قد يبدو غريباً أن نقول عن رجل نجح في الوصول الى منصب رئيس الولايات المتحدة مثل بيل كلينتون, انه كان على الدوام الشخص الامين على مصيره, فقد استطاع المرة تلو الأخرى ان ينجو من مآزق وأزمات بالقاء اللوم على الآخرين والتمسك بدفاع قوي على الرغم من ثقته بأن هذا الدفاع ملتو وماكر وباهر . ان هذا ما حدث في العام 1980 عندما خسر رهانه الاول لاعادة انتخابه كحاكم لولاية آركنساس ثم كافح للعودة الى منصبه ونجح في ذلك بعد عامين وتكرر ذلك في الانتخابات الرئاسية للعام 1992 عندما ألقى ماضيه بظلاله على مستقبله السياسي وفي العام 1994 كذلك. وفي الحقيقة ان ما يقوم به كلينتون لا يتعدى العرض المسرحي, ففي الاسبوع الماضي اعترف, عندما ظهر في صلاة صباحية في البيت الأبيض أمام حشد من رجال الدين والضيوف الآخرين يزيد عددهم على مئة, بأن خطابه للأمة الذي ألقاه في السابع عشر من أغسطس الماضي لم يكن دالا على الندم بما فيه الكفاية. واذا نجح كلينتون بالبقاء في السلطة لأسابيع أو أشهر مقبلة, فسيكون هناك المزيد من خطابات الأسف والندم وطلب الصفح موجهة من قبل كلينتون لأسرته واصدقائه ولوزرائه وموظفيه ولمونيكا لوينسكي وعائلتها وللشعب الامريكي وقد يحتاج الى الاعتذار من الحيوانات الأليفة في أمريكا لما فعله. لكن من يعرف نفسية كلينتون جيداً يدرك ان هذه الاعتذارات وخطابات الأسف والندم ما هي الا استراحة المحارب قبل ان يعاود الهجوم. ان الاعتذار العام الوحيد الذي صدر عن كلينتون قبل هذه الازمة كان خلال محاولته الرجوع الى الحلبة السياسية بعد هزيمته في الانتخابات على منصب حاكم ولاية آركنساس فبناء على نصيحة من مستشاره السياسي آنذاك, ديك موريس, القى كلينتون خطاباً متلفزاً طلب فيه من الناخبين مسامحته على الأخطاء التي ارتكبها في ولايته الأولى قبل زيادة الضرائب وانعزاله عن مواطنيه وعدم ابداء الاهتمام بهم. لكن اذلال الذات امام الجمهور من قبل كلينتون لم يكن سوى الخطوة الاولى في حملته الهجومية التي اعادته الى السلطة في ولاية آركنساس في العام 1982. وقد ألمح الى ذلك في اجتماعه مع رجال الدين الاسبوع الماضي عندما قال: سأصدر تعليماتي الى محاميّ لشن دفاع قوي) ويقصد بذلك ضد اتهامات كينيث ستار. ويعلق ديفيد مارانيس, مؤلف كتاب السيرة الذاتية لكلينتون الذي يحمل عنوان (الأول في صفه) , على قدرات الرئيس كلينتون قائلاً: (لقد مر بالكثير من الأزمات الشخصية والسياسية في حياته وخرج سالماً منها جميعاً بحيث بات الامر لديه عملية عادية, يبدأها غاضباً ومرتبكاً ومحبطاً ومن ثم يحاول ببطء ان يجد مخرجاً له) . ولذا, سواء كان تأسف كلينتون للجمهور اداء محسوباً اوتعبيراً صادقاً من رجل يتألم او كليهما, فإنه من الخطأ النظر اليه باعتباره دلالة على ضعف الارادة لدى كلينتون في شن الهجوم المضاد. بالطبع, لم يواجه كلينتون ابداً مرحلة في حياته بمثل هذه الخطورة, فالديمقراطيون ينأون بأنفسهم عنه, وبعض الصحف تطالب باستقالته ووحش الرأي العام الذي لا يرحم يزحف الى واشنطن ولكن ببطء. ومن