تستعد ثلاثة احزاب يمنية رئيسية لعقد مؤتمراتها العامة, هي الاصلاح والاشتراكي, والوحدوي الناصري, والى الثالث من اكتوبر المقبل الموعد المحدد للمؤتمر العام لحزب الاصلاح ينظر الساسة والمراقبون بعناية وترقب حذر , فهي محطة غاية في الأهمية ليس لقيادات حزب الاصلاح ولا لقواعده فحسب, بل لمعادلة الحراك الاجتماعي الذي اصيب بالجمود نتيجة سياسات حزب الاصلاح المعتمدة على (فقه صراع الآخر) الذي اتبعه طيلة السنوات الماضية وتحديدا منذ قيام الجمهورية اليمنية مايو ,1990 فقيادات حزب الاصلاح التي لا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة, ولا تعترف ببقية الاحزاب في الساحة اليمنية, لا أحد يستطيع تجاوز الاعتراف بمقدرتها الفائقة على حشد الجماهير, بتكريس الخطاب الدعوي, وبمساعدة السلطة في تسلمها مؤسسات تربوية, وادارات المساجد, زاد من ذلك مبادرة قيادات الاصلاح الى الاستحواذ على مؤسسات ومرافق جمع التبرعات باسم العمل الخيري, على ان الثالث من اكتوبر المقبل موعد المؤتمر العام للاصلاح يأتي وسط خلافات حادة تعصف بالقيادات العقائدية لحزب الاصلاح, وظروف انتفت معها خطابات ومبررات صراع الآخر. وبأحسن الاحوال خفت حدتها في الهيئات القيادية التنفيذية داخل الاصلاح, وظروف لا تخفى سخونتها في العلاقة مع القيادات الحاكمة في البلاد, وحزب المؤتمر الشعبي الحاكم, الذي تنظر اليه قيادات عقائدية على انه الاطار التنظيمي الذي انتزعته السلطة منها, وقطعت عليها السبل للوصول الى السلطة من خلاله, ولاتزال تتمسك بأحد امرين اما عودة مظلة المؤتمر الشعبي الى حظيرة الاصلاح, واعلان الدمج بغض النظر عن الوسيلة والشكل واما استقالة الرئيس علي عبدالله صالح من زعامة المؤتمر الشعبي, وهي كفيلة بانجاح مراودته عن نفسها ودعمه شعبيا وعسكريا, وبمناصرته بما تيسر من الدعم الاسلامي الخارجي, ويراهن هذا التيار الذي يقوده عبدالمجيد الزنداني رئيس شورى الاصلاح ومعه ثلة من الاخوان المسلمين الاولين, وقليل من مشائخ القبائل (بكيل) على ذلك الخيار دون امتلاك المشروع البرنامجي الذي يحقق الاعتراف بالتعددية, والديمقراطية, وحقوق الانسان, ولا توجد لديه أي مشاريع لبناء الدولة اليمنية, فالمرحلة التي يرفع شعارها لاتزال ترفع شعار الجهاد في سبيل الله, ولاتزال تتقوقع في محراب وحراب الجهاد الاصغر, ولم ترتق بعد الى جهاد النفس, وبناء الدولة وهو الجهاد الاكبر, وكما يتمسك هذا التيار بمظلة واحدة تنتفي معها التعددية الحزبية, فان وسيلته في تحقيق ذلك وللوصول اليه الدعوة الجهادية, وحشد قوة القبائل, دون العودة الى المؤسسات, ويتبع نفس الاسلوب في التحريض والترهيب كورقة للضغط على قيادة البلاد. وعشية المؤتمر العام لحزب الاصلاح يلاحظ المتابع الحصيف ان تحركات واسعة النطاق تقوم بها القيادات العليا والقيادات الوسطية بمختلف تياراتها وتجنحاتها العقائدية والمناطقية والمشيخية, لتحريك وتعزيز اوراق الضغط كل على الآخر, فالتيار الذي يقوده الزنداني كثف من صولاته وجولاته التحريضية في المساجد والوسط القبلي, ولم يستبعد بعض المراقبين اتفاقات وعهود جديدة ابرمت مع مشائخ بعض القبائل, سيما بعد الضربة التي وقعت للتابعين والمريدين من اليمنيين والعرب في محافظة الجوف, ومضايقة الكثير منهم في صنعاء بحجة تأشيرات الجوازات وعدم تجديدها, وفي العهود الجديدة التي جرت مع بعض المشائخ يشار الى اعلان احد كبار مشائخ بكيل في الصحف اليمنية والعربية رفضه لمواصلة استلام الدعم الشهري الذي تقدمه له الحكومة. ويتفق الجناح العقائدي الآخر داخل حزب الاصلاح من حيث المبدأ مع تيار الزنداني, لكنه يختلف معه في الوسيلة والتكتيك, اضافة الى الخلاف الساخن شخصيا بين قيادتي التيارين, فمحمد السيدوهي الامين العام