لاشك ان الرئيس الامريكي بيل كلينتون يواجه الان أقسى لحظات حياته بعد ان وضعته المتدربة السابقة في البيت الابيض (مونيكا لوينسكي) والمدعى العام المستقل(كينيث ستار)في موقف لا يحسد عليه جعله يقف امام شاشة التلفزيون معترفا بخطيئته على مرأى من ملايين الامريكيين الذين نصبوه منذ امد ليس ببعيد رئيسا لأقوى دولة في العالم ولكن بعد المستجدات الجديدة هل اهتزت صورة كلينتون امام مواطنيه وامام الرأي العام الامريكي بفضل الحملة الاعلامية الشرسة التي يتعرض لها والتي عمدت الى وضعه امام خيارين احلاهما مر العزل او الاستقالة؟ وهل وقف المحقق المستقل (كينيث ستار) موقفه منطلقا من دوافعه الاخلاقية والقانونية في حفظ سيادة القانون وادانة من يكذب تحت القسم امامه مهما علا شأنه, ام انه انطلق من منطلقات حزبية ضيقة مفضلا ان يلعب دور البطولة في مسرحية اللعبة السياسية الامريكية؟ وما هي ردة فعل البيت الابيض تجاه تلطخ جدرانه ببقع سوداء لم يشهدها منذ فضيحة (ووتر جيت) التي اطاحت بالرئيس نيكسون واجبرته على تقديم استقالته؟ والى اي حد وفق الكونجرس في تعامله مع فضيحة مونيكا جيت؟ وما دور اللوبي الصهيوني فيها؟ (الملف السياسي) من خلال لقاءاته ببعض اساتذة العلوم السياسية بجامعة الامارات حاول ايجاد اجابات لأسئلة لا تدور بذهن الامريكان فقط بل وفي اذهان كل من طالتهم ثورة الاتصالات التي نشرت الفضيحة عبر الانترنت لكل العالم لدرجة شهدت زحاما على مواقعها بالشبكة بشكل لم يسبق له مثيل.. فماذا جاء في تحليلاتهم السياسية لهذه القضية؟ د. مريم سلطان لوتاه رئيسة قسم العلوم السياسية بجامعة الامارات قالت: في البداية اتحفظ عن المشاركة برأيي حول مسألة فضيحة الرئيس الامريكي مع مونيكا وذلك لانني لا اريد ان أكون حلقة في سلسلة هذه التفاهة الاعلامية التي للأسف يشغل الرأي العام العالمي والرأي العام العربي بالتبعية ويبعد عن كثير من القضايا اليومية والهامة والمصيرية بالنسبة له, ولكن اود ان اشارك برايي هنا لتصحيح ما قد يعتقد خطأ او يصل الى اذهان البعض من جراء ما رافق هذه الفضيحة من تغطيات اعلامية واول ما اريد ان اوضحه هو الاعتقاد الخاطئ لدى البعض بأن نشر ملفات هذه القضية تأكيد على ما وصلت اليه الديمقراطية الغربية من تطور ونضج ومن مصداقية جعلت الرئيس الامريكي عرضة للمساءلة والتحقيق وتوجيه الاتهام واحتمالات التنمية وذلك امر غير صحيح فبالرغم من تلك التحقيقات وتلك الصراحة الا اننا ينبغي الا نخدع بها وان نضعها في اطارها الصحيح فهي لا تعدو ان تكون لعبة او وسيلة من وسائل الممارسة الديمقراطية الغربية المفرغة من مضمونها الحقيقي للمشاركة السياسية فهي توهم الانسان العادي, ومحدود الدراية بتلك الممارسات إن لا شيء يمكن ان يقف في وجه الممارسات الديمقراطية والبحث عن الحقيقة وانارة الرأي العام واحقاق الحق ومعاقبة المخطئ حتى وان كان الرئيس الأمريكي. غير أن الحقيقة بعيدة عن ذلك تماما فقضية