مع تصاعد نذر احتمالات الحرب بين ايران وطالبان على خلفية قتل الدبلوماسيين الايرانيين التسعة تتزايد المخاوف من اتساع نطاق الحرب لتشمل دولا اخرى على رأسها باكستان التي تتهمها ايران بمساندة طالبان وهو ما يعني في النهاية ان الحرب ستكون كارثة اسلامية بكل المعايير . وتثير تطورات الازمة على هذا النحو التساؤل حول حجم الداخل والخارج في النزاع بين ايران وطالبان؟ والى اي مدى يمكن ان يلقى النزاع تأثيرات اقليمية على الدول المجاورة؟ وهل يمكن ان يتحول بحق الى حرب بين الجانبين؟ لعله من قبيل التذكير فقط الاشارة الى ان قتل الدبلوماسيين لا يعد السبب الرئيسي للصراع وانما هو بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير, فالعلاقات بين ايران وطالبان متوترة اصلا. وقد تناول ملف سياسي سابق لــ (البيان) بعض ابعاد هذا الصراع. وبشكل عام يمكن القول ان اهم هذه الاسباب هي: البعد المذهبي: حيث ترى ايران في انتصارات طالبان وسيطرتها على افغانستان استبعاداً للفصائل الاخرى ومن بينها حزب الوحدة الشيعي الموالي لطهران. وبالطبع فان هذه الاخيرة ــ وهذا مطلب معلن لها ـ تفضل وجود نصيب للشيعة في الحكم.. هذا فضلا عن المخاوف, التي ترى ان بعضها تحقق, من وقوع اضطهاد واسع للشيعة هناك. وقد كان سقوط مزار الشريف واخيراً باميان معقل حزب الوحدة من العوامل التي اثارت المزيد من قلق طهران. البعد الديني: ويتمثل فيما تراه ايران من ان طالبان تقدم فهما مغايرا مغلوطاً للاسلام. فحتى سنوات قليلة مضت كانت ايران تقدم نفسها على انها الدولة الوحيدة التي تأخذ بالنموذج الاسلامي في الحكم. وجاءت طالبان لتقدم نموذجا آخر ترى فيه ايران سلبيات عديدة تفرض عليها مواجهة الحركة التي تتزعم هذا النموذج (المغاير) . البعد الاقتصادي: والمتمثل في الصراع على نقل نفط بحر قزوين حيث توجد مشروعات لنقله عبر افغانستان وباكستان وتجنب المرور عبر ايران رغم انها يمكن ان تمثل اقصر الطرق. اما على صعيد حركة طالبان فيتحدد السبب الاساسي الذي يفرض عليها الخلاف مع ايران في ما تراه الحركة من ان طهران تسعى للتدخل في شؤونها. وكان مثال ذلك وجود الدبلوماسيين الاحدى عشر في مزار الشريف وما تزعمه طالبان من مد طهران للمعارضة بالسلاح. ولعله من هنا يأتي قتل الدبلوماسيين فيما يبدو انه محاولة من طالبان لتلقين ايران درسا مفاده ان تدخلها يمكن ان يتسبب لها في خسائر كبيرة. ما هي احتمالات الحرب؟ رغم ان ايران صعدت من قرع طبول الحرب, الا انه يمكننا التأكيد على ان احتمالات اندلاعها محدودة, خاصة في ظل وجود طرف يعمل بكافة الطرق على تحاشيها وهو طالبان لاعتبارات عديدة. فكافة الامور تشير الى ان خوض حرب مع ايران ليس في صالح الحركة من اية زاوية: فمن ناحية أولى, ايران تتفوق عسكريا سواء من حيث السلاح او عدد افراد قواتها المسلحة, فالجيش الايراني نظامي على مستوى عال من التدريب وامكانيات القتال, وهو ما يعني امكانية ان تلقى طالبان هزيمة كبيرة. من ناحية ثانية فان الحركة لم يستتب وضعها في الداخل حيث انه رغم الانتصارات التي حققتها الا ان الامور تسير بمنطق (الكر والفر) .. فالمنطقة التي تسيطر عليها اليوم تستردها المعارضة