EMTC

مواجهات ايران/ طالبان هل تقود الى حرب استنزاف اقليمية! بقلم ـ د. محمد وقيع الله

اسوأ الاحتمالات هو ان ينخرط الجاران ايران وافغانستان في حرب استنزاف طويلة تنهك قوى الطرفين. وهو احتمال لا يمكن حذفه, نظرا لان العامل العاطفي, غير العقلاني, هو الدافع الاكبر وراء التصعيد الاخير . واذا كان علماء الحرب يجادلون بأن الحرب لها دوما اسبابها ودوافعها العقلانية, وانها لا تندلع عفوا, بل عقب حسابات وتحليلات كثيرة, يقتنع على اثرها احد الطرفين بان من مصلحته اشعال الحرب, الا ان ذلك لا يصدق على حالات الاحتقان الطائفي, حيث تسقط تلك المقولة سقوطا شنيعا, والا فأين هي مصلحة ايران او افغانستان في هذا التصعيد الذي قد تنجم عنه حالة حرب طويلة المدى بين الطرفين؟ كان من حظ افغانستان ان العامل العقلي ظل مغيبا دائما عند شيوعييها واسلامييها على السواء, حيث اعتمد الطرفان على الحتميات التاريخية, او القدرية, في التعبئة والتصعيد, والمضى قدما نحو الهدف, مهما كان حجم الخسائر والتضحيات. وربما كان ذلك عاملا ايحائيا جعل الاسلاميين يصمدون ايام الجهاد, ولكنهم استمرأوا ذلك فيها بعد ايام الجهاد, وظل كل طرف يصادم كل من يقف على طريقه حتى يبيده او يجليه عن الطريق, ولا حرمة لنفس المؤمن, اي مؤمن, لو اختلف معه حزبيا, وكأن الحزب الذي كان اداة للجهاد قد اصبح اخيرا هو الغاية القصوى لذلك الجهاد! زادت (طالبان) على ذلك رعونة تتجاوز كل العرف السياسي. اذ بدأت اولى ممارساتها في الحكم باقتحام مكتب الامم المتحدة في كابول, لتقوم بقتل وشنق الرئيس الاسبق نجيب الله محمد. صحيح ان احدا لم يذرف دمعة حزن واحدة على نجيب الله, ولكن علامة استفهام ضخمة وضعت امام طالبان منذ ذلك اليوم اضرت بها كثيرا في المحافل الدولية, وصوّرتها على انها حركة همجية بدائية خارجة عن كل الحدود, لم يزد قتل نجيب الله طالبان قوة الى قوة وكان بإمكان طالبان ان تتريث وتتربص الى ان تتمكن بأسلوب اخر من الرئيس الاسبق, ولكن فوران العاطفة, فوّت على طالبان كل فرص التصرف السليم, وقادها لكي تتصرف تصرف الانسان الهائج, الفاقد الرشد, او الاحساس السياسي السليم. وها هي طالبان تكرر نفس الفعلة مع الدبلوماسيين الايرانيين اليوم وكأنها لم تستفد اي شيء من درس الامس, مع انها لاتزال تعاني من عقابيله الكثير. تستطيع طالبان ان تقول ان ايران كانت تدعم حلفاءها في مزار شريف وهذا قول صحيح ولكنه حجة داحضة.. فلماذا تستنكر طالبان على حزب الوحدة وغيره من الاحزاب, ان تنال دعم ايران, بينما هي نفسها (اي طالبان) لاتزال تنال (سرا) دعم امريكا, و(علنا) دعم باكستان, بل انها لا تستطيع ان تنفي عن نفسها انها صنيعة باكستان, لانها انطلقت من داخل حدود باكستان. اصل النزاع كان اولى بالطالبان, وهم اصلا طلاب علم شرعي, ان يكونوا على وعي بفقه الاسلام في معالجة موضوع الدبلوماسيين الايرانيين, وبحساسيته في عالم العلاقات الدولية في هذا العصر, فليس من مصلحة المسلمين ان يظهروا وكأنهم هم وحدهم الذين يحتلون السفارات, ويأسرون ويقتلون الدبلوماسيين, وقد شمت الغرب اخيرا من ايران, اذ حل بها ما اعاد الى الاذهان قصة اعتقالها للدبلوماسيين الامريكيين في طهران, قبل عشرين عاما بالضبط من الان. كان عذر الايرانيين وقتها, انهم كانوا مغلوبين على امرهم, وان تلك هي وسيلتهم الوحيدة لايقاف المؤامرات والتدخلات الامريكية ضد الثورة الايرانية, وهو نفس العذر الذي تردده طالبان اليوم ضد الايرانيين. واذا كانت الثورة الايرانية قد نضجت ممارساتها كثيرا بعد ذلك, وكاد خاتمي ان يعتذر للأمريكيين عن تلك الحادثة فقد كان احرى بطالبان ان تستفيد من تلك التجربة, وان تستلهم ذلك