مونيكا وغيرها من القضايا الشبيهة ما هي الا قضايا مرسوم لها ومدبرة بعناية من الجهات ذات النفوذ والمصلحة للضغط على مسؤول بعينه لحمله على تقديم مزيد من التنازلات لهذه الجهة او تلك او لاشعاره بان بقاءه واستمراره رهن بما يقدمه للجهات ذات النفوذ في المجتمع الامريكي وهي لا تختلف تماما عن الدور الذي تقدم به هذه الجهات في (تلميع) وايصال شخصيات بعينها الى سدة الحكم وتسخير ما تمتلكه هذه الجهات من نفوذ مادي واعلامي وقانوني كفيل بان يوصل ذلك الشخص الى المنصب او الموقع الذي يمكنه من خدمة اغراض تلك الجهة. وقد يكون المحقق المستقل ايضا وجملة التحقيقات التي ارتبطت بهذه القضية ما هي الا ادوات لتحقيق اهداف سياسية من بينها: صرف الرأي العام بعيدا عن الكثير من القضايا الحيوية في هذه المرحلة, من ابرزها تعثر قضية المفاوضات العربية الاسرائيلية وتعنت الطرف الاسرائيلي وتخليه عن التزاماته وشغل الرأي العام العربي والعالمي عن الممارسات القهرية الامريكية ضد العديد من الشعوب العربية كالعراق, كما يمكن ان تكون تلك وسيلة لخداع الرأي العام من جديد باللعبة الديمقراطية الغربية وحمله على القناعة والمطالبة بها, كما يمكن ان تكون تلك محاولة لابعاد الرئيس الامريكي عن السلطة باعتبار انه قدم كل ما يمكن تقديمه للعدو الاسرائيلي وان من مصلحة اللوبي الصهيوني الاتيان برئيس جديد الى السلطة يسنده ويحمله على تقديم المزيد من المساندة ومن التنازلات لاسرائيل. واضافت د. مريم لوتاه قائلة: ومما يؤسف له ان الكثير من المحللين السياسيين العرب ينشغلون بمثل تلك القضايا وما يمكن ان تترتب عليها من احتمالات يعتقدون خطأ بانها قد تأتي بتغيير افضل فيما يتعلق بالسياسة الامريكية تجاه القضايا العربية وكأنهم لم يتعلموا شيئاً من الدروس المماثلة (التغييرات على مستوى القيادات السياسية في الولايات المتحدة والدول الغربية) فهي في الغالب تسير باتجاه خدمة مصالحها الخاصة ومصلحة العدو الاسرائيلي ومن الطبيعي الا تأتي المصالح او القضايا العربية من بين جملة اهتمامات تلك القيادات باعتبار ان العرب كأمة (مغلوبة عى امرها) وكقيادات سياسية لم تأخذ حتى الان موقفا حاسما من تلك القيادات الغربية رغم ما يصدر عنها من اضرار بالمصالح العربية ومن تفريط في الحقوق العربية بشكل مستمر. اما د. (عتيق جكة) عضو هيئة التدريس بقسم العلوم السياسية بجامعة الامارات فيعتقد ان القضية المثارة حاليا تعتبر من القضايا الساخنة على الساحتين الدولية والامريكية حيث تتدخل فيها الكثير من المنافسة بين الأقطاب السياسية باعتبار ان (ستار) ينتمي للحزب المنافس لكلينتون, لكن هذا لا ينفي ان الرئيس ارتكب مخالفة للدستور بان كذب وهو تحت القسم واستخدم مقر الحكم في استخدامات سيئة و(غير لائقة) برئيس الدولة العظمى على مستوى العالم, الا ان الموضوع بهذا الحجم يريد اعطاء انطباع للرأي العام العالمي بدرجة الديمقراطية الامريكية وانها محكمة