هنا, وفي ضوء هذه الأسباب كلها, لا يمكن لأحد أن يستبعد امكانية ان يقرر كلينتون الاستقالة, لكن كل شيء في ماضيه يشير بعكس ذلك, ففي معظم حياته السياسية سواء فيما يتعلق بالاصلاحات الاجتماعية او تخفيض الضرائب أو الرعاية الصحية, فان المشهور عن كلينتون انفتاحه على الحلول الوسط والانسحاب التكتيكي, الا انه يصبح عنيداً عندما يتعلق الأمر ببقائه في السلطة. واذا ما اختار كلينتون هذه المرة القتال حتى النهاية القاسية, حتى وان تضمن ذلك خضوعه لمحاكمة امام مجلس الشيوخ, فان ذلك سيكون لسبب واحد وهو أنه يعتقد بأن التأنيب سيكون العقاب على التهم المنسوبة اليه وان معظم الامريكيين سيوافقون على ذلك. لكن بصرف النظر عن الأمور المبدئية, فان شخصية كلينتون وتركيبته النفسية هي التي تجعل الاستسلام خياراً مستبعداً. فهذا الرجل تزيده الازمات قوة وتدفعه الى الحركة والنشاط وليس من السهل عليه قبول الهزيمة. وحتى في المسائل التافهة, يرفض كلينتون ان يتفوق عليه احد, ويبقى مصراً على الفوز مهما كلف الثمن. وهناك جانب آخر للمسألة وهي أن كلينتون يشعر بالغضب من ستار الذي يبدو تحقيقه كتتويج لجهود جميع المعارضين الذين لم يملوا من محاولة النيل منه خلال فترته الرئاسية وقبلها. ويبدو كلينتون في ذلك شبيهاً بالرئيس الامريكي الاسبق ريتشارد نيكسون الذي اعتبر ايامه الاخيرة في البيت الابيض نهاية لمؤامرة حاكها ضده أعداؤه طوال عقدين أو أكثر. وحتى في لحظات مثل هذه, فان كلينتون قد يستخدم نرجسيته للبقاء في السلطة, حيث يضع مسألة بقائه على أنها حيوية لبرنامج الحزب الديمقراطي او لما تبقى منه في حين ان تنحيه عن السلطة وافساحه المجال امام استلام آل جور لمقاليد الحكم قد يعطي زخماً لبعض القضايا في برنامج الحزب الديمقراطي مثل الاصلاحات المتعلقة بالتأمين الاجتماعي والرعاية الصحية. ويرجع اصرار كلينتون وعناده الى ما ورثه عن أمه (كيلي) التي صارعت وكافحت كي تنشئه وتحافظ على وظيفتها كممرضة تخدير في أحد المستشفيات . وتقول (كيلي) في مذكراتها انها اضطرت لدى فصلها من المستشفى الى حشد تأييد جميع من تعرفهم لكي يقفوا الى جانبها ويدافعوا عنها. وقد سئل كلينتون ذات يوم من قبل العالم السياسي جيمس بيرنز (ماذا كنت فاعلا لو رفض الكونجرس ترشيحك بشكل متواصل) ؟ فأجابه كلينتون: (أواصل الالحاح عليهم حتى يتعبوا) . لقد بدا واضحاً خلال الافطار الديني في البيت الابيض الاسبوع الماضي ان الرئيس كلينتون يعد نفسه لصراع حقيقي فقد تحدث والابتسامة تعلو وجهه رغم الارهاق البادي عليه. ان اسعد الاوقات لدى كلينتون وأكثرها اثارة هي الحملات الانتخابية حين يطلب الدعم والتأييد من الجمهور. فبعد انتخابه للفترة الرئاسية الثانية في العام 1996, تساءل اصدقاؤه كيف يمكنه ان يواجه حقيقة ابتعاده عن الساحة الانتخابية وانه لن يعيش تلك التجربة مرة اخرى, لكن على ما يبدو فإن اصدقاء كلينتون ما كان عليهم ان يقلقوا بهذا الشأن اطلاقاً, فالرئيس بيل كلينتون وجد طريقة تعيده الى اجواء الحملة الانتخابية مع فارق بسيط.