الدرس, والا تستمرئ تكرار ذلك الفعل.. ولكن ذلك هو شأن كثير من الحركات الاسلامية الانفعالية في تكرار اخطائها والدخول عدة مرات في ذات الجحر! واذا كانت طالبان تدعي انها مغلوبة على امرها, وان قتلها للدبلوماسيين الايرانيين هو تحذير عنيف لهم من التدخل في الشؤون الافغانية, فان ايران تدعي ايضا انها مغلوبة على امرها ومجبرة على التدخل في الشؤون الافغانية, وانها لا يمكن ان تقف معزولة مكتوفة الايدي بازاء ما يجرى في افغانستان, لاسيما بعد تسلم طالبان للسلطة, وحجزها لايران بعيدا عن معاقل نفوذها الموعود في دول اسيا الوسطى الاسلامية. وبدلا عن التفاهم من اجل الوصول الى حل وسط وتنازلات مشتركة بهذا الموضوع الاستراتيجي بالنسبة لايران, فقد فضلت بعض مراكز الضغط في ايران ان تستثمر عامل الوقت وتزعزع سلطة طالبان قبل ان تستقر, وهكذا مضت قيادة الحرس الثوري الايراني في تسليح مليشيات المعارضة الاسماعيلية في افغانستان, كما دأبت وسائل الاعلام الايراني على شجب تصرفات طالبان, الامر على ضايق طالبان جدا, واثار عصبيتها الموروثة ضد التوجهات المذهبية للحكم الايراني وزادت ايران من حدة تدخلاتها بإرسالها لامدادات عسكرية كثيرة لمقاتلي مسعود شاه, الذي كان يمثل اكبر عقبة تعوق زحف مقاتلي طالبان نحو المعاقل القليلة الصامدة ضدهم حتى الان. وهكذا تم التصعيد من الجانبين بما لا يخدم استراتيجية اي منهما.. فلا تزال طالبان قوية الشوكة تعزل ايران عن مرماها في الدول الاسلامية المنسلخة عن الاتحاد السوفييتي السابق ولم تفلح وسائل الضغط الايراني في زحزحة طالبان عن ذلك الموقف المتصلب. والغريب ان طالبان تعزل ايران عن اسيا الوسطى بلا قصد ولا هدف محدد, وانما تقدم بذلك خدمة مجانية لتلك الدول ولروسيا, التي كانت ولا تزال تساند غريم طالبان برهان الدين رباني.. الغريب ان طالبان تقدم تلك الخدمة لدول اسيا الوسطى ولروسيا, وتدفع هي وحدها الثمن الباهظ حيث وجدت نفسها اخيرا, وبسبب من هذا الموقف غير العقلاني محاصرة من قبل الشمال بتلك الدول, ومن ناحية الجنوب بواسطة ايران! ابحث عن امريكا ولكن مع ذلك تظل افغانستان / طالبان مدعومة بواسطة امريكا حيث تراهن الادارة الامريكية على حجم القوة العسكرية لطالبان. ففي تقرير اعدته وزارة الدفاع الامريكية, بناء على طلب من السناتور الجمهوري هانك براون, ورد ان طالبان هي القوة التي تجد الدعم الخارجي الكافي, الذي يمكنها من بسط سيطرتها على افغانستان, وإخماد قوة الحركات العسكرية الاخرى, وبالتالي فهي الحركة الاقرب الى تحقيق هدف السلم والاستقرار في الاقليم في المستقبل القريب. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق لم يعد لامريكا نفس نوع الاهتمام القديم بافغانستان, انما عاد اهتمامها مركزا على مسائل الاستثمار الاقتصادي, وهو الامر الذي يتطلب بسط الاستقرار بواسطة حكومة قوية ايا كان نوعها. وهذا هو الهدف الذي يجعل امريكا تقبل بطالبان رغم تشددها الديني فهي بالنسبة اليهم افضل البدائل لانها الاقوى, ولانها الاقل اتهاما بالانخراط في الارهاب الدولي, والاكثر تشددا ضد زراعة وتجارة المخدرات... وطبعا يطمع كثير من الامريكيين المشغولين بالملف الافغاني, ان يخترقوا حكومة طالبان في المستقبل. وهو مخطط ربما يسهل تنفيذه, لاسيما عندما تفرغ طالبان من جهادها ضد خصومها, وتتفرغ للاقتتال الداخلي بين اجنحتها. وهو احتمال راجح تشير اليه مؤشرات عدة في السلوك السياسي العصبي لقادة طالبان. وهكذا فان بقاء طالبان في السلطة هو هدف امريكي في الصميم. وهو هدف اقتصادي الطابع واصبح علنياً مع اصرار شركة UNOCAL الامريكية وشركائها على تنفيذ خطوط الانابيب لنقل الغاز