وذات شفافية وتحاسب رئيسها وفق مقتضيات العولمة اي انها محاولة لتلميع النظام السياسي الامريكي ولإعادة الثقة به بعد ان فقد مصداقيته في حل قضايا كثيرة مثل قضية السلام والعراق وشرق اسيا والبوسنة والهرسك, فهي اذن قضية داخلية لها بلاشك انعكاسات دولية جعلت النظام الامريكي في مهب الريح, ففي البيت الابيض حاول المستشارون السياسيون ان يلملموا القضية التي تبنتها وسائل الاعلام لكنها خرجت عن حدود السيطرة واصبحت تخص الرأي العام العالمي وبدأت وزارة الخارجية الامريكية بإعادة الثقة بالسياسة الامريكية في الخارج. واضاف ان ترميم هذا الامر ليس بالشيء السهل خاصة بعد انتشار وسائل الاتصال والانترنت مما جعل دور المستشارين في البيت الابيض دورا دفاعيا فيما بدت محاولاتهم مهزوزة لتبرير اعمال الرئيس ومحاولة تبييض وجهه. وعن حدود توفيق الكونجرس في تعامله مع قضية (مونيكا جيت) قال د. عتيق جكة ان الكونجرس يمارس دوراً عقلانياً في تعامله مع القضية يسوده الرشاد والمنطق ولكن قد يتساءل البعض هل يحتاج هذا الموضوع الى كل هذه الضجة والى انفاق 50 مليون دولار صرفت على التحقيق من جيب دافع الضرائب الامريكي بينما كان من الممكن استغلال المبلغ في قضايا اخرى تهم رفاهية المواطن الامريكي ولكن برغم كل ذلك لم يتسرع الكونجرس في اتخاذ اي قرار بل هو يحاول الان حل القضية (على نار هادئة) لان هناك مؤسسات امريكية تتحكم في صنع القرار وتنظر فقط للمصلحة العامة متجاوزة اي اعتبار شخصي. واشار الى موقف الديمقراطيين قائلا ان 183 عضوا من الحزب الديمقراطي ايدوا وضع تقرير (ستار) على الانترنت مما اسرع بخلاف في الحزب الديمقراطي الحاكم في وجهات النظر لدرجة دفعت اعداداً غير قليلة من عضويته تبدى استياءها من جراء تعامل كلينتون مع الازمة لان الحزب في النهاية يهتم في المقام الاول بناخبيه بينما يتجه الاعلام الامريكي نحو اقالة كلينتون فيما سيعتبر لو حدث ضربة قوية لحزبه الحاكم. وعن شبهة المؤامرة على الرئيس في الفضيحة واثارتها قال د. عتيق جكة انه لا يؤكد شبهة المؤامرة ولا يستبعدها فالشواهد تثبت ان من بين 11 شاهداً في القضية يوجد تسعة يهود ومونيكا نفسها يهودية معروفة, وآخر ما بثته وسائل الاعلام وهو فيلما وثائقياً مدته عشر دقائق يصور كلينتون يدخل المكتب البيضاوي مع امرأة مجهولة بثته شركة فوكس التي يملكها روبرت مردوخ اليهودي استرالي الاصل, وليس من الضروري ان يخطط اليهود للفضيحة لكنهم استغلوها واستثمرت مونيكا كأداة بالذات لان (نتانياهو) رئيس الوزراء الاسرائيلي قال في احدى لقاءاته الصحفية (سوف احرق واشنطن على الادارة الامريكية) وذلك عندما حاول كلينتون الضغط عليه ليكون نصيب السلطة الفلسطينية 13,1% من أراضي فلسطين وما ترتب بعد ذلك من رفض اسرائيل للمبادرة الامريكية وهو بلاشك تهديد مبطن من نتانياهو لا يستبعد ان يكون اللوبي الصهيوني قد استثمر (مونيكا جيت) في تنفيذه. العين ـ مكتب (البيان) :