نافذة: حلم الفردوس الاوروبي!بقلم-رضا الاعرجي

تبتلع الضفة الضيقة للبحر بين اوروبا وافريقيا سنويا, وفي صمت كامل, مئات الاشخاص الذين يحلمون الى الفردوس الاوروبي على متن قوارب الموت . واذا كانت المصادر الاسبانية قد حددت عدد الضحايا بأكثر من 1000 شخص, خلال الاعوام الخمس الاخيرة, اعتمادا على تقارير صحفية انطلقت اساسا من بقايا الجثث التي تم العثور عليها, فان هذا الرقم لا يشمل الغرقى الآخرين الذين لم يخصص لهم اي عنوان صحفي لان تيارات الماء جرفت اجسامهم الى اعماق البحر, وبالتالي الى عالم النسيان. وكيفما كانت نتائج مغامرة ركوب البحر, فان تحسن الطقس في مثل هذه الشهور يحفز كل من يحلم بولوج الفردوس الاوروبي على عبور مضيق جبل طارق رغم كل المخاطر التي قد تنجم عن هذه الرحلة المتهورة, وآخر ما تناقلته وسائل الاعلام خبر انتشال الحرس الاسباني لجثث 12 مغربيا في منطقة كازابلانكا قرب مدينة مليلية المغربية المحتلة, حيث كانوا يحاولون العبور في اتجاه اسبانيا. كما لفظت شواطىء الناظور المغربية الاسبوع الماضي جثث حوالي عشرين مغربيا كانوا على ظهر واحد من تلك المراكب الصغيرة التي اكتسبت اسم (قوارب الموت) عن جدارة, فقد انقلب القارب في عرض المحيط, وانقلبت معه احلامهم, ولم ينج منهم الا من صارع الموت بكل ما أوتي من قوة. وفي ايطاليا افادت احصائيات حرس الشواطىء انه ومنذ بداية يونيو الماضي القت القبض على مئات القادمين من الاراضي التونسية اغلبهم من جنسية مغربية, وهي تقوم باجراءات ارجاعهم الى بلدانهم, طبقا لاتفاقيات عملت على توقيعها مؤخرا مع الدول المعنية. القاسم المشترك بين ضحايا هجرة (قوارب الموت) فضلا عن فقدان الامل في الحصول على عمل, هو وجود عصابات متخصصة, سواء في جنوب البحر أو شماله, تنشط في تجارة رابحة, فرغم الامتحان العسير الذي يجتازه المهاجرون السريون وصرامة الرقابة البرية والبحرية التي تقوم بها الاجهزة المغربية والاسبانية, فان الذين يتمكنون من العبور الى ارض الاحلام سرعان ما يسقطون ضحايا شبكات مافياوية تقوم باستغلال جهلهم بأوضاع وجغرافية اسبانيا, اذ لا يودعونهم الا بعد افراغ جيوبهم, والاخبار القادمة من اسبانيا تحفل بالكثير من عمليات القاء القبض على الشبكات الناشطة في تهريب المهاجرين غير الشرعيين الى دول الاتحاد الاوروبي, فخلال الايام القليلة الماضية وحدها اعتقلت قوات الامن الاسبانية ستة اشخاص بينهم ثلاثة من المحامين متورطين في عمليات تزوير وثائق ومنح عقود وهمية الى مهاجرين سريين بهدف تسوية اوضاعهم القانونية في اسبانيا مقابل مبالغ مالية. وكان لافتا تصريح خوسي توريس مورتادو مندوب الحكومة الاسبانية في قادس بان ارتفاع عدد المهاجرين السريين الذين القي عليهم القبض راجع الى (تعدد العصابات المتخصصة في النقل غير القانوني للاشخاص والتي لها امكانيات لوجستية مهمة) . لانه بذلك يفند مايروج من مزاعم عن وقوف المغرب وراء ظاهرة (قوارب الموت) بدعوى محاولة الرباط الضغط على الاتحاد الاوروبي للحصول على مساعدات اقتصادية. او خلق المشاكل لحكومة مدريد بسبب استمرار احتلال مدينتي سبتة ومليلية, وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه خوسي شاميزو ومحامي الشعب في الاندلس الذي طالب بانزال اقصى العقوبات بمافيا الهجرة السرية. وينص القانون الجنائي الاسباني على العقاب في قضايا نقل المهاجرين السريين باعتبارها جريمة ضد حقوق العمال ويحكم على مقترفيها بالسجن لمدة تتراوح ما بين ستة اشهر وثلاث سنوات وغرامة, بينما لا يحاكم المهاجر السري بأية تهمة, الا انه يسلم للشرطة التي تتكفل باعادته الى بلده الاصلي طبقا للقانون الجاري به العمل. اما القانون المغربي فيتابع قائد المركب الناقل بتهمة القتل الخطأ, والعقوبة في هذا الفعل الجرمي قد تصل الى خمس سنوات حبسا, وفي حال المعاودة تضاعف العقوبة. والمؤكد ان القوانين المقيدة في بلدان الاتحاد الاوروبي كقانون الاجانب الاسباني تشجع العصابات المنظمة على تهريب اليد العاملة الاجنبية التي ليست بحوزتها وثائق دخول الى اسبانيا, وتساعد على دعم هذا النوع من الظواهر, فحين يجد العمال الاجانب انفسهم غير قادرين على الهجرة بصفة شرعية يضطرون, بسبب اوضاعهم الشخصية والعائلية, الى هذه العصابات التي يسقطون بعد ذلك ضحية لها. لقد اخذت الدول الاوروبية من فرنسا الى المانيا ومن هولندا الى ايطاليا تشن حربا دون هوادة على المهاجرين السريين كسبب الضغوط الامنية او نتيجة الاتجاهات العنصرية, الامر الذي وضع المهاجرين العرب والمغاربيين والافارقة وغيرهم من كل الاقطار والجنسيات في مواجهة قرارات القصد منها ابعادهم عن اوروبا التي اتفقت على ان تصير بلدا واحدا بعملة واحدة وقوانين واحدة, لا حدود بالداخل ولا عراقيل أو حواجز جمركية. والجدير بالملاحظة, ان عمليات (قوارب الموت) , وهي غالبات ما تكون زوارق مطاطية او قوارب صيد صغيرة يطلق عليها الاسبان اسم (باتيرا) , نشطت بعد فرض التأشيرة على المغاربة الراغبين في زيارة اسبانيا عام 1992, لكنها تصاعدت على نحو لافت مع (القواعد) المشتركة التي اتفق عليها وزراء داخلية الاتحاد الاوروبي في 1993 لمواجهة الهجرة غير الشرعية وانشاء وحدة للشرطة الاوروبية (يوروبوب) تكون بمثابة نواة للتعاون بين الحكومات الاوروبية لمكافحة تهريب المخدرات وانواع اخرى من الجرائم التي تتم عبر الحدود. وتفيد الاحصائيات المتوفرة ان عام 1998 عرف تصاعدا في الهجرة السرية تجاوزت نسبته 100 في المائة, رغم تشديد الرقابة على المنافذ البحرية, ووضع الحواجز والاسلاك الشائكة واجهزة الانذار, فمع كل هذه الاجراءات تستمر الظاهرة, وتستمر (قوارب الموت) نتيجة اصرار الآلاف ممن سدت ابواب الرزق في وجوههم البحث عن (الارض الموعودة) حتى لو كان الطريق اليها يكلفهم حياتهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات