اكد الدكتور جمال سند السويدي مدير مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ان الصراعات العرقية والطائفية الدائرة الان في اسيا الوسطى تلقي بظلالها على الأزمة الايرانية ـ الافغانية انطلاقا من المصالح الحيوية الاقتصادية والعقائدية . وقال ان التنافس الايراني الباكستاني انعكس بدوره على ما يجري في افغانستان لانها اصبحت مسرحا لحرب غير مباشرة بين الاطراف التابعة لكل منهما. واوضح الدكتور جمال السويدي في حديث لــ (الملف السياسي) انه من المرجح الا تسعى الولايات المتحدة لتغذية وتصعيد هذا النزاع بل ستعمل على منع تفاقمه وامتداده لباقي دول وسط اسيا ومشاركتها فيه وذلك لان الكثير من الشركات العاملة لانجاز مشروع انابيب الغاز لدول بحر قزوين شركات امريكية. وأشار الى ان تطورات هذه الازمة تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على دول المنطقة من ناحية تهديد الامن والاستقرار وستكون تداعياتها ذات تأثير كبير على الموقف الاقتصادي وتدفق العمالة الزائدة. ورجح الا يتم نشوب نزاع مسلح بين ايران وحركة طالبان مع امكانية قيام ايران بتوجيه ضربة عسكرية ضد بعض الاهداف الاستراتيجية في افغانستان كعملية انتقامية لمقتل الدبلوماسيين الايرانيين وحفاظا على هيبة ايران في المنطقة. وفيما يلي نص الحوار: - أبعاد النزاع الايراني الأفغاني عقب سيطرة حركة طالبان على السلطة؟ -- ان النظرة التحليلية لطبيعة الصراع الداخلي في افغانستان تؤكد على الدور الخارجي في إذكاء الصراع, ويتمثل هذا الدور في دول الجوار وخاصة روسيا الاتحادية وباكستان وايران, لذلك فإنه عقب سيطرة حركة طالبان على السلطة أكدت على تحالفها مع باكستان وبدأت في تصفية حساباتها مع الأطراف الأخرى التي قدمت المساندة السياسية والعسكرية لخصومها عبر سبعة أعوام من الحرب الأهلية, وخاصة إيران التي ساعدت حزب الوحدة الأفغاني الشيعي وتأييدها لأحمد شاه مسعود لموافقته على إشراك الحزب الشيعي الأفغاني في السلطة واعترافها بحكومة الرئيس المعزول برهان الدين رباني, ثم أخيرا تقديمها للمساعدات العسكرية والخبراء لقوات التحالف المناهضة لطالبان. ولذلك سرعان ما تصاعدت حدة العداء الأفغاني الإيراني نتيجة لإقدام حركة طالبان على العديد من الإجراءات المعادية لإيران وللشيعة الأفغان, واتخذ العداء عدة أبعاد تركزت أساسا في التصريحات العدائية المتبادلة والتهديدات باستخدام القوة, كما قامت إيران باستعراض للقوة لتأكيد مصداقية احتمالات استخدامها إذا استمرت حركة طالبان في قتل الشيعة الأفغان. واتضح ذلك من خلال مناورة الحرس الثوري الإيراني (عاشوراء ـ 3) وحشد 35 ألف جندي على الحدود, وأعقب ذلك التخطيط لتنفيذ مناورة للقوات المسلحة الإيرانية تحت اسم (مناورات مزار الشريف) اعتبارا من 23 سبتمبر الجاري, ولذلك نجد أن النزاع الإيراني الأفغاني قد تحول من (الحرب بالوكالة داخليا) إلى احتمالات لمواجهة بين الدولتين. - الصراعات الإقليمية في آسيا الوسطى وتأثيرها على مسار الأزمة؟ -- يجب في البداية أن نتفق على أن المصالح الحيوية المختلفة هي التي تحكم العلاقات بين الدول, ولذلك فإن الصراعات العرقية والطائفية الدائرة الآن في آسيا الوسطى تلقي بظلالها على الأزمة الإيرانية ـ الأفغانية, انطلاقا من المصالح الحيوية الاقتصادية والعقائدية, حيث لا يخفى علينا الصراع الباكستاني ـ الهندي, وبدورها تسعى باكستان لفرض سيطرتها على إقليم باشتون المتنازع عليه مع أفغانستان, بينما الهند تساند حكومة رباني وتقدم له العديد من التسهيلات والمعدات العسكرية ليقف في وجه طالبان, كما أن التنافس الإيراني ـ الباكستاني انعكس بدوره على ما يجري في أفغانستان لأنها