على مدى العامين الماضيين بُذلت أكثر من محاولة لجذب روسيا للدخول في حرب في المنطقة الشمالية لأفغانستان على الحدود مع أوزبكستان وطاجيكستان اللتان تربطهما مع روسيا معاهدة دفاع مشترك وقعت في مايو 1992 , وقد تصاعدت حدة النزاع على الحدود الأفغانية الطاجيكية في يناير 1997, وكادت بالفعل أن تؤدي إلى دخول الجيش الروسي في حرب مع قوات طالبان التي طاردت قوات الجنرالين دوستم ومسعود وأجبرتهم على دخول الحدود الطاجيكية والأوزبيكية, وصدرت انذاك تصريحات على لسان نائبة وزيرة الخارجية الامريكية (روبين ريفل) تقول فيها (إن الحرب الافغانية سوف تندلع مرة ثانية مع روسيا على حدود الدول المستقلة) , وصرح الجنرال دوستم آنذاك بأن (لديه معلومات مؤكدة بأن طالبان تلقى دعما قويا من باكستان وواشنطن وتسعى الى جر روسيا الى حرب جنوبية في وسط اسيا تستنفذ فيها ما تبقى لديها من قوة) . ولم يحدث الصدام بين روسيا وطالبان, وتغيرت الأوضاع وتصاعدت حدة الازمة الاقتصادية في روسيا, وباتت تهدد بالانهيار الداخلي في روسيا والتأثير على الاسواق المالية في غرب اوروبا وامريكا. وأصبح الامر لا يستدعي اغراق روسيا في نزاع عسكري واسع النطاق, ولكن ظلت طالبان كما هي تثير النزاعات وتتقدم في مختلف الاتجاهات ساعية الى تثبيت نفوذها, في الوقت الذي مازالت فيه طموحات البعض تنمو تجاه استخدام طالبان لاثارة النزاعات في هذه المنطقة الحيوية التي لم يحن الوقت بعد لتقسيم النفوذ فيها خاصة في ظل وجود قوى جديدة تنمو في هذه المنطقة وتحاول اثبات وجودها, وعلى رأس هذه القوى ايران التي تسعى لاستعادة نفوذها في المنطقة عن طريق توطيد علاقاتها مع الدول ذات النفوذ والهيمنة هناك, وطموحا منها لتحقيق مكاسب اقتصادية عن طريق المشاركة في خطوط نقل النفط والغاز من منطقة بحر قزوين في اتجاه الخليج العربي جنوبا. ولان استقرار الاوضاع في اية منطقة يخدم في الاساس مصالح الدول الكبيرة الواقعة فيها, ونظرا لتضارب المصالح الايرانية الامريكية وطموح كل منهما لفرض الهيمنة والنفوذ على المناطق الحيوية في وسط اسيا, فقد كان من الضروري اللعب مرة اخرى بورقة طالبان مع استبدال احد اطراف اللعبة, وكان البديل لروسيا في هذه المرة (ايران) القوة الصاعدة والمهددة لمصالح البعض في هذه المنطقة الحيوية, وهكذا ينصب الفخ الأفغاني مرة أخرى لإثارة الإضطرابات والقلاقل, وفي هذه المرة تبتعد روسيا المنهكة والمنهارة اقتصادياً وتدخل مكانها ايران الصاعدة.