متى يستفيد العرب من دروس التاريخ؟ سؤال قد يستغرق البحث عن اجابة له فترة طويلة دون ان نصل الى اجابة. فرغم ان عمر الصراع العربي الاسرائيلي قد تجاوز الخمسين عاما منذ انشاء الدولة العبرية , ومائة اذا قسناه باعتبار مؤتمر بازل هو اساس بدء الصراع, الا انه من الواضح اننا لا نستفيد او حتى لا نحاول الاستفادة من الخبرات التي يمكن ان تراكمها السنين. واحد الدروس الاساسية التي كانت ينبغي ان تكون مجالا للوضع في الاعتبار هي ان اسرائيل في غمرة مساعيها التوصل الى تسوية مع العرب يقرون خلالها بالاعتراف بها وبخصوصية وضعها كانت تستهدف جر العرب فرادى لعملية التفاوض, وكانت ترى صعوبة او استحالة التفاوض مع العرب كوفد موحد. وظلت اسرائيل على مدى سنوات الصراع خاصة بعد حرب 73 تناور وتسعى لتحقيق اهدافها وكان نجاحها الاول مع السادات من خلال اتفاقيات فك الاشتباك, ثم كانت خطوة الاستدراج الثانية والتي على اثرها كانت التوجهات الفردية من قبل مصر بدءا من مبادرة (السلام) في نوفمبر 77 وحتى توقيع اتفاقيات سلام بين الجانبين في مارس 79. ورغم الرفض العربي فلم يصمد هذا الرفض طويلا فكان الانهيار على ما بات يعرف بــ (المسارات) التفاوضية الاخرى. لقد دخل العرب مؤتمر مدريد على اساس توازي المسارات, غير ان قبول فكرة وجود وفود مختلفة كل وفد يعبر عن دولته كان يمثل اساسا لفكرة فصل مسارات التفاوض والدخول في مفاوضات ثنائية لها آليتها وحركتها الذاتية المنفصلة عن بقية المسارات بغض النظر عن كل الوعود التي قدمت سواء كانت سرية او علنية. وتحقق الهدف الاسرائيلي بالتوصل الى اتفاقيات (جزئية) على المسار الفلسطيني الذي تجاوز مفاوضوه فكرة تلازم المسارات بل تجاوزوا صيغة مدريد اصلا. ثم تكرس تحقق الهدف الاسرائيلي بالتوصل الى اتفاق وادي عربة بين الاردن واسرائيل وبقي المساران السوري واللبناني دون التوصل الى نتيجة بشأنهما. وقد سعت اسرائيل بكل جهدها لفك تلازم المسارين, غير ان لخصوصية العلاقات اللبنانية السورية تحطمت كل مساعيها رغم كافة (المشهيات) التي حرصت على تقديمها للجانب اللبناني. وبعد توقف دام اكثر من عامين ونصف العام فقد كان من الطبيعي ان يثور القلق بشأن مستقبل عملية التفاوض بين كل من سوريا ولبنان مع اسرائيل, هنا كانت الصفعة من الولايات المتحدة ان المسارين عليهما ان ينتظرا التوصل الى اتفاق نهائي او فض اليد من المسار الفلسطيني, فيما يمثل نقضا عمليا للاساس الذي قامت عليه صيغة مدريد. وهو امر راح يذكر به في نبرة تستحق تعاطف وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بتأكيده على ان ذلك يخالف ماتم الاتفاق عليه. والسؤال: متى التزمت الولايات المتحدة او اسرائيل بأمور يتم الاتفاق عليها؟ ولا يقتصر هذا على الوعود السرية او المكتوبة وانما الى نصوص الاتفاقات نفسها... فواشنطن وتل ابيب قد لا يجدان غضاضة في الاخلال بهما وليفعل الرافضون مايفعلون! قد يتساءل البعض: لقد انطلق العرب في موقفهم من ان الاتفاقات تمثل مرجعية اساسية, وان هذا يمثل المبرر الاساسي لقبول الوعود الامريكية وقبول الالتزام الاسرائيلي بالاتفاقات؟ غير ان هذا نوع من الوهم... فالمرجعية الاساسية لدى واشنطن وتل ابيب هي القوة... وليس شيئا غيرها... وهو امر يبدو انه يتجاوز الحديث عن دروس التاريخ!