غدا وهكذا.. ولاشك ان دخول ايران كطرف في قتال يعني تعزيز قدرات المعارضة بحكم عدم قدرة طالبان على خوض قتال على اكثر من جبهة. من ناحية ثالثة فانه اذا كانت افغانستان تواجه ظروفا غاية في السوء على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فان طراعا شاملا مع دولة مثل ايران يمكن ان يأتي على الاخضر واليابس وقد يؤدي بالبلاد الى حالة شديدة من الفقر والمجاعة. وقد القت كل هذه العوامل بتأثيراتها على موقف الحركة التي بدت غير راغبة في اندلاع حرب, فدعت قيادات الحركة الى حل الخلاف سلميا, مطالبة الامم المتحدة بالتدخل لتسوية الازمة مع ايران, كما دعا الملا عمر زعيم طالبان الى حل الخلاف عن طريق مبادئ القانون الدولي. اما على الصعيد الايراني فرغم تزايد استخدام لغة الحرب والتلويح بها من قبل اعلى سلطة في البلاد ممثلة في المرشد الروحي علي خامنئي الذي حذر من ان اعمال طالبان وباكستان من شأنها اثارة نزاع اقليمي واسع النطاق داعيا قيادات الجيش الى الاستعداد, ورغم اعلان هذه الاخيرة انها جاهزة لتنفيذ اوامر القائد الاعلى, الا ان احتمالات شن ايران حربا يعد ضئيلا. وقد يفسر السلوك الايراني على انه محاولة لردع طالبان. ونكاد نجزم انه لولا حالة الاستنفار الايراني على الحدود لبقي مصير الدبلوماسيين مجهولا. كما انه من الطبيعي ان تبدي ايران غضبها ازاء هذا الحادث على الاقل لتبرير موقفها امام الشعب حيث تسود بعض التحفظات الداخلية على الموقف الرسمي ممثلة في التساؤل حول اسباب عدم سحب الدبلوماسيين رغم التوتر السائد في افغانستان. كما برز اثر التلويح بالحرب من قبل طهران في تسليم طالبان خمسة من الايرانيين المعتقلين لديها كبادرة حسن نية. فالردع باستخدام القوة قد يكون مطلوبا, غير ان التورط في الاستخدام الفعلي للقوة يكون احيانا هو المشكلة, ذلك ان هناك عدة محاذير ترد على لجوء طهران الى الخيار العسكري رغم ما اشرنا اليها من تفوقها, حيث قد تجد نفسها غارقة في المستنقع الافغاني. ورغم اننا لا نحبذ الاشارة الى تجربة التورط السوفييتي في افغانستان باعتبار تغير الظروف فانها تقدم عاملا تحذيريا حيث خرج السوفييت مندحرين بعد اكثر من عقد من تورطهم, الا انه يمكن القول ان السوفييت واجهوا (المجاهدين) صفا واحدا, في حين ان ايران يعززها تحالف المعارضة التي تواجه طالبان وحدها, وهي فصيل واحد من بين فصائل عدة, غير ان الامر في النهاية سيكون مغامرة او مقامرة يعزز منها طول الحدود بين البلدين والتي تصل الى نحو الف كيلومتر. الى جانب ما سبق, فانه اذا كانت التجربة السوفييتية تمثل قيدا على ايران, فان تجربة الحرب مع العراق تمثل قيدا اكثر تأثيرا, فقد خرجت ايران من هذه الحرب وقد فقدت مئات الالاف من جنودها ووصلت خسائرها الاقتصادية الى نحو 600 مليار دولار حسب بعض التقديرات, ومازال اقتصادها يعاني ولم يتعاف من اثار هذه الحرب. فضلا عن ذلك فإن هناك عدة خيارات امام طهران توفر عليها التورط المباشر في حرب شاملة ضد طالبان ومن هذه الخيارات الحرب بالوكالة, وهنا يمكن لايران ان تقوم بتسليح اللاجئين الافغان الموجودين على اراضيها. قد تفسر كل العوامل المشار اليها في السطور السابقة