من الملف السياسي: الرأي العام الامريكي وفضيحة كلينتون ـ مونيكا، بقلم ـ د. أحمد فارس عبدالمنعم

يثير موقف الرأي العام الامريكي من الرئيس كلينتون بعد فضيحته مع مونيكا لوينسكي المتدربة السابقة بالبيت الابيض التساؤل حول اسباب عدم استياء الرأي العام الامريكي من كلينتون وعدم المطالبة بإقالته, وقبل تحليل اسباب ذلك يجدر التعرف على مفهوم الرأي العام وخصائصه وخصائص الرأي العام الامريكي واخر استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة تجاه قضية كلينتون ـ مونيكا. فالرأي العام يمثل تيارا يسرى عبر الجماهير يعكس اقبالها او نفورها, رضاها او سخطها, ويظهر ذلك غالبا في صورة مجموعة من الضغوط والاحكام التي تصدرها هذه الجماهير تجاه عمل من الاعمال او حادثة من الاحداث, فهو يمثل قوة جارفة من الصعب التصدي لها او التأثير عليها الا بعد معرفة اتجاه هذا الرأي والوقوف على المؤثرات المباشرة وغير المباشرة في تنشيطه وتحريكه, وكذا الوقوف على عوامل تكوينه ومعرفة طبيعته. ذلك انه يعبر عن اجتماع كلمة الجماهير, الرأي العام بعبارة اخرى هو الرأي السائد بين اغلبية الشعب الواعية في فترة معينة بالنسبة لقضية او اكثر يحتدم فيها الجدل والنقاش وتمس مصالح هذه الاغلبية او قيمها مساً مباشرا. ومن الناحية الكمية ينقسم الرأي العام الى رأي الاغلبية ورأى الاقلية, والمقصود برأي الاغلبية هو رأي ما يزيد على نصف الجماعة التي تمثل المجتمع حول قضية معينة تهم المجتمع. رأي الاغلبية قد يتكون احيانا بالتضليل وحذف بعض الحقائق او الدعاية التي يقوم بها الزعماء, وما يجب اخذه في الاعتبار في هذا المجال هو ان الاغلبية اذا كانت على اساس كمي او عددي بحت فانها لا تمثل الرأي العام تمثيلا صحيحا لان العامة من افراد المجتمع لا يهتمون بالقضايا ولا يستطيعون تكوين رأي صائب حول القضايا العامة كما انهم لا يناقشون مثل تلك القضايا وبالتالي ومع انهم الاكثرية العددية او الاغلبية الكمية الا ان رأيهم لا يؤثر في الرأي العام. اما رأي الاقلية فهو عكس عدد الاغلبية اي انه يمثل ما يقل عن نصف الجماعة في المجتمع, وقد يمثل هذا الرأي رأي فئة من الفئات في المجتمع, ويجب ملاحظة ان رأي الاقلية يكون له اعتباره اذا كان من بين هذه الاقلية افراد لهم تأثيرهم في المجتمع مثل قادة الرأي او المفكرين او الكتاب, لان الواحد من هؤلاء هو واحد من حيث القيمة العددية او الكمية ولكنه اكبر من ذلك من حيث التأثير الكيفي فهو يؤثر في عدد كبير من الافراد, وبالتالي فيجب مراعاة هذه الاقلية وعدم اهمالها, ومما يزيد من اهميتها انها تعمل على ان تكسب رضا الجماهير لتتحول الى اغلبية, ومن المعروف ان الرأي العام ليس ثابتا فرأي الاغلبية يمكن ان يتحول الى رأي اقلية والعكس صحيح, وذلك طبقا لتغير العوامل المكونة للرأي العام. خصائص الرأي العام اهم خصائص الرأي العام هي انه يمثل سلوكا جميعا كامنا في بعض المواقف وظاهرا في بعض المواقف الاخرى. فقد يكون الرأي العام مجرد وجهات نظر احيانا وقد يكون تعبيرا صريحا لفظيا وحركيا. كما ان الرأي العام قد يكون مستمرا او غير مستمر, وقد يكون قائما على حقائق او اكاذيب, بالاضافة الى ذلك فان الرأي العام شديد الحساسية للأبناء والاحداث الهامة, وتزداد هذه الحساسية بزيادة اهمية هذه الابناء والاحداث. ومن خصائص الرأي العام ايضا انه يصعب خداعه اذا كان افراد المجتمع لديهم علم بكل اطراف الموضوع او القضية التي تكون الرأي حر لما وفي حالة ارتفاع نسبة التعليم وتوفر وسائل الاعلام يكون الرأي العام قويا صلبا فالمتعلمون والمثقفون اكثر استعدادا للموافقة على الآراء الاقرب الى الموضوعية. في ضوء هذا المفهوم للرأي العام وخصائصه يمكن فهم حقيقة موقف الرأي العام الامريكي من الرئيس كلينتون بشأن فضيحته مع مونيكا. فنظرا لان الفضيحة الجنسية لا تمثل انتهاكا كبيرا او صارخا لتقاليد وعادات المجتمع الامريكي الذي يقسم بالتحرر والانفتاح في العلاقة بين الرجل والمرأة, فانه يلاحظ ان الرأي العام الامريكي لا يستنكر في هذه القضية مجرد الفضيحة الجنسية بين كلينتون ومونيكا وانما يستنكر فقط مجرد حنث الرئيس كلينتون باليمين الدستورية وذلك بإنكاره من قبل حقيقة العلاقة بينه وبين مونيكا ثم اعترافه بها بعد ذلك. اي ان الرأي العام الامريكي لا يدين علاقات كلينتون الجنسية غير المشروعة وانما يدين فقط لجوئه الى الكذب, وحتى في هذه الجزئية الاخيرة فان اغلبية الرأي العام الامريكي لا تطالب بإقالته لهذا السبب. فقد اشار استطلاع للرأي العام الامريكي نشرته مجلة نيوزويك في الثاني من اغسطس الى ان 39% فقط ممن شملهم الاستطلاع يرون ضرورة عزل كلينتون في حالة ثبوت كذب, في حين رأي 35% ان تقديم كلينتون اعتذارا سيكون كافيا كما اعرب 19% عن اعتقادهم انه يجب عدم اتخاذ اي اجراء على الاطلاق ضد كلينتون. وقبيل ادلاء كلينتون بشهادته بشأن علاقته مع مونيكا اظهرت استطلاعات الرأي ان معظم الامريكيين يعتقدون ان كلينتون قد كذب بشأن هذه العلاقة ولكنهم مازالوا يحتفظون بثقتهم فيه ولا يرغبون في ان يترك منصبه. كما اشار استطلاع اخر ان 56% من الامريكيين يعتقدون ان كلينتون لن يدلى بالحقيقة الكاملة حول علاقته مع مونيكا في حين قال 24% ان ثقتهم في الرئيس الامريكي ستتزعزع اذا اعترف بوجود علاقة بينه وبينها. وعقب ادلاء الرئيس كلينتون بشهادته في 17 اغسطس والتي اعترف فيها بإقالته علاقة غير لائقة مع مونيكا فان استطلاعات الرأى العام الامريكي قد عكس رضاء الشعب الامريكي بهذا الاعتراف ورغبتهم في اسقاط الموضوع برمته وعدم مضى الكونجرس في اتجاه عزل الرئيس وذلك على الرغم من تراجع المصداقية في كلينتون نفسه. وقد اوضحت احدى استطلاعات الرأي العام الامريكي ان 53% ممن شملهم الاستطلاع يعارضون اقالة كلينتون مقابل 25% يرغبون في ذلك. في حين تراجعت المصداقية في كلينتون من 60% قبل الاعتراف الى 40% بعد الاعتراف. وقال 48% ان لديهم انطباعا سلبيا عن الرئيس, وتباينت النسب بين هذا الاستطلاع واستطلاعات اخرى حيث اوضحت استطلاعات اخرى ان ثلثي الامريكيين قد شاهدوا اعتراف كلينتون في خطابه ولا يريدون اسقاطه, وقال 53% انهم راضون باعترافه, و62% قالوا انهم يعتقدون انه يؤدي عمله جيدا, واعتبر 63% انه حان الوقت لانهاء التحقيق, ولم يؤيد عملية اقالته سوى 12% فقط وابدى 18% فقط رغبتهم في ان يقدم استقالته ووافق 65% على انهاء التحقيق الذي يجريه المحقق المستقل كينث ستار وذلك مقابل 31%. واحدث استطلاعات الرأي الامريكي بشأن قضية كلينتون ومونيكا هي ان 55% من المواطنين الامريكيين يرون الاكتفاء بقيام الكونجرس بتوجيه تأنيب رسمي لكلينتون كوسيلة لتسجيل الاعتراض على سلوكه وكحل وسط لتفادي الفوضى التي قد تنجم عن عزل كلينتون. ولابد هنا من الاشارة الى ان هناك بعض العوامل التي تساعد على عدم اثارة غضب الرأي العام الامريكي تجاه كلينتون فبالاضافة الى ما سبق ذكره من طبيعة التقاليد والعادات الامريكية وارتفاع نسبة التعليم بين الشعب الامريكي فان نجاح كلينتون في سياسته الاقتصادية الداخلية والاحداث الخارجية الاخيرة التي اثارت اعجاب الرأي العام الامريكي بسياسة كلينتون في مواجهة الارهاب الدولي, هذه العوامل لاشك تعمل لصالح كلينتون في كسب رضا الرأي العام الامريكي تجاه شخصيته, وربما كان الهدف الاساس من وراء الضربات الامريكية لكل من السودان وافغانستان هو التغطية على فضيحة كلينتون ـ مونيكا والعمل على ان ينسى الرأي العام الامريكي هذه القضية. باحث مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات