لا يعتبر خالد محيي الدين زعيما فقط لحزب التجمع المصري المعارض, ولكن احد الرموز البارزة والقديمة في العمل السياسي المصري طوال العقود الاربعة الماضية منذ شارك في عضوية تنظيم الضباط الاحرار الذي قاد ثورة يوليو 1952, قبل ان يتم نفيه الى سويسرا لعامين بسبب خلافه مع قادة الثورة حول الديمقراطية . أحب عبدالناصر واختلف معه, ولكنه تصادم مع السادات منذ البداية واستخدم كل منهما اسلحة ضد الآخر وان اختلفت طبيعة الاسلحة. وأكد خالد محيي الدين في حوار شامل مع (البيان) على اختلاف حزبه مع الحكومة في سياسة التحرير الشامل للاقتصاد وخطورة ذلك على مصر, وأدان الخصخصة وبيع البنوك, وطالب بمجتمع أكثر عدلا وديمقراطية. وعلى المستوى العربي أدان تفرقة الصف العربي في مواجهة المخططات الاسرائيلية والأمريكية في المنطقة, ودعا الى مجتمع علمي متقدم تكنولوجيا يستطيع ان ينتج القنبلة النووية, وإلى سلام عادل وشامل في المنطقة وإلا ستظل المنطقة العربية تعاني من الصراع الدموي. وعلى الصعيد العالمي, أدان العدوان الأمريكي على السودان وأفغانستان, واتهم امريكا باستخدام منطق القوة في التعامل مع تلك الدول (وكأننا نعيش في غابة) كما قال. هذا نص الحوار مع محيي الدين: العدوان الأمريكي - سنبدأ الحوار من الآخر, حيث تفرض احداث معينة نفسها على الساحة العربية والدولية, وأريد ان أعرف رأيك في الضربة الامريكية للسودان وأفغانستان؟ ــ أولا انا أدين هذا العدوان, استنكره وأدينه لأن التحقيق في حادثي الانفجارين في السفارتين الامريكيتين لم ينته بعد, وإذا سمح لكل دولة ان تضرب الارهابيين الذين يقومون بأعمال ارهابية وتلاحقهم, فسيتحول العالم الى غابة. وأمريكا تتهم هذه الدول بإيواء الارهابيين في حين ان الدول الاوروبية تأوي الارهابيين ايضا فهل ستضرب الدول الاوربية! طبعا لن يحدث, ولكن امريكا تستخدم منطق القوة (أنا أضرب من يخالفني) هذا مع استنكاري الشديد لضرب السفارتين في نيروبي ودار السلام وأي اعمال تؤدي الى موت أبرياء, فلا أعتبر هذه الاعمال أعمال تحرر وطني, فالتحرر الوطني هو مقاومة الاحتلال والمستوطنين الذين يستولون على الاراضي وإنما انا ضد قتل المدنيين. - لكن اسرائيل تستخدم منطق القوة وترفض المبادرة تلو الاخرى سواء الفرنسية أو الأمريكية في ظل امتلاكها للقنابل النووية وتفوقها العسكري, في حين اننا ما زلنا نطرح قضية القنبلة النووية اهم ام التنمية؟ فهل يمكن ان يحدث سلام عادل في ظل عدم وجود توازن استراتيجي في المنطقة؟ ــ عدم التوازن وامتلاك القنبلة النووية قد يصبح عائقا امام السلام, ويجعله سلاما مهزوزا, بل تسوية معيبة ومليئة بالثغرات. طالما اسرائيل متفوقة عسكريا, والتفوق النووي في جوهره علمي وتكنولوجي (ومفيش حاجة اسمها نعمل قنبلة نووية ام تنمية!) نحن نريد ان نرتقي بالشعب العربي, لابد من خطة للتنمية البشرية والارتقاء بالتعليم عموما وصحة المواطنين مما يجعل منا قوة منتجة فعالة متقدمة تستطيع في اي وقت ان تصنع القنبلة النووية. وهذا يتطلب اسسا مادية وتكنولوجية وعلمية عالية وكلما تأخرنا في هذه المجالات فإننا نؤجل قدرتنا على امتلاك القنبلة النووية, ودخولنا عصر العلم والمعلوماتية والكمبيوتر, وهذا هو جوهر الصراع بيننا وبين اسرائيل. اما حالة جمود عملية السلام في هذه المرحلة وضرب اسرائيل عرض الحائط بكل المبادرات المطروحة فترجع لعدة عوامل منها ان توازن القوى ليس في مصلحتنا. متمسكون بالمبادىء - كان موقف حزب التجمع من قضية الصراع العربي الاسرائيلي أكثر تشددا مما هو عليه الآن فما أسباب هذا التغيير؟ ــ لم نغير موقفنا ابدا من الحل السياسي على اساس معقول لأن اية تسوية سياسية تتم الآن ليست في صالح العرب لأن توازن القوى ليس في مصلحتنا, ولكن اساسا نحن نؤيد حل قضية الصراع العربي الاسرائيلي على اساس قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن والجلاء الكامل عن الارض العربية المحتلة. نحن ضد منهج كامب ديفيد (الحل المنفرد) والتسليم بأشياء قبل الحصول على أي شيء من الطرف الآخر. كأن يذهب السادات للكنيست ويخطب هناك ويعلن اعترافه بإسرائيل ووجودها دون ان يأخذ مقابل, هذا ما نرفضه, فلقد قدم السادات تنازلات كثيرة دون الحصول على الحقوق العربية, صحيح ان مصر اخذت ارضها, ولكن سوريا ولبنان والفلسطينيين لم يحصلوا على حقوقهم المشروعة, وهناك من يقول ان ما حصلنا عليه في اتفاقية كامب ديفيد لم يستطع العرب ان يحصلوا عليه الآن, وهذا صحيح لأن الموقف الدولي اصبح أسوأ مما كان عليه الحال في السبعينات. الأحزاب ... والمعيشة الصعبة - ماتقييمك لمسيرة حزب التجمع منذ نشأته وهل انت راض عنها؟ - لا يمكن ان اكون راضيا لكننا نعمل في ظروف صعبة واعضاؤنا معذورون. - لماذا؟ - اولا المعيشة صعبة... والعضو العادي يبحث اولا عن حل مشاكله الاقتصادية وفي الوقت نفسه عليه ان يقوم بنشاط حزبي... كما ان الجانب الاقتصادي او المالي في الاحزاب ايضا صعب وغير متوفر يعني انا اذا اردت ان اقوم بنشاط حزبي في كل قرى مصر مرتين - ثلاثة في السنة يتخرب بيتي ماليا... ونحن ممنوعون من القيام بنشاطات اقتصادية لكسب المال... ولن نستطيع العيش كأحزاب على الاشتراكات والتبرعات فقط... ولكن كي نقوم بنشاط حزب حقيقي ونتواجد على ارض الواقع نريد امكانيات كبيرة, والاحزاب مشكورة على قيامها بهذا النشاط في هذه الظروف وهذا لا يعني انني اقول انهم عملوا ما عليهم ... لا... لكن في حدود ماهو متاح لهم ومالديهم من قدرات وامكانيات مالية... كما ان الناس (تخلط) بين النشاط الاهلي والحزبي لانه لا توجد بجانب الاحزاب السياسية تنظيمات المجتمع المدني القوية سواء الاهلية او المهنية التي تقوم بنشاطات اخرى الى جوار نشاط الاحزاب... فهناك من يطالبنا بتبني قضية التعليم ومحو الامية. والمساهمة في عمل مؤسسات علاجية... وانا اتساءل من اين نأتي بالاموال لنحل هذه المشكلات واستحالة ان نقوم بدور العمل الاهلي ... ان مهمة الاحزاب هي توعية الرأي العام بخطط السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة للدولة ونقدها وتقديم خطط بديلة. عراقيل أمنية - هل المشكلة التي تواجه الاحزاب مشكلة مالية فقط ام ان هناك ظروفا اخرى تعوق العمل الحزبي؟ - الى جانب المشكلة المادية لا توجد امكانية للعمل العام والجميع يعرفون اننا لا نستطيع عمل اجتماع ولا مسيرة الا بموافقة الامن وهو يرفض بل ويتصدى لنا ولذلك عندما قال د. احمد فتحي سرور في مجلس الشعب ان الاحزاب لم تقم بواجبها تجاه قضية الشباب رد عليه كمال الشاذلي وزير مجلس الشعب والشورى بقوله: لقد قامت الاحزاب بدورها في حدود ماهو متاح لها من امكانيات وظروف. الحكاية عايزة فلوس - بمناسبة مجلس الشعب لماذا لم يستطع حزب التجمع ان يفرز اكثر من خمسة اعضاء بالمجلس حتى الآن؟ - (الحكاية عايزة فلوس) وطالما الفلوس محدودة نضطر ان نختار الدوائر التي بها فرص نجاح اكبر ايضا هناك التزوير وهو يلعب دورا كبيرا في تحجيم ممثلي المعارضة داخل مجلس الشعب... ولذلك ايضا لا ندخل الانتخابات الا في الدوائر التي لنا فيها جماهيرية اكبر تستطيع التصدي لعمليات التزوير الحكومية للانتخابات. - في رأيك لماذا تتدهور جماهيرية الحزب... وما العوامل التي يمكن ان ترفع من جماهيريته؟ - الحزب عنده تجارب... عندما دافع عن حق المستأجرين في الارض الزراعية كسب ارضية جديدة وقد انعكس ذلك على العضوية الجديدة في الحزب... فأغلب العضوية الجديدة من الفلاحين فتبني قضية معينة تبث جماهير للحزب. - هذا يعني ان الحزب غير متبني قضايا الجماهير رغم وجود قضايا جماهيرية عدة مثل قضية الديمقراطية, البطالة, الاسكان... فأين دور الحزب تجاه هذه القضايا؟ - الامر يختلف بالنسبة لهذه القضايا... فبالنسبة لقضية طرد الفلاحين من اراضيهم فهي قضية ناس طردوا من اراضيهم اما قضية البطالة فهي قضية مزمنة... لكن بالنسبة لقانون ايجارات الاراضي الزراعية نحن طالبنا الحكومة ان تؤجل تنفيذه لحين ايجاد حلول للفلاحين الذين تركوا اراضيهم. بديل للاشتراكية - طرحتم في المؤتمر العام الرابع الاخير فكرة (مجتمع المشاركة الشعبية) وقلت عنها انها اهم مافي البرنامج الجديد للحزب ... فما هو مجتمع المشاركة الشعبية وهل هو بديل للاشتراكية؟ - مجتمع المشاركة الشعبية هو اعداد المجتمع المصري كي يتحول الى الاشتراكية, الديمقراطية, التعليم, التكنولوجيا, صناعة وزراعة متقدمة... بناء مجتمع جديد اساسه مشاركة الناس وبناء الناس بديمقراطية. - هل هو اذا معادل للاشتراكية؟ - هو اعداد المجتمع لان يتخطى مرحلة التخلف وسيطرة قطاع معين من القوى السياسية على الحياة السياسية والاقتصادية وعمل تنمية مستقلة معتمدة على الذات وتنمية بشرية مع مشاركة سياسية على اوسع نطاق... وهذا البرنامج وهو مكون من تسع نقاط هو مايميزنا عن كل الاحزاب واذا تحقق بالفعل سيقودنا الى الاشتراكية. - ماهي الضرورات التي دعت لتغيير برنامج الحزب؟ - الضرورات كثيرة... فالبرنامج السابق وضع عام 1980 كان الوضع محليا, عربيا, دوليا مختلفا, فالاشتراكية لم تنجح في المنافسة السلمية مع الرأسمالية لاسباب عديدة وحدث ماحدث للاتحاد السوفييتي ومجموعة دول شرق اوروبا الاشتراكية وزوال هذه القوة من العالم غير من موازين القوى واعادت كثير من الدول حساباتها وسياساتها ويتعرض البرنامج ايضا للاهداف التي نناضل من اجلها وهل مازالت الاشتراكية هدفنا القريب ام البعيد؟ واي نوع منها وكيف نناضل؟ وماهي مرحلة الانتقال اليها, فلابد للاعضاء ان يتسلحوا بمفاهيم صحيحة في هذه المرحلة التي تشهد تصفية القطاع العام واعتماد آليات السوق والخصخصة وعولمة الاقتصاد واتفاقية الجات. - وهل سيتطلب ذلك تغيير شعار الحزب (الحرية والاشتراكية والوحدة) ؟ - الشعار لن يتغير ولكن البرنامج يتعرض لمفاهيم هذا الشعار ومضمونه بالنسبة للحرية التي نريدها والاشتراكية التي نسعى اليها في المستقبل وايضا الوحدة العربية ومضمونها في وقت اصبح فيه توازن القوى لصالح اسرائيل محليا ودوليا... فالمبادىء الثلاثة عشر التي قام عليها الحزب هي التي مازالت تحكمنا في نضالنا واهدافنا وماتغير هو التحالفات والتكتيكات حسب طبيعة المرحلة. هزيمة الطبقة العاملة - هذا يقودنا الى قضية الخصخصة وبيع البنوك العامة وشركات التأمين... وأتساءل لماذا لم تستطع قوى المعارضة ان تتصدى لسياسة الحكومة في البيع او تقدم بديلا لذلك؟ - لا نستطيع ان نوقف وليس لدينا الآليات الديمقراطية اذا كنا مانقدرش نعمل مسيرة ولا اضراب... فمثلا قد يستطيع العمال ان يضربوا في مصنع ما لكن هذا لا يحل اية قضية... لكن اذا ما اضرب كل العمال في كل المصانع فهذا امر آخر... ونحن ليس عندنا الآلية السياسية والديمقراطية التي تمكننا من حشد القوى... فالقانون يمنع الاضراب والمسيرة فمثلا حادث ضرب السودان كانت مصر تقدر تطلع مظاهرات وكنا نستطيع ان نمنع الخصخصة اذا ما قررت الطبقة العاملة ان تقف ضد الخصخصة... ولكن الطبقة العاملة مهزومة وغير قادرة على ان تقاوم فلا يستطيع حزب التجمع وحده ان يحل مشكلة الطبقة العاملة. - لكن حزب التجمع هو اقرب الاحزاب للطبقة العاملة بل انه من المفترض انه يقود هذه الطبقة ولديه كوادر وسطها وعلاقات قوية معها ومن هنا كان يمكن ان يلعب دورا فاعلا في القضية... أليس كذلك؟ - لقد دافعنا عنهم وبدأنا المعركة ضد الخصخصة مبكرا... لكنها لم تستكمل لان بناء الحركة العمالية في مصر لم يكتمل ونحن لا نستطيع ان نبنيها لان الحركة الجماهيرية تبني نفسها فلم توجد الحركة العمالية القوية التي تقف ضد الخصخصة ونحن لم نستطع بناءها - هذا صحيح - لان الظروف غير مواتية... لقد ساعدنا العمال وطرحنا الموضوع ودعينا العمال الى المقاومة ولكنهم لم يقاوموا هذا ليس عيبنا لوحدنا... ومانقدرش نتحمل مسؤوليته بمفردنا. حزبنا ديمقراطي - هناك اتهام موجه للاحزاب السياسية المصرية جميعا وهو افتقاد الديمقراطية داخلها وسيطرة زعمائها على مقاليد الامور وعدم تداول المقاعد سلميا داخلها فما رأيك؟ - لقد شاهدت بنفسك الانتخابات في المؤتمر العام الاخير... نصف المرشحين انتخبتهم لجان الحزب من الاقاليم والنصف الآخر انتخبهم المؤتمر, واللجنة المركزية اختارت المكتب السياسي والامانة المركزية, وامناء المحافظات وكله بالانتخاب. - ولكن مازلت رئيسا للحزب والامين العام في مقعده اي لم تحدث تغييرات في قيادات الحزب... لماذا؟ - لقد فتحنا باب الترشيح على مقعد رئيس الحزب والامين العام وجميع المناصب, فلم يرشح احد نفسه لمقعد رئيس الحزب ولا الامين العام. - هل الاعضاء خايفين منكم؟ - ويخافوا ليه... وانا (عملت لهم ايه وحش علشان ماينتخبونيش!) ضياع الحلم - على المستوى الدولي... عندما انهارت الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي سابقا هل هذا يعني بالنسبة لك انهيار حلم ام ماذا؟ - هزيمة الاشتراكية ضياع حلم... لكن انا لا افقد الامل في ان البشرية يمكن ان تبني حلما جديدا لان الرأسمالية رغم هزيمة الاشتراكية لم تستطع ان تحل مشكلات البشر لا في مصر ولا في العالم... فما زال الناس يسعون للعدل والاشتراكية كانت احد صور العدل وانهزمت في صراع مع الرأسمالية لان الرأسمالية كانت اذكى منها فهزمتها والاشتراكيون لم يبنوا مجتمعاتهم بطريقة افضل من الرأسمالية فمن هنا التجربة مازالت مطروحة ولذلك لو عرف الناس اخطاء الماضي وتغلبوا عليها يمكن ان يبنوا حلما جديدا. - هل تراجعت الاشتراكية في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؟ - في اوروبا هناك 13 حزبا اشتراكيا في السلطة سواء كانوا شيوعيين سابقين أو اشتراكيين وهذا يدل على ان فكرة الاشتراكية مازالت قوية... فلم تستطع الرأسمالية رغم هزيمة الاشتراكية ان تحل معضلات البشر... من بطالة الى فقر مدقع الى ازدياد الفروق بين الطبقات مما يستحيل معه سيادة العدل... مما يدفع بالبشر الى البحث عن صور اخرى اكثر عدلا. حوار: ماجدة مهر