في الوقت الذي لم يضع القتال الدائر ـ داخليا ـ بين الفصائل الافغانية أوزاره, تجد (طالبان)ـ نفسها مواجهة بنذر حرب اخرى بينها وبين ايران. بعض المراقبين السياسيين يرون ان الحرب قد تنشب فعلا بين البلدين مما سيؤدي لانقسامات اقليمية تؤيد فيها بعض الدول طالبان بينما تؤيد الاخرى ايران, بينما يرى البعض الآخر ان المناورة السياسية هي التي تحكم تصرف ايران التي اقدمت على حشد 500 مدرعة وغيرها من القطع المدفعية من طراز (سكوربيون) على طول حدودها مع افغانستان في زمن قياسي لم يتجاوز الــ 72 ساعة ملوحة بعملية انتقامية ضد طالبان في صراع قد يرى البعض فيه صراع طوائف ومذاهب بينما يرى آخرون انه صراع سياسي, بينما يتحدث فريق ثالث عن وجود مؤامرة لتوريط ايران في افغانستان وسط محاذير وتكهنات حول وضع اللاجئين الافغان في ايران على ضوء مستجدات الاحداث وعلى ضوء ما قد تراه الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها الــ 53 المنعقدة هذه الايام لحسم هذا النزاع. (الملف السياسي) التقى عددا من اكاديميي جامعة الامارات لاستطلاع رؤاهم حول ابعاد هذا النزاع (الآسيوي ــ الآسيوي) واحتمالات تصعيده عن الاسباب التي ادت لتصعيد النزاع بين ايران وافغانستان يقول د. (علي الغفلي) ـ استاذ العلاقات الدولية بقسم العلوم السياسية بجامعة الامارات ـ ان اتهام ايران لحركة طالبان باختطاف تسعة دبلوماسيين وصحفيين ايرانيين في الثامن من اغسطس الماضي وقتلهم, هو ذريعة ايران لحشدها العسكري على الحدود, فحركة طالبان التي لا تلقى القبول من قبل حكومة ايران التي تدعم المعارضة الافغانية ممثلة في (حزب الوحدة الافغاني) وقضية اتهام طالبان بالاعتداء على حياة دبلوماسيين او انتهاك حصانتهم امر خطير لان القانون الدولي يحرم عرقلة حركتهم ناهيك عن قتلهم, فالقانون الدولي يقف بجانب ايران مع تكييف هذه الاحقية سياسيا لاحتواء هذه الازمة الدبلوماسية حتى لا تصعد بصورة اشتباك عسكري تستغل ايران فيه حادثة دبلوماسييها كذريعة لها امام الاسرة الدولية لكن الامر يختلف في حالة ان تريد ايران علاقات جيدة على المدى البعيد مع طالبان. واضاف ان الحالة الاقليمية هي التي تحدد من المستفيد ومن المتضرر من هذا الصراع حيث ان هنالك فقط ثلاث دول على مستوى العالم. تعترف بطالبان منها باكستان والسعودية, واخشى ما تخشاه ايران من جراء تصعيد النزاع هو ان تدخل باكستان لجانب طالبان والسياسة الايرانية قطعا لا تريد صداما مع دولة اقليمية اجرت تجارب نووية ناجحة كالباكستان وغير مستعدة للتضحية بجهود تحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية, والشارع الايراني نفسه منقسم ما بين مطالب بالانتقام من افغانستان ومتذكر لويلات الحرب مع العراق التي استمرت ثمان سنوات, اما ايران نفسها فمن المستبعد ان تخوض الحرب فعليا مع افغانستان لان ايران غير مستعدة للمزيد من الاتهامات بانتهاك حقوق الانسان ومن مصلحة ايران تغيير مجرى انتباه العالم وصرفه لصناع القرار بالنسبة لسياستها الخارجية من حيث مقدار المعلومات المتوفرة لديهم وعلى