اعلان ايران رغبتها في استنفاذ جميع الوسائل الدبلوماسية قبل اي هجوم محتمل ضد طالبان, وتأكيد خرازي على انه قبل مباشرة اي عمل عسكري فان ايران ستبحث عن اي حل سياسي وسلمي يحقق لها مصالحها. على الصعيد الخارجي تتعدد التأثيرات السياسية التي تكبح جماح الحرب اقليميا ودوليا, ودون الدخول في تفصيلات فان احدى النقاط الاساسية التي يجب وضعها في الاعتبار ان اضعاف ايران يمثل هدفا امريكيا تسعى واشنطن لتحقيقه بكافة السبل. واذا كانت قد نجحت في ذلك بشكل جزئي من خلال الحرب العراقية الايرانية, فان تعافي ايران وخروجها من عزلتها يقوض الاهداف الامريكية. وعلى هذا كان مسعى واشنطن الى دعم طالبان واستخدامها كمخلب قط ضد طهران, وانسياق ايران وراء دعوات الحرب انما يمثل سقوطاً في الفخ الامريكي. من جهة ثانية فان احد التأثيرات الاقليمية للنزاع والتي يجب عدم التغافل عنها تتمثل في تأثير اضعاف ايران على مجريات الصراع العربي الاسرائيلي, فرغم البعد الجغرافي وعدم وجود مجال مباشر للنزاع بين تل ابيب وطهران, الا ان توجهات ايران الاسلامية يجعل منها طرفا بشكل او بآخر في النزاع مع اسرائيل. وقد تبدت تأثيرات الدعم الايراني في نجاحات المقاومة اللبنانية في الجنوب, ولاشك ان اضعاف ايران بتورطها في حرب انما يمثل تهاوي قوة رئيسية تمثل مساندة قوية للحق العربي. ويعيد هذا الى الاذهان الموقف العراقي والذي ساند الموقف العربي من اسرائيل وكان يمثل احتياطيا استراتيجيا للقوة العربية, غير ان تورطه في غزو الكويت ادى الى انهيار القوة العراقية لعقود واخراجها من معادلة الصراع العربي مع اسرائيل. يضاف الى ما سبق, أن من الكوابح السياسية للحرب تأثيرها على صورة ايران في الخارج حيث ان اندلاع حرب يسيء لايران التي تحاول قيادتها تقديم صورة مختلفة عن تلك التي تكونت على مدى العقدين الماضيين منذ اندلاع الثورة عام 79. ويعزز التأثير السلبي للحرب تولي ايران رئاسة منظمة المؤتمر الاسلامي وهو ما يفرض عليها سلوكا معينا يتمثل في الاتجاه الى تهدئة النزاعات الاسلامية وليس خوضها وفي شكلها الأكثر درامية. فضلا عن ذلك فإن العمل ضد طالبان قد يؤثر بالسلب على علاقات تحرص طهران عليها ومن ذلك علاقاتها الآخذة في التحسن مع السعودية. اما طالبان فليس لديها الكثير الذي يمكن ان تخسره بسبب الحرب.. فمغامرتها التي بدأتها مازالت في مراحلها الاولى, صحيح ان دخول ايران كطرف قد يغير من سير الامور على النحو الذي ترغبه طالبان, الا ان عوامل اخرى توفر لها الطمأنينة لامكان تغيير الاوضاع. فمن المؤكد ان الولايات المتحدة ستتجاوز لحظتها دعاوي مساندة طالبان للارهاب وستتناسى ايواءها لــ (بن لادن) وستلقي بثقلها وراء طالبان, كما ان هذا قد يستدعي اسرائيل ايضا وقد لا تجد الحركة غضاضة في التعامل معها في سبيل عدم تحقيق هدف القوة الايرانية. وعلى هذا فاذا كان الجانب العسكري يميل لصالح ايران والابعاد السياسية تصب في النهاية في صالح طالبان فان هذا سيمثل في النهاية كابحاً للجانبين عن خوض غمار الحرب. وان كان هذا لا يمكن باي حال ان يمثل اطفائا لعوامل التوتر ما يستدعي في النهاية وساطة اسلامية وعربية للمساهمة في حل الأزمة.