم بعنصر الدروس المستفادة وعنصر رفع المعنويات, فإذا ما وضعنا هذين العنصرين بجانب خسائرنا فستكون الكفة في صالحنا. القاهرة ــ مكتب (البيان) ــ حوار ماجدة معمر