طالبان ان تعالج هذه الاشارة الايرانية, الى طالبان التي طالتها تهماً اكثر بانتهاك حقوق الانسان حيث ان الحركة منعت عمل المرأة وألزمتها بالزي الاسلامي وايران لو اصرت على الحرب فانها ستبدو اكثر شروعا في تلك الانتهاكات من طالبان. اما السبب الاهم لاستبعاد نشوب الحرب بين البلدين فيقول د. علي الغفلي إن انعقاد الدورة 53 للجمعية العامة للامم المتحدة والتي تستمر لثلاثة اشهر وتمثل ذروة لقاء الدبلوماسية العالمية, فايران من جانبها لن تغامر باستعداء المشاركين في هذه الدورة عليها ولن تصعد خلافاتها مع طالبان على الاقل حتى ديسمبر المقبل وهذا ما يفهم من كلمة الرئيس الايراني ـ محمد خاتمي ـ والتي القاها الاسبوع الماضي امام الامم المتحدة والتي قال فيها انه سيعطي الاولوية للجهود الدبلوماسية والسلمية لحل الخلاف مع طالبان.. وعن مدلولات الحشود الايرانية على الحدود الافغانية في نظر علم العلاقات الدولية قال د. (الغفلي) ان الازمة مازالت في بداياتها ومن حق اي دولة ان تحشد جنودها على حدودها كاستعراض للقوة ومناورات لا بأس ان تصاحبها بعض المطالب المقدمة لطالبان للافراج عن المعتقلين الايرانيين, وكلا من باكستان والسعودية على اهبة الاستعداد للقيام بوساطة لان الحرب ليست من مصلحة اي طرف, وبينما تحشد ايران 200,000 جندي على الحدود نجد ان افغانستان تحشد 6000 جندي فقط, فطالبان على ما يبدو غير مقدرة لمدى الاستعداد الايراني للدخول في نزاع, وايران بحشدها لهذا العدد من الجنود تود أن تقول لطالبان (انظروا لهذا الحشد وصححوا تصوراتكم) وهذا يأتي في اطار الالتزام الاخلاقي لكي لا تباغت طالبان بقوة الايرانيين. وأضاف ان سوء تقدير طالبان لمدى الاستعدادات الايرانية قد يعزى لصناع القرار بالنسبة لسياستها الخارجية من حيث مقدار المعلومات المتوفرة لديهم وعلى طالبان ان تعالج هذه الاشارة الايرانية, فايران كان من الممكن لها ان تشن عملية عسكرية على طالبان بين ليلة وضحاها ولكنها تحاشت ايضا لوم الاسرة الدولية لها حال ارتكابها لمثل هذه الهجمة, اما طالبان من جانبها فقد اعطت مؤشرات تعاونية مثل الافراج الذي تم عن الاسرى وعلى دفعات حيث مازال هناك امل كبير في الدبلوماسية حتى يتم تفادي الصدام المسلح, وهناك امر آخر وهو خشية ايران من وقوف امريكا لجانب طالبان, وامريكا بدورها لا تريد ان يظهر منتصر واضح في المنطقة, ومن تلك المنطلقات فان ايران ستحجم عن التصعيد العسكري لانها لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة عسكرياً ولا تريد من جانب آخر ـ خسران علاقاتها الدبلوماسية باكستان وبعض الدول. وعن ماهية الصراع هل هو طائفي ام سياسي يقول (د. شريف قرماط) ـ استاذ الاقتصاد الجزئي بجامعة اكستر والاستاذ الزائر بجامعة الامارات ـ ان الصراع بين البلدين طائفي اكثر منه سياسي وتتدخل فيه دول أجنبية كثيرة فالباكستان سنية بالاغلبية وعند خروج الروس من افغانستان كانت الحكومة الافغانية وقتها سنية ذات طابع علماني, وهذه الحكومة قد تكون قد دخلت في خلاف مع الباكستان وبعض الدول العربية مما ادى