لا ادري اذا كان من حسن حظنا ام سوئه ان كان الدرس الاول الذي تعلمناه على يد من اعتبرناه استاذنا في الصحافة تأكيده لنا على عدة اشياء تمثل مبادئ اساسية يجب ان تكون مرشدا لنا في حياتنا. ولان استاذنا هذا يمثل قمة في البراجماتية فلم نستغرب نصائحه ودروسه والتي كان من بينها انه وان كان الكذب حرام , الا ان هذا الامر يجب ان مر عليه مرور الكرام.. فمن شاء منا أن يكذب فليفعل ذلك ولكن المهم الا يفتضح امر كذبه, اما اذا لم يستطع ووقع المحظور فعليه ان يتحمل المسؤولية. وردت هذه النصيحة ـ غير المخلصة بالطبع ـ على ذهني بمناسبة فضيحة مونيكا جيت والتي اصبحت الحدث الاول في العالم وتوارت معها احداث ضخمة اخرى كثيرة. لقد كذب كلينتون وابدع في فن الكذب, وحسب قول البعض لقد خدع كلينتون العدالة طيلة عشرين عاما, ولكنه وقع في المحظور, وافتضح امر كذبه, وليس بمقدور احد انقاذه الان, ولكنه لم يطبق النصيحة ـ التي قد لا يكون سمع بها ـ فرفض ان يتحمل المسؤولية وآثر ان يستمر حتى النهاية (لحظة كتابة هذه السطور على الأقل) ولسان حاله يقول بانه سيدافع عن منصبه حتى الموت ولان تفاصيل الفضيحة اصبحت ملء السمع والبصر و(جلجلت) في انحاء العالم, فان المزيد من الخوض فيها قد يكون من غير المجدى, ويبقى ان نحاول الوقوف على بعض وليس كل ما يمكن استخلاصه من دروس منها ومن تطوراتها: تعاظم قيمة الديمقراطية في المجتمع الامريكي: هذا هو اول الدروس فهذه احدى القيم الايجابية التي يحياها الامريكيون ـ والغربيون عموما ـ وافرزتها الفضيحة في شكل واضح. لقد عظمت الفضيحة من مصداقية الشعور بالديمقراطية في شكلها الغربي. فلقد وصلت محاكمة الرئيس حداً لا يمكن تصور حدوثه الا في اطار نظام ديمقراطي غربي, وفي الولايات المتحدة بالذات. صحيح ان مساءلة الحاكم احدى اسس النظام الاسلامي الا انها قيمة تكاد ان تكون معطلة في التطبيق الفعلي . وحتى في اطار التمايز في التطبيق الغربي للديمقراطية فان هذه الحالة تقدم نموذجا يعد الافضل هذا اذا غضضنا البصر عن طبيعة الفضيحة ذاتها, وفصلنا قيمة الديمقراطية عن المتغيرات الاخرى ممثلة في الاخلاق, الامانة, العدالة, الصدق وهي قيم تم انتهاكها جميعا, ورغم ادراكنا صعوبة هذا الفصل الا انه ممكن تصوره نظريا. طبيعة النظرة للاباحية الجنسية: لقد أكدت الفضيحة مبدأ أساسي فطر الانسان عليه وأكدت عليه الأديان السماوية الا وهو تحريم مشاعية العلاقات الجنسية. ورغم ان التاريخ البشري عامر بالمراحل التي وصلت فيها الاباحة مستويات عليا, الا ان النظرة العامة تمثلت في التقليل من شأن اصحاب هذه الممارسات, وجاءت فضيحة مونيكا لتؤكد هذه النظرة, فرغم ما يسميه البعض بالفلتان الاخلاقي في المجتمع الامريكي, وهو مجتمع جد غريب في جميع تقاليده, الا ان سلوكيات كلينتون ووجهت بالاستنكار والاستهجان العام. خطورة الغريزة الجنسية في الحياة الانسانية ورغم ان هذه قضية قد تكون في حكم البديهية, الا ان فضيحة مونيكا اكدت عليها بشكل حاسم لا يقبل الجدل, ومن هنا تتأكد حتمية تطبيق المبادئ التي دعت اليها الديانات السماوية, وحتى الفلسفات الانسانية لتهذيب هذه الغريزة. ولا نريد ان نستفيض في هذه النقطة غير اننا نستعير هنا تعبير يبدو مبتذلا لا نحبذ استخدامه ولكنه يأتي في سياقه اختاره الزميل عادل حمودة عنوانا لسلسلة من مقالاته جمعها في كتاب بعد ذلك هو: (حكومات غرف النوم) والمعنى واضح من العنوان. اغراء الكرسي: فرغم الوضع المخزي الذي وصلت اليه الفضيحة ومساسها بكرامة الرئيس كلينتون ووصول التحقيقات بشأنها الى مستوى تفصيلات جنسية بغيضة اعتبرها الامريكيون انفسهم فاضحة, ورغم الثورة العارمة على الرئيس الامريكي والتي وصلت الى حد خروج صحيفة واشنطن تايمز عن وقارها وشنّها اعنف هجوم على كلينتون قائلة اذهب ايها الحقير.. اذهب ولتهلك, رغم كل ذلك فان كلينتون راح يطلب الصفح والغفران, وقد تزايدت مطالبته لهذا الصفح مع تضييق الخناق عليه واعلان تقرير المحقق الامريكي ستار حتى اصبح يطلق على كلينتون الخبير في فن طلب الصفح والمغفرة. وامام هذا الهجوم