بعد أن هدأت عاصفة العدوان الأمريكي على مصنع(الشفاء)للأدوية في 20أغسطس الماضي, وتداعياته العنيفة, والأحاديث الساخنة حوله, والاستقطاب الحاد الذي رافق الاحداث وتبعها , وتبادل الاتهامات والتجريح وحتى .. الاساءات, عاد الجدل مجددا حول الديمقراطية والتعددية والحريات في الخرطوم. وشهدت منابر رسمية وشبه رسمية في العاصمة الخرطوم وضواحيها, ومنتديات وصحفا, جدلا ساخنا حول عودة الديمقراطية والتعددية بمشاركة واسعة من القوى المعارضة, ورموز حكومية نافذة, ومناصرين لـ (الانقاذ) عرف عنهم العداء السافر لقوى المعارضة السياسية الى حد وصم قادتها بألفاظ ومفردات كفيلة باخراج من وصفت بهم من دائرة الانتماء الوطني. وكانت الصواريخ الأمريكية التي دكت (الشفاء) بالمنطقة الصناعية بالخرطوم بحري شمال شرق أسكتت حوارا ساخنا حول الحريات والديمقراطية بدأ خجولا كسولاً خارجا للتو من معطف السرية الى العلن في برامج تلفزيونية, وندوات أكاديمية في الجامعات, ولقاءات ومنتديات صحفية, كان معظمه يشبه (حوار الطرشان) اذ بدا كل طرف ينطلق ويتمترس حول أطروحاته و(ثوابته) فأنصار الحكومة يصرون على الشريعة الاسلامية ـ الفدرالية ــ التحرير الاقتصادي ــ الدستور القائم في ذلك ــ (التوالي السياسي) داخل حظيرة (المؤتمر الوطني, ــ الحزب الحاكم ــ ولا بأس من تكوين تنظيمات (ديمقراطية) لا تشبه تنظيمات ما قبل (الانقاذ) يكون فيها الولاء للأفكار لا الأفراد. ويقول عناصر المعارضة لابد من الاعتراف بالآخر, والتحاور معه على أسس الحريات والديمقراطية اللبرالية والشفافية في الشأن العام حتى لو أفضى ذلك الى ساحات القضاء, ومن ثم الاحتكام للشعب ليقرر مصير الحكم في البلاد. وعلى الرغم من اصرار كل طرف على رؤاه وأطروحاته الا ان ثمة ضوءا ضئيلا برز في آخر (النفق) تمثل في تراجعات محدودة من هنا .. وهناك .. وهنالك لكن الصواريخ الامريكية جاءت في الوقت غير المناسب لتسكت ذاك الجدل الذي بعث حيوية في الراهن السياسي الراكد. والآن عاد الحديث حول الديمقراطية والتعددية بزخم جديد أطلقه نائب الترابي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم د. علي الحاج محمد في ندوة بجامعة كردفان عندما قال (ان الانقاذ بعد ان نضجت بدأت تفكر في فتح الباب أمام معارضيها للتنافس الديمقراطي) رغم انه قال ايضا (ان الأحزاب في رأينا مستوردة لكن ان أراد الشعب الأحزاب فذلك شأنه, لأن ما نريده نحن ونعتقد به شيء وما يريده الشعب شيء آخر) . وضخ د. الترابي دماء جديدة في قلب الجدل الساخن عندما قال في المؤتمر التأسيسي لـ (المؤتمر الوطني) في (أم ضريوة) أمس الأول (اننا بعد ان استطعنا أن نمكن لديننا لابد من فتح المجال للذين لايريدون الموالاة لنا بأن يوالوا ما يشاؤون لأن الله قد أمرنا بذلك (وأضاف نريد عندما تعود أحزاب الشيطان أن تجد البلد قد توحدت قبلتها وتوالت على دعوة ونصرة الحق, وزاد( إننا نسعى لتوحيد الناس في المؤتمر الوطني الذي يهدف ان يكون كيانا جامعا) . لكن د. الترابي دعا مستمعيه الى (نبذ الفرقة والشتات والانتظام في المؤتمر الوطني (كيان الاسلام) لأن معظم الجنوبيين الآن يدخلون في الاسلام أفواجا, وكل ذلك يصب في اتجاه الوحدة التي تنتظم البلاد, واضاف (ان السلام لن يأتي به الأمريكان أو الايجاد إنما سيأتي من الداخل من الغاية كما حدث مع د. مشار) . من جانبه قال بكري عديل من أحد زعماء حزب الأمة ووزير سابق في حوار مع (أخبار اليوم) السبت الماضي .. ( ان الجبهة الاسلامية ــ النافذة في الحكم ــ تحاول أن تلتقي مع حزب الأمة لتستفيد من قوته السياسية بالبلاد وتدعيم سلطتها وهيمنتها على مظاهر الحياة, بينما نسعى نحن في حزب الأمة الى تحقيق حكم ديمقراطي يحقق العدالة الاجتماعية ويوفر حقوق الانسان ويجعل من المواطن السوداني مواطنا لاتفرق بينه وبين الآخر فوارق وهذا ما عجزت (الانقاذ) ومن خلفها (الجبهة الاسلامية) عن تحقيقه. واضاف (على الرغم من ان الفارق بيننا شاسع الا اننا نسعى بكل ما أوتينا من قوة لاعادة النظام الديمقراطي في البلاد, والطرق لذلك السبيل متعددة) . وحول اتصالات للوفاق والمصالحة قال عديل ( .. ليست هناك أي اتصالات بالمعنى الذي يحقق وفاقا .. ونحن طرحنا تصورنا للوفاق دون صراع, وننتظر أن تقدم الحكومة تصورا بذات الوضوح) . وفي ذات السياق كشف د. رياك مشار مساعد البشير حاكم الجنوب ورئيس جبهة الانقاذ الديمقراطية الحزب الحاكم في الجنوب عن اتصالات مع بعض قادة التجمع الوطني الديمقراطي المعارض في الخارج والداخل, وقال لـ (البيان) انه تباحث مع شخصيات قيادية في التجمع ــ لكنه لم يسمها ــ حول السلام العادل لحل المشكلة السودانية, ويبدو من هذه الاشارات المقتضبة ان مشار يسعى الى دور أكبر من حل مشكلة جنوب السودان كما يبدو ان ثمة اعترافا ولو ضمنيا بأن مشكلة التعددية والحريات والديمقراطية لاتقل أثرا لدى مساعد البشير عن مشكلة الجنوب. وهكذا يتوالى الجدل في الخرطوم مجددا حول الحريات والديمقراطية والتعددية, ويزداد الاستقطاب يوما اثر يوم, الأمر الذي يؤشر الى ان الخرطوم ستمضي في أحد طريقين لا ثالث لهما, أما الأول فهو ان يفضي الجدل الساخن حول الديمقراطية الى تحقيق اصلاحات جذرية سياسيا وقانونيا, أو (العودة الى المربع الأول) كما قال احد معارضي (الانقاذ) في ندوة بقاعة الشارقة في جامعة الخرطوم مطلع أغسطس الماضي. الخرطوم - البيان