لنشوء حركة طالبان الاصولية المتشددة وهذا ما جعل الكثير من الدول المساعدة تؤثر طالبان لانها وسيلة من الدول الخارجية لجعل افغانستان سنية متشددة بنسبة 100% وهذا سبب لوم الايرانيين لبعض الدول لانها كانت السبب في اعانة طالبان التي انقلبت ضد الشيعة الافغان, وايران المتجهة نحو التطبيع مع دول المنطقة تخاف من دخول الحرب مع افغانستان خشية ان تساعد جميع الدول السنية المذهب, افغانستان تحت دعوى الرغبة في انحسار المد الشيعي الذي تمثله ايران. وعن نظرية المؤامرة الهادفة لجر ايران الى متاهة توريطها في افغانستان يضيف (د. قرماط) قائلا انه ليست هنالك مؤامرة لكن المشكلة اصلا بين ايران وطالبان في وجه بعضهما البعض ــ ايران الشيعية وطالبان السنية المتشددة والمنحازة لفكرها. اما وضع اللاجئين الافغان في ايران فيرى (د. قرماط) ان امرهم مختلف لان ايران نظامها السياسي قائم على حكومة المؤسسات عكس افغانستان التي تتواجد فيها طوائف وحركات متصارعة فقد تحدث في ايران بعض المضايقات للاجئين الافغان على حسب فئة انتمائهم وما اذا كانوا شيعة او سنة لكنهم لن يتعرضوا لخطر داهم كالذي يمكن ان يتعرض له الايرانيين لو انقلبت الآية, اما المعارضة الافغانية فعلاقتها مع ايران تحكمها مقولة (عدو عدوى صديقى) ومن مصلحة ايران ان يأتي لحكم الباكستان نظام شيعي او على اقل تقدير ان لم يكن موال لايران فليس معاديا لها كي يعطي للطائفة الشيعية في افغانستان بعض الحقوق. ويضيف ان امريكا نفضت يدها من قضية افغانستان منذ خروج الاتحاد السوفييتي ــ هاجس امريكا الاول وقتها ـ ومن المفروض الان ان تعمل امريكا لمصالحها فتحارب طالبان وتشجع المعارضة فلا مصلحة لامريكا حال ان قويت طالبان وكان من الممكن ان تحد امريكا منذ البداية من قوة حركة طالبان, ولان هناك عداء قديما بين ايران وامريكا فهناك محاولات لتغيير وجهات النظر وذلك لان ايران غيرت موقفها من محاربة الخليج ومحاولة تصدير الثورة الى علاقات جيدة مع دول الخليج بالذات السعودية, فايران الآن تود أن توضح انها لا تريد تهديد امن الخليج وفي نفس الوقت تريد اقناع امريكا بانها لا تشكل خطورة على مصالح امريكا في المنطقة. اما عن تجاذب كل من الباكستان وايران لافغانستان فيرى د. شريف قرماط ان افغانستان مائلة كل الميل لباكستان فليس هناك ثمة منافسة بينها وبين ايران في هذا المجال واهتمام ايران بافغانستان تحدده نقطتان هما امنها والطوائف الشيعية في افغانستان, فطالبان تمثل تهديدا امنيا لايران لا يمكنها تجاهله كما ان ايران لن تغامر باثارة نقمة الشيعة الافغان واضاف ان سبب الحشود الايرانية على حدود افغانستان واللهجة المتشددة نسبيا التي تتحدث بها الحكومة الايرانية تجاه طالبان سببها رغبة ايران في ارضاء شعبها والظهور امامه بمظهر القوى كما انه يمثل استعراضا للقوة العسكرية التي تتمتع بها ايران لكن لن يصل الامر لحد الحرب الفعلية ولن يتجاوز حدود المناورة السياسية لان ايران لم ولن تنسى ان الباكستان بكل ثقلها النووي تقف من وراء طالبان. العين: مكتب (البيان)تحقيق: لنا مهدي