كله فان كلينتون لم يضعف لحظة ويعلن استعداده للاستقالة. انتهاك قيمة الحياء الانساني: فلطبيعة الفضيحة دخلت كثير من المفردات الجنسية قاموس حياتنا بعد ان كانت من المحرمات. وبعد ان كان الاب او الام يجد حرجاً في الحديث مع ابنائهما في مثل هذه الامور ويحاولان ابعادهما عما يمكن ان يثير طرحه اصبح لا مفر من الاجابة والخوض في جوانب الموضوع التي فرضت نفسها غصبا على الجميع. وبعد ان كانت الصحف التي تندرج في اطار الوقورة تتسم بالجدية وعدم تناول ما يخدش الحياء العام تحول الكثير منها الى ما يشبه منشورات جنسية يتهافت عليها المراهقون وليس القراء العاديين. ومن الملاحظات التي يسهل على المتابع للفضائيات العربية وضعها في الاعتبار انطلاقا من اتساع الحياء العربي ان الصدفة او غيرها ادت الى ان تقرأ اغلب اخبار الفضيحة مذيعات وليس مذيعين دون ان يبدو عليهن او حتى على المشاهد اي مظهر للدهشة. وبعد ان كان الوصف الحيائي لما يماثل علاقات كلينتون انها علاقات غير مشروعة اصبح لفظ علاقة جنسية وما هو أكثر. الحاق الضرر بهيبة منصب الرئيس الامريكي والولايات المتحدة ذاتها: وقد تم فعليا استخدام الفضيحة للتنديد بالسياسات الامريكية, واعتبارها تمثل نموذجا على امكانية التشكيك في مصداقيتها.. فراحت بغداد تؤكد انه اذا كان كلينتون كذب بشأن قضية مونيكا فلماذا لا يكذب بشأن قضايا اخرى ومن بينها ما اعتبرته مزاعم امريكية بشأن قدرتها التسليمية. كما راح السودان يروج لمثل هذا الاتجاه, اما حركة طالبان فقد دعت فيما يمثل نقدا لاذعا للرئيس الامريكي الى رجمه بالحجارة حتى الموت بتهمة الزنا. ويعزز من تأثير الفضيحة على هيبة الرئيس كونها فضيحة لا سابق لها في تاريخ الرئاسة الامريكية من حيث مسرحها وملابساتها كما من حيث طابعها اللااخلاقي والدرك المهين الذي بلغته للرئيس والرئاسة, بل ولسمعة الولايات المتحدة وهيبة زعامتها. وكان من الطبيعي ان يتردده في الاعوام العالمية التأكيد على ان كلينتون لا يملك السلطة الاخلاقية لقيادة القوة الاعظم في العالم. سيطرة قيمة المصلحة الذاتية على القيم العامة: فرغم ما اشرنا اليه من ديمقراطية النظام الامريكي, فانه الى جانب هذه القيمة الايجابية توجد قيم سلبية عدية من بينها مبدأ المصلحة الذاتية. فرغم تهاوى موقف كلينتون في فضيحة مونيكا جيت الا ان استطلاعات الرأي العام كانت تشير الى استمرار تزايد شعبية انطلاقا من كونه نجح في سياساته الاقتصادية وحسب تعبير البعض فان المواطن الامريكي لا يهم سوى جيبه. وهنا فان قيمة الديمقراطية بايجابياتها والفردية بسلبياتها انما تعد جزءا من منظومة متكاملة تقدمها الحضارة الغربية يجب ان يتحدد موقفنا منها انطلاقا من القيم الاساسية التي تحكم حياتنا. تحقق جانب من مفهوم العولمة في اوضح صورة: فالفضيحة كانت على لسان الجميع وتناولتها كافة الصحف العالمية ووسائل الاعلام وكان نشر تقرير ستار على الانترنت تأكيداً لصهر الاهتمام العالمي في قضية واحدة. واذا كانت حرب الخليج تعد شهادة البلاد الاساسية لمحطة الــ (سي. ان. ان) فان فضيحة مونيكا تعد شهادة البلاد الحقيقية لشبكة الانترنت. تهادى الاهتمام بالقيم الاخلاقية: فالضجة المثارة بشأن فضيحة مونيكا ليست على خوض الرئيس الامريكي في علاقة جنسية.. فهذه تهمة رغم استنكارها الا انها ليست هي الاساس, وانما يسائل كلينتون بشأن تهم تضليل العدالة والكذب وتحت القسم والحث على الشهادة الزور. تعاظم مستوى الانفلات الجنسي الذي يحياه الغرب: لا يقلل من ذلك رفض هذا الانفلات فرغم الرفض الا انه يتم ممارسته وقد وصل الانفلات حدا خطيرا حتى في حالة كلينتون وهو ما يشير اليه تأكيد صحيفة امريكية على انه ينبغي على من يقرأ تقرير ستار ان يستعين بمطهر للفم للتخلص من الطعم السيء للفضيحة وان عبرت عن شكلها في ان يتمكن من ذلك. واذا كان هذا هو الوضع على المستوى الرئاسي المفترض نوع من الرقى حتى في هذه الحالة فما بالنا بالانفلات الاخلاقي لدى العامة. ما يدعونا الى التأكيد على ان الحضارة الغربية.. حضارة تدمر نفسها.. وانها حضارة آخذة في الأفول.