ظاهر الازمة يقول انها بدأت بمصرع تسعة دبلوماسيين ايرانيين على يد جنود حركة طالبان الافغانية عندما دخل هؤلاء مدينة مزار شريف, معقل المعارضة المسلحة في شمال غرب افغانستان .. وكان الدبلوماسيون التسعة قد اختفوا منذ اغسطس الماضي, فلما اتهمت الحكومة الايرانية حركة طالبان بمسؤوليتها عن اختفائهم, وألحت في المطالبة بتسليمهم لها, اعترفت حركة طالبان اخيرا بأنها عثرت على جثثهم قتلى.. فردت ايران على ذلك بحشد نحو مائة ألف على حدود افغانستان بدعوى اجراء مناورات عسكرية ضخمة, وهدد رئيسها آية الله خاتمي بأن هذه الجريمة لن تمر دون عقاب.. وهكذا خيّم شبح الحرب بقوة فوق المنطقة, واصبح احتمال الانفجار قائما اكثر من اي وقت مضى, بالرغم من مناشدات الدول الاسلامية, وتدخل باكستان السريع بالوساطة من اجل اخماد شرارة الحريق قبل ان يتعاظم, ويأكل الاخضر واليابس, ليس على مستوى افغانستان وايران فحسب, وانما قد يجر الى الحرب قوى اخرى شرقا وشمالا وجنوبا وغربا.. حتى يتسع الخرق فلا تبقى فرصة لرتقه ولو بعد حين.. غير ان هذا الظاهر له ابعاد اكثر عمقا, وبالتالي اكثر خطورة. اول هذه الابعاد يرجع الى نشأة حركة طالبان ذاتها وسط لهيب الحرب الاهلية التي اشتعل اوارها بين مختلف فصائل المجاهدين الافغان بمجرد انسحاب القوات السوفييتية الغازية في اواخر الثمانينات, وبعد ان كانت مدافع المجاهدين مصوبة الى صدور الغزاة انقلب قادة الجهاد على بعضهم البعض.. في صراع دموى من اجل السلطة.. وشهدنا سبع فصائل تقتتل فيما بينها, ولكل فصيل امير يدعي الحق وحده في الحكم.. واستمر القتال سنوات بين اتباع كل من حكمتيار وشاه مسعود ورباني ويونس خالص في جانب, ومجددي وجيلاني ومحمد نبي في جانب آخر.. حتى بلغت ضحايا الحرب الاهلية اضعاف خسائر المجاهدين في حربهم الوطنية ضد الغزاة الروس.. وحتى بلغ بهم الامر الى درجة قصف العاصمة كابول بالمدافع فوق رؤوس اهلها. وهو ما لم يحدث في ايام الغزو السوفييتي.. وفي هذه الظروف نشأت حركة طالبان, بقيادة مجموعة من طلبة كلية الشريعة, رافعين شعار الحكم للشعب وليس لامراء الحرب المتصارعين من اجل السلطة.. ووجد هذا الشعار استجابة واسعة لدى الافغانيين الذين ضاقوا ذرعا بالصراع الدموي الذي لم يعرف حدودا, والذي تغذية الاسلحة الامريكية لكي يستمر بدون انتصار حاسم لفريق دون الآخر.. وفي غضون شهور قليلة اصبح شعار حركة طالبان يمثل الامل بالنسبة للشعب الافغاني الذي اثخنته الجراح. وفجأة تدفقت الاسلحة الامريكية على انصار الطالبان.. ومع انهم في معظمهم لم يكن لديهم اية خبرات عسكرية, الا ان الكثرة العددية عوضت هذا القصور.. وفي فترة وجيزة جدا تمكنت حركة طالبان من دحر الفصائل المتصارعة واحدة بعد الاخرى, حتى اصبحت اليوم تسيطر على نحو 90 بالمائة من مساحة افغانستان, ولم يبق للمعارضة التي انقطع عنها الحبل السري للمساعدات الامريكية سوى بضع جيوب على تخوم ايران.. وهذه الجيوب الشيعية في معظمها تستند الى دعم محدود, او بمعنى اصح كان حتى الان محدودا من جانب ايران, ليس فقط بحكم الجوار, وانما ايضا بحكم المذهب الشيعي المشترك, في مواجهة حركة طالبان السنية, ومظاهريها الباكستانيين.. وقد يتساءل البعض, لماذا حجبت امريكا, ومعها باكستان, دعمهما العسكري الضخم الذي كانتا تقدمانه لحكمتيار منذ ايام القتال ضد الغزو السوفييتي, ثم آثرت به طالبان؟ والاجابة سهلة ومفهومة, فالولايات المتحدة المتطلعة الى استغلال الثروات النفطية الواعدة في منطقة بحر قزوين, تخطط لنقل النفط عبر خط انابيب يخترق افغانستان الى باكستان ثم المحيط الهندي, وهذا يتطلب شرطا اساسيا هو استقرار الاوضاع في افغانستان وواضح ان الولايات المتحدة وجدت ان حركة طالبان هي الاقدر على ضمان هذا الاستقرار من الفصائل المتنازعة حتى الموت, والتي اصبحت بشكل عام لا تستند اي منها الى تأييد شعبي ملحوظ.. وقد يكون هناك سبب آخر يدعو امريكا الى تفضيل حركة طالبان, ذلك هو انها يمكن ان تكون رصيدا لدور اكبر في المستقبل, باعتبارها حركة ثورية سنية, في مواجهة الجار الايراني الشيعي.. دروس من التاريخ ويبدو ان الوقت قد حان, من وجهة نظر واشنطن, لكي تقوم حركة طالبان بالدور المطلوب, سواء عن وعي من قادتها او بلا وعي بهذا الدور.. ولنتأمل معا ساحة العالم اليوم, وما يطرأ عليها من تقلصات, لنجد ان اخطر هذه التقلصات وابعدها اثرا هو تلك الازمة العميقة التي تنخر في النظام الاقتصادي العالمي, والماثلة في انهيار اسواق المال, ذلك الانهيار الذي بدأ في بداية العام بالسقوط المفاجئ لاسواق جنوب شرق اسيا ثم ما لبث ان امتدت تداعياته لتصيب بالهلع بورصات نيويورك ولندن وميونخ وباريس.. وسائر العواصم المالية الكبرى في جميع انحاء العالم, والذي زاد من وطأته الانهيار الاقتصادي الرهيب في روسيا.. والذي يبدو مستحيل العلاج.. حسن.. قد يسأل القارئ الذكي.. وما علاقة ذلك بالازمة المتفجرة بين ايران وحركة طالبان؟ للاجابة على هذا السؤال ينبغي ان نتوقف قليلا عند بعض دروس التاريخ.. فلقد مر النظام الرأسمالي العالمي بمثل هذه الازمة مرتين خلال القرن العشرين.. كانت بداية الاولى في سنة 1911, والثانية في سنة 1939.. وفي الحالتين كان المخرج الوحيد من الازمة هو الحرب العالمية الاولى في سنة 1914, والثانية في 1939.. الحرب هي الوسيلة النموذجية للتخلص من المخزون السلعى الراكد, وتشغيل المصانع المتوقفة, او التي تعمل بنصف او ربع طاقتها من اجل سد حاجة جبهات القتال للسلاح والذخيرة ومستلزمات المقاتلين في المقدمة والمؤخرة.. والحرب هي الوسيلة المثلى للخلاص من مشكلة البطالة, بتجنيد العاطلين وارسالهم بالجملة للقتال والموت في ميادين القتال.. وكلما طال امد الحرب, زادت سرعة دوران آلة الانتاج, حتى اذا ما وصل الامر الى حد الاشباع, توقف القتال, لتعود مصانع الانتاج الحربي للانتاج المدني الذي تعاظمت الحاجة اليه طوال سنوات الحرب, وانصرفت الاستثمارات الى ميدان اعادة بناء ما خربته الحرب.. وتضخمت من جديد اعمال الشركات وارصدتها في البنوك, حتى نبدأ دورة اخرى, وهكذا دواليك.. ولكن الحرب العالمية الان اصبحت مستحيلة.. وحتى الحرب الباردة, التي كانت على نحو ما وسيلة لاتقاء الازمة الدورية للنظام الرأسمالي, عن طريق التقدم التكنولوجي الذي يتيح دائما انتاج انواع جديدة من الاسلحة تحل محل الانواع الاقدم التي ترمى في البحر, او تباع للدول الصغيرة.. الامر الذي يسمح باستمرار عجلة الانتاج في الدوران.. نقول, حتى الحرب الباردة اصبحت بدورها مستحيلة بعد ان زال القطب السوفييتي من الوجود, ولم يعد لدى امريكا من تحاربه.. ولعلنا الان نفهم سر الصرخة التي ارتفعت في امريكا بمجرد انتهاء الحرب الباردة رافعة شعار (لابد لنا من عدو) .. ان وجود (العدو) .. حتى ولو كان وهما من الاوهام شرط لا غنى عنه من اجل التغلب على الازمة الدورية للنظام الرأسمالي.. ومع ذلك تبقى الحرب الساخنة في النهاية هي السبيل الوحيد لتفادي الانهيار الكامل الذي يعني افلاس البنوك وتوقف المصانع وتردي القوة الشرائية وازدحام الشوارع بالعمال العاطلين.. وبالتالي سقوط النظم الحاكمة ــ بالمال او السلطة ــ في الدول الصناعية الكبرى واحدة بعد الأخرى.. مثل قطع الدومينو.. اذن فالعالم الرأسمالي الصناعي الذي يقول عنه البروفيسور هاتنجتون صاحب نظرية صراع الحضارات مواجه اليوم بضرورة البحث عن بديل للحرب العالمية الثالثة التي اصبحت مستحيلة.. والبديل الذي اهتدى اليه العلماء الاستراتيجيون وما يسمونه (خزانات الفكر) في مراكز البحوث الغربية هو: مجموعة من الحروب الصغيرة التي يمكن ان تساوي في مجموعها حربا كبيرة.. وهنا تأتي العلاقة بين الازمة المستقلة على الحدود الايرانية الافغانية من ناحية, والازمة الاقتصادية العالمية المتنامية من الناحية الاخرى.. ان حربا بين البلدين يمكن ان تمتد لعدة سنوات مثل الحرب العراقية الايرانية ـ تستطيع ان تحل جزءا من الازمة العالمية.. خصوصا وان هناك فرصة لكي تمتد شراراتها الى بلدان مجاورة فتتورط فيها على سبيل المثال باكستان, وهذا بالتالي قد يؤدي الى تورط الهند.. ومن الممكن ايضا ان تصل النيران الى جمهوريات اسيا الوسطى.. ومن يدري.. اية دول اخرى قد تشترك طواعية او كرها, او بطريق الاستدراج.. لكي تحل ازمة العالم الرأسمالي ولو الى حد محدود.. فتدور عجلة الانتاج بمصانع الطائرات والصواريخ والدبابات الى ما شاء الله.. فلا تحل الازمة الاقتصادية العالمية فحسب, وانما تتدفق ايضا بلايين الدولارات على تجار السلاح ومنتجيه.. وفي حالة اشتعال الحرب بين ايران وافغانستان سيضرب اعداء الاسلام والمسلمين اكثر من عصفور بحجر واحد.. فبدلا من ان يكون البلدان رصيدا للامة الاسلامية, سيأكل كل منهما لحم الاخر, ويكفيان العدو المشترك شر القتال.. وقد يكون الحل الذي ستهتدي اليه الامم المتحدة, هو اقامة قواعد للانذار المبكر في اراضي الدولتين.. والولايات المتحدة هي الدولة المرشحة بالطبع لادارة هذه القواعد, بنفس الطريقة التي تدير بها قواعد الانذار المبكر في سيناء.. وسيزداد العالم الاسلامي ـ الذي رشحوه لكي يكون هو العدو البديل للاتحاد السوفييتي ــ ضعفا على ضعف وهوانا على هوان... لا سمح الله.. هذا اذن ما يدبرونه.. ونقطة البداية باختصار هي جر ايران كي تنزلق الى المستنقع الافغاني.. وبعد ذلك يمكنهم ان ينفخوا في النار حتى يتحول النزاع الى حرب شيعية سنية, اسلامية اسلامية.. ولكن هذا لا يعني ان ما يدبرون له حتم مقضى لا سبيل الى رده او النجاة من شروره.. وإذا كان قادة طالبان عاجزين عن ادراك عمق الهوة التي يندفعون اليها, فان الامل معلق بالقادة الايرانيين, ان يكونوا اكثر وعيا للفخ الامريكي.. وليذكر القادة الايرانيون ان طهران كانت مقرا لاخر قمة اسلامية في هذا القرن, وان هذا يفرض عليهم مسؤولية اكبر حتى يمكن للعالم الاسلامي ان يتفادى الشر الذي يدبره اعداؤه.. وفي الوقت نفسه ينبغي على قادة العالم الاسلامي ان يتحركوا بسرعة حتى يطفؤوا النار قبل ان تنتشر.. ليس فقط من اجل ايران وافغانستان, وانما من اجل المسلمين والاسلام.