كان الاكراد ــ عراقين او اتراك او ايرانيون ــ على مدار العقود السابقة (حصان طروادة) مثالي استخدمته كل الانظمة لمحاربة او مساومة بعضها البعض . والآن تلوح في الافق معالم دور مماثل لاكراد العراق الذين تجوس حولهم امريكا بشكل لافت هذه الايام, وتصالح فيما بينهم سعيا لاستخدامهم (ككعب اخيل) في جهودها للاطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين. وكان الاهتمام الامريكي بالاكراد عموما وبأكراد العراق خصوصا بدأ منذ ايام الحرب الباردة, عندما استخدمتهم كورقة ضغط على بغداد حينا وعلى ايران احيانا اخرى. لكن امريكا ظلت تفتقر طوالي هذه الفترة الى سياسة خاصة بالاكراد او موقف من مساعيهم لاقامة دولة كردية, حتى عهد الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان, الذي اطلقت ادارته حملة تقارب حذر مع الاكراد ابان الحرب العراقية ــ الايرانية. ومع انتهاء هذه الحرب بدأت موازين القوى تشكل من جديد, اذ شهد عام 1988 تحولا مهما على صعيد العلاقات الامريكية ــ الكردية, فقد بحث جلال طالباني مع مسؤولين في الخارجية الامريكية ولدى زيارته لواشنطن في ذلك الوقت موضوع اعطاء الاكراد الذاتي, في حين اعتبر تقرير يعنى في حقوق الانسان وصدر عن وزارة الخارجية الامريكية في نفس العام, بان اكراد تركيا هم اقلية ليس اكثر من ذلك. ولم يكن هناك فرصة لتركيا التي ابدت انزعاجها من هذا التقرير فرصة للاحتجاج عليه, اذ كانت واشنطن والعالم اجمع منشغلون في ازمة الخليج انذاك, وظن الاكراد في ذلك الوقت باستطاعتهم يقفوا ضد نظام بغداد ومن خلال الدعم الامريكي لهم وسرعان ما عدلوا عن هذه الفكرة اذ ادركوا انه بدون الضمانات الامريكية فانهم لن يحققوا اي شيء. في حين كانت تركيا تفكر في حلمها القديم باستعادة الموصل وكركوك وقد دعمت الموقف الامريكي في ذلك الوقت وخصصت قاعدة انجرليك لقوات التحالف اذ لم يخف الرئيس الراحل تورغوت اوزال رغبته في استعادة احتلال الموصل من جديد ولم يكن اقامة دولة كردية في المنطقة من الاهداف الامريكية, فقد كانت الولايات المتحدة تحاول التهرب من اي مواجهة مع اصدقاءها في المنطقة وخاصة تركيا ولانها تعتبر قضية حساسة بالنسبة لانقرة ولذا كانت امريكا دائما تلعب بالورقة الكردية ودون ان تؤيد قيام دولة لهم. في تلك الفترة عبر جلال طالبان عن تأييده للفكرة التي طرحها اوزال باقامة كونفدرالية تضم العرب والتركمان والاكراد. ولكن انقرة تراجعت عن هذه الفكرة لان 15 مليون كردي تركي يعيشون في تركيا سيطالبون هم ايضا بكونفدرالية مع تركيا. ورجحت انقرة وفي اطار السياسة التركية الجديدة تجاه الاكراد توطيد علاقاتها بالبرزاني وطالباني ومن خلال لقاءاتهم بالمسؤولين الاتراك وتصادفت قبل انتهاء ازمة الخليج بفترة قصيرة, ونجحت انقرة في اقناع البرزاني التي امدته بالمال والسلاح, في الوقوف جنبها ضد عناصر احزاب العمال الكردستاني في حين فضل طالباني توطيد علاقاته مع ايران بعد اتهم تركيا بالانحياز لصالح البرزاني ضده. امريكا كانت على الطرف الاخر تراقب كل خطط وتخطط للعب الورقة الكردية واعدت في هذا الخصوص سيناريوهات تنص على افراغ شمال العراق من الاكراد وتهجيرهم الى الحدود الايرانية والتركية لمدة غير محدودة, اذ ظنت واشنطن بانها ستضغط على ايران ومن خلال اللاجئين الاكراد الذين سيكونون حملا عليها امنيا واقتصاديا, وبعد الهجوم العراقي على الاكراد عام 1992, وموجة الهجرة التي اغرقت تركيا بحوالي 300 الف لاجىء وقفت امريكا تتفرج عاجزة عن التصرف, وازاء ذلك, حذر الرئيس التركي الراحل تورجوت اوزال في مكالمة هاتفية مع الرئيس الامريكي جورج بوش من ان الولايات المتحدة يجب ان تتخذ التدابير السريعة والا ستكون هذه المشكلة كبيرة للمنطقة كلها بما فيها تركيا. لكن امريكا لم تحرك ساكنا, وفي العام 1993 قام البرزاني والطالباني بزيارة امريكا, حيث استقبلا للمرة الاولى, من قبل واشنطن بشكل رسمي, لكن السياسية الامريكية لم تتغير الا في العام 1994 عندما اقامت قاعدة كبيرة للمخابرات في كردستان العراق وجندت الاف المتعاونين بهدف الاطاحة بصدام حسين, بيد ان الخيبة طاردت هذا الجهد اذ شنت قوات صدام, هجوما اجتاحت فيه الشمال ودفعت امريكا لسحب اكثر من خمسة الاف كردي يتعاونون مع وكالة المخابرات الامريكية الى جزيرة جوام, وترك الاكراد ولوحدهم مرة اخرى وليست اخيرة. اسطنبول ــ بشار فهمي