للاصلاح, و ياسين عبدالعزيز المراقب العام للاخوان في اليمن ونائب رئيس الهيئة العليا للاصلاح, لايتفقان جملة وتفصيلا مع الزنداني, وخطهما يوازي خط الزنداني لكنهما لا يلتقيان, والجوهر في ذلك يعود الى صراع الزنداني وياسين عبدالعزيز على موقع المرشد العام للاخوان, والذي تفجر منتصف الثمانينات, ولم يحسم حتى الآن, ولا يوجد اي حزب معارض يمني استطاع ان يلعب بورقة هذا الخلاف الشديد اكثر من الرئيس علي عبدالله صالح, ولم يستطع عبدالمجيد ان ينفذ اي قرار لمجلس شورى الاصلاح, وفي المؤتمر العام للاصلاح نوفمبر 96 صوت الزنداني داخل قاعة المؤتمر في محاولة الغاء النص في النظام الداخلي, الذي يقيد صلاحيات مجلس الشورى, ويحصرها فقط في مناقشة تقرير الامين العام وابداء الملاحظات عليه, ولا يسمح لرئيس مجلس الشورى تقديم اي تقرير او اتخاذ اي قرار, وأهم النقاط والقضايا الساخنة التي فجرت ذلك عمليا في فترات عمل ونشاط مجلس شورى الاصلاح كانت مؤتمر شرم الشيخ, وقمة الدوحة, وبرنامج الاصلاحات الاقتصادية, وجزيرة سقطري والتسهيلات اليمنية العسكرية لقوات امريكية, (التعاون ــ حسب الحكومة اليمنية) وتجاه هذه النقاط ومثيلاتها اشتد الخلاف بين التيارين داخل حزب الاصلاح, ولم تعدم التيارات داخل حزب الاصلاح من استثمار خلافاتها لتحقيق مصالحها في الحكومة, وتثبيت مواقف ضد القيادة اليمنية للابقاء على مؤسساتها في التربية والتعليم والجامعات والمعاهد الخاصة, ولم تعدم بالمقابل القيادة اليمنية من استثمار الخلافات داخل تيارات الاصلاح, واللعب على ورقتها, وتم تمييع الكثير من القضايا, التشريعية والتنفيذية, والمتعلقة بحياة البلاد والعباد, وتم تدجين الكتلة البرلمانية لحزب الاصلاح, ساعد على ذلك كله وجود الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر رئيس الاصلاح, وعبدالوهاب الانسي الامين العام المساعد, وهما يلعبان ورقة التوازن داخل تجمع الاصلاح وبين تياراته, كما هو الحال للرئيس علي صالح بالنسبة للتيارات ومراكز القوى داخل المؤتمر الشعبي, والضحية في كل ذلك وفي كل الاجراءات التي استهدفت الاصلاح, هو الجناح القاعدي, والكثير من القيادات الوسطية التي خرجت قبيل انتخابات 97 البرلمانية للحوار مع الحزب الاشتراكي بما عرف حينها باحزاب اللقاء المشترك, ويلاحظ المراقبون عن كثب ان هذا الجناح يستعد وبأكثر سخونة لخوض معترك المؤتمر العام لحزب الاصلاح ليفجر قضايا انتقال الحزب الى المعارضة, والعلاقة مع الحكومة بالبدء باصلاحات هيئات الاصلاح وتوسيعها, وتحديث العمل الاعلامي بالبدء بنقل صحيفة (الصحوة) من الجمود الذي تعيشه الى مرحلة العلنية وصحف القضايا, وبالعموم الانتقال من (فقه الدعوة) الى (فقه الدولة) , واستعدادات هذا الجناح لخوض المؤتمر العام, ولطرح هذه المطالب وتحقيق التحولات المنشودة يجد من يدعمه في القيادة العليا وتحديدا تيار ياسين عبدالعزيز والبدوي لكنه الدعم المحدود الذي يتحول عند القرار الى التعامل بهراوة المركزية وظروف الواقع والمصالح, وفقا (لفقه التبعية) للمؤتمر الشعبي. وعشية المؤتمر العام لحزب الاصلاح يلاحظ المراقب والمتابع الحصيف عن كثب ان قيادة المؤتمر الشعبي تحولت الى حمل وديع في تعاملها مع الاصلاح, فوقعت اتفاقية بقاء المعاهد العلمية, وعودة كوادر الاصلاح الذين سرحوا من اعمالهم, ودعم ميزانية الاصلاح, بما في ذلك نصف تكاليف انعقاد المؤتمر العام, وتسخير وسائل الاعلام الرسمية لكيل الاتهامات للحزب الاشتراكي واحزاب المعارضة وخصوم الاصلاح, وتهدف من وراء ذلك الى تفجير الصراع داخل تجمع الاصلاح بما يحافظ على بقائه الذيل الاساسي والوحيد للمؤتمر الشعبي, وليعود اليه بهراوات قوية بعد انعقاد المؤتمر العام, وتبعا لفقه (التبعية) . عبدالله سعد