الطبيعي والنفط من تيركيمنستان عبر افغانستان الى باكستان. وقد نشرت الفاينانشيال تايمز اللندنية ان UNOCAL قد قدمت مكافآت غير نقدية لطالبان نظير تعاونها معها حتى قبل ان تصل الى السلطة. ليس في صالح امريكا اذن ان تندلع الحرب في الاقليم كما قد يتصور البعض... انسجاما مع السوابق, يمكن القول بان من مصلحة امريكا ان تزج بإيران في متاهة حرب هائلة مع قوات طالبان الشرسة, ولكن ملامسة الحقائق تفيد بغير ذلك التصور التخميني. فكل من امريكا, وباكستان, وتركمنستان تتحرك بالدوافع الاقتصادية لا الامنية. واكمالا للصورة دعنا ننظر الى موقف تركمنستان من اجتياح طالبان لمزار شريف. لقد اعتبرت تركمنستان تلك التطورات بمثابة احداث عادية تخص افغانستان وحدها, ولا تؤثر على الوضع الاقليمي, وقللت كثيرا من احتمالات الخطر الاصولي وانتقاله شمالا. الى اراضيها, واراضي بقية الاقطار الاسلامية المنسلخة عن الاتحاد السوفييتي السابق, هذا بينما قامت اوزبكستان فورا باغلاق حدودها, على امتداد تسعين ميلا مع افغانستان وامتلأت مدينة (ترمذ) التاريخية, بأفواج الجنود الروس الذين استقدموا لحماية نظام اسلام كريموف. واما طاجيكستان التي عانت كثيرا من ويلات الحرب الاهلية والتي لها علاقات وثيقة بقوات احمد شاه مسعود (الطاجيكي) فانها ابدت قلقها من ان تتحرك طالبان لابادة قوات مسعود, بعد ان احتلت مزار شريف, وقام الرئيس الطاجيكي رحمانوف بدعوة دول اسيا الوسطى لتكوين جيش لمواجهة قوات طالبان. هذه المخاوف التي استبدت بأزبكستان وطاجيكستان, لم تساور تركمنستان فهي على ما يبدو تحمل تطمينات امريكية, وتعرف اكثر من تفاصيل التراتيب المدبرة سلفا بحدود تطورات احداث افغانستان. ولذلك بدا رد فعلها هادئا تماما كما رد الفعل الامريكي. احتمالات رد الفعل الايراني وهنا يمكن القول ان ايران وحدها تملك تحديد رد فعلها على تصرفات طالبان, ولقد اصيبت ايران اصابة مزدوجة من صعود نجم طالبان, فقد طوقت من حيث الجغرافيا السياسية من جهة الشمال, ثم فقدت ادوات نفوذها السياسي في افغانستان, باللطمة الاخيرة التي نالت حلفاءها في (مزار شريف) و(بامبيان) . وقبل ان تصل قوات طالبان الى مزار شريف كان هم ايران هو مصير دبلوماسييها هناك, ولذلك اتصلت بباكستان, التي تضغط على طالبان ضمانا لسلامتهم, وقد نقل السفير الباكستاني في طهران, جافيد حسين, اجابة طالبان انها ستضمن سلامة الدبلوماسيين, ولكن قبل ان تصل تلك الاجابة, كانت جحافل طالبان قد اقتحمت المدينة, وذبحت الدبلوماسيين الامر الذي اثار حفيظة ايران وادى بها الى حافة الحرب مع افغانستان. حشود ايران العسكرية على حدود افغانستان, التي قاربت ربع مليون جندي, هو بلا شك احد اضخم الحشود في تاريخها الحديث, ولكن هل يعني ذلك انها ستمضي قدما لاحتلال اراضي افغانستان؟! اغلب الظن ان ايران اعقل من ان تفعل ذلك, فهي تحاول جهدها ان تبدو في صورة جديدة, اقرب الى الاتزان والانفتاح, ودخولها في حرب طويلة المدى, يفسد تلك الصورة الجديدة التي تحرص ان تبدو بها.. هذا فضلا عن ان لايران ذكريات مريرة لحرب الاستنزاف الطويلة التي خاضتها مع العراق, وهي حريصة على ان تنأى ببرامجها التسليحية عن مغبّات الحرب الاقليمية, التي قد تأتي على تلك البرامج, مثلما اتت حرب الخليج على برامج التسليح في العراق. يبدو ان ايران تدرك سر اللعبة جيدا. لذا قد تكتفي, للثأر لكرامتها ولانذار طالبان, بضربات جوية او صاروخية محدودة, وبفتح مجالاتها لجماعات المعارضة الافغانية بقيادة برهان الدين رباني. لتبدأ من هناك هجماتها المسلحة على طالبان. استاذ بجامعة اكسفورد ـ المسيسبي*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات