لقد كان مقتل الدبلوماسيين الايرانيين التسعة ... مؤشرا لتفاقم شبح الحرب بين ايران وأفغانستان .. ورغم ان مقتل الدبلوماسيين يعتبر السبب المباشر للأزمة .. الا ان جذور المشاكل الحالية تعود الى بداية حرب التحرير الأفغانية من الاحتلال السوفييتي وما تبعها من آثار . والغزو السوفييتي لأفغانستان في نوفمبر 1979 .. كان مؤشرا ومصدرا لعدم الاستقرار في منطقة جنوب آسيا .. فضلا عن انعكاساته على الدول المجاورة خاصة دول الخليج. في بداية مراحل الغزو السوفييتي لأفغانستان .. كانت كافة الدلائل تشير الى استراتيجية الاستيطان الطويل .. ونشر الوجود السوفييتي في الخليج ... وحقيقة .. ففي ذلك الوقت كانت ايران تواجه آلام الاحتضار الثوري .. وقواتها المسلحة في حالة تفكك .. حيث يعتبر ذلك دافعا قويا للسوفييت من التوجه اكثر جنوبا .. وهنا ظهر التدخل الأمريكي بإعلان كارتر للدفاع عن الخليج .. كما أعلنت المقاومة الأفغانية رفع راية التحرير من الاحتلال السوفييتي. وكان تأثير الاحتلال السوفييتي على المجتمع الأفغاني ليس أقل من تأثيره الاقليمي .. حيث ان المجتمع الأفغاني يعاني من تقسيم داخلي .. عرقي ــ لغوي وطائفي .. بالاضافة الى ذلك هناك مجموعات عرقية مقسمة داخل مجموعاتها خاصة الباشتو الذين ينقسمون داخل مجموعات قبلية .. ومن أهم المجموعات العرقية الأفغانية .. الطاجيك .. الذين يتحدثون الفارسية .. الاتراك ــ الأوزبيك .. ومعظم الأفغانستانيين من المسلمين السنة ... وما بين نسبة 20 ــ 25% من الشيعة وغالبيتهم من الهزاراس. تلك التقسيمات العرقية والطائفية خلال مقاومة الاحتلال السوفييتي لم تتعاون فيما بينهما. بل العكس, اتسعت هوة الخلافات لانعدام التنسيق والتعاون بين المقاتلين الأفغان .. فمثلاً .. هناك اختلاف عميق بين قائد الطاجيك أحمد شاه والمعروف (بأسد اليانشير) وبين قلب الدين حكمتيار زعيم المجاهدين الباشتون ... والمجاهدين الشيعة تحت لواء حزب الوحدات لم يكن يتسلم مساعدات خارجية كافية والتي تقاومها باكستان الداعمة للمجموعات السنية خاصة قلب الدين حكمتيار. الغزو السوفييتي لأفغانستان ايضا فتح الباب أمام المنافسة الاقليمية من أجل الحصول على نفوذ .. خاصة باكستان التي أعتبرتها فرصة ذهبية لاخضاع أفغانستان تحت نفوذها .. وبهذا الأسلوب يمكن للطرفين حل النزاع القائم بينهما في الاقليم الشمالي الغربي أو ما يعرف باقليم باكتونيستان الذي يتيح لباكستان عمقا لمواجهة الهند. خلال الثمانينات .. كانت ايران متورطة ومشغولة في حربها مع العراق .. لذلك كان الدور الايراني هامشيا على الساحة الأفغانية .. حيث قدم مساعدات قليلة للمجموعات الشيعية. وفي الوقت نفسه تأزمت العلاقات الايرانية ــ الباكستانية نتيجة للثورة الايرانية وتأثيرها الاقليمي والعالمي. عند انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان .. اختفى ذلك التعاون المحدود الذي كان بين المجموعات المجاهدة الأفغانية .. وظهر بدلاً منه منافسة محمومة بينهما في السيطرة على أفغانستان. ولم يقف الوضع عند هذا الحد .. فعند تفكك الاتحاد السوفييتي ظهرت دول اقليمية نافست لبسط نفوذها على أفغانستان .. فمثلاً أوزبكستان .. لم تتردد في دعمها للأقلية الأوزبكية وقائدها الجنرال دوستم .. وكان نتيجة ذلك التدخل في الحصول على نفوذ داخل أفغانستان من قبل بعض الدول الأمر الذي أشعل النار بين المجاهدين الأفغان وحرضهم على اعلان الحرب الأهلية الأفغانية. وبظهور دول آسيا الوسطى .. ومنها كازاخستان وتركمنستان واكتشاف النفط ببحر قزوين .. وظهور قضية ترحيل نفط وغاز بحر قزوين .. اكتسبت أفغانستان أهمية اضافية .. لذلك .. نجد أن باكستان تعمل على استقرار الوضع في أفغانستان تحت حكومة ايجابية نحوها أو موالية لإسلام آباد .. حتى يتسنى لها المشاركة مع بقية الدول المنافسة للحصول على منفذ لتصدير نفط بحر قزوين .. كان انشاء أي خط لنقل النفط من بحر قزوين عبر باكستان لابد وأن يعبر الحدود الأفغانية .. وهذا الطموح الباكستاني يعتبر خطوة مضادة للرغبة الايرانية لتصبح أداة الربط الرئيسية بين بحر قزوين والعالم الخارجي. بالاضافة الى ذلك .. فالولايات المتحدة الأمريكية .. ومن خلال سياستها تجاه ايران ــ سياسة الاحتواء المزدوج وسياسة العزل ــ نجدها ايضا تعمل على منع انشاء أي خط لنقل نفط بحر قزوين عبر الحدود الايرانية .. فضلا عن عدم منح ايران فرصة لكسب أي موطئ قدم لها في آسيا الوسطى خاصة الدول المطلة على بحر قزوين. الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان وبعض الدول قلقة بسبب ظهور حزام المتحدثون بالفارسية والممتد من ايران الى طاجكستان .. والذي قد يعزز من النفوذ الايراني. ظهور طالبان في الساحة الأفغانية ودورها يمثل تهديدات محتملة لايران .. كونها ــ ايران ــ البلد الشيعي الوحيد والمتحدث بالفارسية بالمنطقة. بالطبع ايران لن تلتزم الصمت عندما تتعرض الاقلية الشيعة بأفغانستان للتهديد. فايران تفضل الحلول الدبلوماسية لأزمتها الراهنة مع طالبان. وبالرغم من المخاطر المحتملة لأية عملية عسكرية .. فان السياسيين الايرانيين النشطين خاصة الجهود المبذولة من قبل المتشددين للمناورة حول الأزمة لاضعاف الرئيس خاتمي قد تقود ايران لنزاع مسلح مع طالبان .. وهذا النزاع لن تعرف عواقبه كاملة في هذا الوقت. مركز الدراسات الاستراتيجية ــ واشنطن