أصبحت مسرحا لحرب غير مباشرة بين الأطراف التابعة لكل منهما, أما روسيا فهي تتطلع للحفاظ على دورها الإقليمي بعد أن فقدت دورها الدولي, وتحاول أن تنتقم لما واجهته في أفغانستان ولذلك فهي تسعى لإذكاء الصراع بين الفصائل الأفغانية, ولذا نجد أن الصراعات الإقليمية في آسيا الوسطى قد تنتقل إلى داخل أفغانستان ومن ثم لا نجد أية غرابة في قيام تحالف ثلاثي هندي ـ إيراني ـ روسي, يعمل ضد حركة طالبان ويؤثر على مسارات الأزمة الإيرانية ـ الأفغانية, وتصبح أفغانستان مسرحا للقتال بالوكالة بين باكستان وإيران, وكل منهما يسعى لدعم مكانته الإسلامية. - من المستفيد من هذا النزاع؟ ومن يغذيه إقليميا ودوليا؟ -- ان المستفيدين من النزاع الإيراني ـ الأفغاني, كثيرون من أهمهم: - ايران: لأنها ستقلص قبضة طالبان على أفغانستان, وتؤكد هيمنتها الإقليمية, وتضمن وجود حكومة موالية لها لتحقيق المصالح الاقتصادية المتمثلة في إقامة مشروعات أنابيب النفط والغاز. - باكستان: لإمكانية أن تحل نزاعها على الأراضي المتاخمة لها في داخل حدود أفغانستان. - روسيا: استعادة نفوذها وهيمنتها الإقليمية مرة أخرى فضلا عن ان ذلك يوفر لها الانتقام بالوكالة لما حدث لها في أفغانستان, وربما يدفع في اتجاه استمرار الحرب الأهلية بها ويتيح لروسيا ضخ المزيد من الأسلحة في الميدان. - الهند: يضمن لها القضاء على حليف قوي لباكستان. - الصين: دعم طالبان تحقيقا للعداء التقليدي بينها وبين روسيا الاتحادية. - أما الولايات المتحدة: فمن المرجح انها لن تسعى لتغذية أو تصعيد هذا النزاع بل ستعمل على منع تفاقمه وامتداده لباقي دول وسط آسيا ومشاركتها فيه, وذلك لأن الكثير من الشركات العاملة لإنجاز مشروع أنابيب الغاز لدول بحر قزوين, شركات أمريكية. والخاسر هو الشعب الأفغاني, ولذلك فإن إذكاء هذا النزاع يمثل العديد من المصالح للعديد من القوى الإقليمية والدولية فمنهم من يدعمه سياسيا مثل الصين وأوزبكستان ومنهم من يدعمه ماديا وعسكريا مثل روسيا وباكستان. - احتمالات نشوب نزاع مسلح وآثاره المتوقعة؟ -- إن هناك العديد من المحددات والعوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند الإجابة عن مثل هذا السؤال حيث نجد الآتي: - إن إيران لا تستطيع خوض حرب شاملة في ظل تدهور اقتصادها وسعيها لتغيير صورتها الدولية وعدم وجود خبرة قتالية لدى قواتها لخوض حرب العصابات أو قتال المدن أو القتال الجبلي وهو ما تتميز به قوات طالبان. - إن إيران إذا بدأت الحرب لا تستطيع أن تحدد متى سيتم إيقافها لأن الأمر لن يكون بيدها, بل بيد أطراف أخرى. - إن إيران تعلم الخسائر المادية والبشرية التي تكلفها الغزو السوفييتي لأفغانستان وهو ما لا تستطيع أن تتحمله. - إن إيران وحركة طالبان لا يستطيعان قبول حرب استنزاف. - تتميز حركة طالبان بمعرفتها التامة بمسرح الحرب الذي ستقاتل عليه وبقدرتها على إدارة حرب عصابات طويلة المدى, ولكنها تعلم في نفس الوقت أن المواجهة مع القوات الإيرانية ستشغلها عن مهامها الأصلية وتضعف قدرتها القتالية في مواجهة خصومها مما ينذر باحتمالات أن تتراجع انتصارات طالبان لحساب فصائل المعارضة الأخرى. - موقف الأمم المتحدة من إدانة طالبان لما أقدمت عليه من قتل الدبلوماسيين الإيرانيين. ولذلك فمن المرجح ألا يتم نشوب نزاع مسلح بين إيران وحركة طالبان, ولكن هذا لا يمنع إيران من توجيه ضربة عسكرية ضد بعض الأهداف الاستراتيجية في أفغانستان كعملية انتقامية لمقتل الدبلوماسيين الإيرانيين وحفاظاً على هيبة إيران في المنطقة وفي نفس الوقت تقوم بتسليح ودعم المعارضة الشيعية في أفغانستان. - هل هناك مؤامرة لجر إيران إلى متاهة وتوريطها في أفغانستان؟ -- إن النظرة الموضوعية للموقف الإيراني منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979, تؤكد على أن إيران تسعى دائما لأن تكون قوة إقليمية عظمى في المنطقة, مثلما كانت في فترة حكم شاه إيران, ولذلك فإن الدافع الرئيسي وراء التصعيد الإيراني للأزمة يندرج في إطار المساعي الإيرانية لفرض هيمنتها وسيطرتها على منطقة وسط آسيا وإقامة حكومة موالية لها في أفغانستان تتيح لها الانفتاح على جمهوريات الاتحاد السوفييتي الأسبق وتصبح عمقا استراتيجيا لها, ولذلك نجد أن مصالح إيران الحيوية لتحقيق هذا الدور قد اتفقت مع مصالح كل من الهند وروسيا اللتين تسعيان للقضاء على حركة طالبان لمنع قيام حكم إسلامي سني في أفغانستان. - ما هو موقف المعارضة الأفغانية من هذه التطورات مع إيران؟ -- يسعى تحالف المعارضة الأفغاني إلى استعادة سيطرته وحكم البلاد من خلال التمسك بحكومة برهان الدين رباني ومن ثم فإنها تقاتل حركة طالبان منعا لانفرادها بالحكم وطمعاً في إيجاد مكان لها للمشاركة في حكم البلاد, ومن هنا نجد أن تحالف المعارضة الأفغاني يرحب بأي طرف يقدم له المساندة المادية والعسكرية ليحقق أهدافه دونما أي اعتبار لاختلاف طائفي أو مذهبي أو عرقي ومن هنا جاءت موافقتها على قبول التعامل مع إيران انطلاقا من اتفاق المصالح والهدف, لأن من بين تحالف المعارضة الأفغانية من هو قبلي النزعة أو طائفي المذهب أو شيوعي التوجه. - ما صحة ما يقال من أن الصراع طائفي أكثر منه سياسي؟ -- إن المتتبع لتطورات الأحداث في منطقة وسط آسيا وما حدث ويحدث في أفغانستان يستطيع أن يرى أن القوى المتصارعة على أرض أفغانستان تقف وراءها دول عديدة مجاورة لها, وهذا يجعلنا نخلص إلى عدة حقائق, من أهمها: - ان هناك تحالفا بين إيران وروسيا الاتحادية والهند على عدم السماح لحركة طالبان بالانفراد بحكم أفغانستان ولكل من هذه الدول مصالحه الخاصة وتوجهاته العقائدية والسياسية. - ان باكستان تقوم بدعم حركة طالبان لأهداف ومصالح خاصة معظمها سياسية واقتصادية, حفاظا على علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية ومنعا لعودة النفوذ الروسي وهيمنته على منطقة آسيا الوسطى, ومحاولة التوصل لحل على الأراضي المتنازع عليها مع أفغانستان. - إن الفصائل المتنازعة أساسا داخل أفغانستان تمثل عدة توجهات عقائدية وقبلية. ولذلك نخلص إلى أن الصراع الأفغاني الإيراني, صراع مركب ومتداخل يجمع ما بين الصراعات والنزاعات الطائفية والقبلية والسياسية والعرقية والمصالح الاقتصادية. - ما هو الثابت والمتغير في علاقة إيران بالمعارضة الأفغانية؟ -- تتمثل الثوابت في هذه العلاقة في توافق المصالح الحيوية في السعي للحد من نفوذ طالبان, وفي مواجهة المساندة الباكستانية لحركة طالبان والبعض من هذه الفصائل يدين بالشيعية. ولكن المعارضة الأفغانية تختلف مع إيران في المصالح الاقتصادية الأفغانية وفي نظرتها لضمان السيادة المستقلة الأفغانية على كل أراضيها في عدم القبول بالتدخل في شؤونها الداخلية, وفي سعي كل حزب معارض للانفراد بحكم أفغانستان. - مشكلة اللاجئين الأفغان في إيران؟ -- تؤكد العديد من المصادر أنه يوجد على الحدود الإيرانية ـ الأفغانية, وفي داخل إيران عدد لا يقل عن 1,5 مليون لاجئ أفغاني معظمهم من الشيعة الأفغان, وتستشعر طالبان أن هؤلاء اللاجئين أحد مصادر التهديد المباشر لحركتها, نظرا لتعاظم احتمالات قيام إيران بتسليحهم وتنظيمهم وتدريبهم للقتال ضدها, ولذلك نجد المساعي والتصريحات المستمرة بين زعماء حركة طالبان المساومة عليهم, حيث تطرح على إيران أن تقوم طالبان بإيقاف دعمها والحد من نشاط منظمة (مجاهدي خلق) المعادية لإيران, في مقابل أن توقف إيران مساندتها ودعمها العسكري للمعارضة الشيعية الأفغانية واللاجئين الأفغان, ولكن من الواضح أن إيران لن تقبل المساومة في سبيل أن تضحي بمصلحتها الحيوية في الحد من نفوذ حركة طالبان ومنع سيطرتها على كافة الأراضي الأفغانية. - تأثيرات النزاع الإيراني ـ الأفغاني على منطقة الخليج العربي؟ -- نظرا لأن كلا من إيران وأفغانستان من دول الجوار الجغرافي لمنطقة الخليج العربي, فإن كل ما يحدث سواء في داخلهما أو فيما بينهما يؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على دول المنطقة من ناحية تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة, وستكون تداعياته ذات تأثير كبير على الموقف الاقتصادي سواء من ناحية الاستثمارات أو التجارة, وتدفق العمالة الزائدة, وفي نفس الوقت اندفاع اللاجئين الأفغان إلى دول الخليج العربية بحثا عن الاستقرار وهربا من الحرب وما يعكسه ذلك من تكلفة على هذه الدول وتأثيراته السلبية على سوق العمالة الأجنبية فضلا عن أن هذا النزاع سيؤدي إلى إضعاف العالم الإسلامي لأنه صراع إسلامي ـ إسلامي, والمسؤول عن دفع تكلفته هي الدول الإسلامية, وهذا استنزاف حاد للقدرات والإمكانيات الإسلامية ومن بينها دول الخليج العربية. وإذا قمنا بتقييم سريع للموقف الاستراتيجي إقليميا سنجد أن هذه الأزمة تمثل إحدى حلقات إحكام الحصار الاستراتيجي على منطقة الخليج, امتدادا من الهند ومروراً بباكستان وأفغانستان وإيران والعراق وسوريا و(إسرائيل) واليمن والصومال والسودان وحتى ليبيا والجزائر مما يؤثر مباشرة على الأمن القومي لدول الخليج العربية. - ما هو الدور الأمريكي في هذه الأزمة؟ -- في الحقيقة إن الدور الأمريكي في أي أزمة يرتبط أساساً بالمصالح الحيوية الأمريكية ومدى تعرضها للتهديد, ولذلك نجد أن الأزمة الأفغانية ـ الإيرانية لا تمثل تهديدا مؤثرا للمصالح الأمريكية سوى في منع روسيا الاتحادية من استعادة نفوذها وهيمنتها على منطقة وسط آسيا, ولذلك فإن نجاح حركة طالبان في استكمال فرض سيطرتها على معظم أنحاء البلاد يحقق هذا الهدف, ومن ناحية أخرى نجد أن دخول إيران في صراع مسلح مع أفغانستان سيؤثر مباشرة على الموقف الاقتصادي الإيراني وعلى القوة العسكرية لها مما سيضعفها ويدفعها لطلب العون من الولايات المتحدة سواء من ناحية السعي لإيقاف الحرب أو الحصول على المساعدات العسكرية, وكل هذا يحقق المصالح الحيوية الأمريكية في هذه المنطقة, ولذلك نجد أن الدور الأمريكي خلال هذه الأزمة لن يزيد عن انتظار الأحداث وترقب ما تسفر عنه الأزمة, حتى تستطيع أن تستثمرها ولكنها ستعمل على عدم تصعيد الأزمة ومشاركة أطراف خارجية فيها مثل باكستان أو روسيا أو الهند. - ما هو الدور الإسلامي في حل هذه الأزمة؟ -- من الواضح أن هذه الأزمة تعبر بوضوح عن صراع الأصولية السنية والشيعية, وان كانت هناك أبعاد أخرى لهذه الأزمة سياسية وعرقية ولذلك يجب ألا نغفل أهمية دور الدول الإسلامية في التدخل والوساطة لحل هذه الأزمة لان أطرافها من الدول الإسلامية الكبرى وخاصة إيران التي تسعى لدعم مكانتها في العالم الإسلامي, كما أن ترك الأزمة تتفاقم إلى حد المواجهة المسلحة سيضع الدول الإسلامية بين احتمالات الانقسام المذهبي حيث ستسعى كل دولة للدفاع عن عقيدتها الدينية ومذهبها مما سيؤدي إلى استنزاف قدراتها وإمكانياتها لصالح قوى أخرى إقليمية وعالمية, ولذلك يجب أن تسرع الدول الإسلامية بالوساطة لإيجاد حل سياسي للأزمة بعيداً عن التوجهات والعقائد الدينية نظراً لتعدد المذاهب والطوائف في كلا البلدين, وهي التي تسببت أولا في الصراع الداخلي في أفغانستان وثانيا في الصراع الأفغاني ـ الإيراني. اجرى الحوار: صالح القاضي