وسط صخب اعلامي ضخم أثير حول قضية مونيكا جيت لا مفر من قدر من التحليل الهادئ لهذه القضية التي يشتبك فيها السياسي بالقانوني ويختلط فيها الشخصي بالقومي, فالبعد الاخلاقي للنقاشات الدائرة الان خارج الولايات المتحدة وداخلها اكثر اهمية من المناقشات الاجرائية التي لا تهم الا المواطن الامريكي , وخصوصا انها قد تفضي ـ احتمالا ـ الى عزل الرئيس الامريكي, فرغم ان صورة المجتمع الامريكي تبدو من خلال الثقافة التي تصدرها هوليوود صورة مجتمع متفسخ غارق في الملذات بدءا من الكوكاكولا وانتهاء بالشذوذ الجنسي فان الحقيقة تخالف (الصورة) في بعض التفاصيل, فسمات التدين المحافظ في امريكا ترتبط بالنشأة البيوريتانية (التطهيرية) للمجتمع الامريكي. وقد اسس الرواد المهاجرون من انجلترا بنية تقوم على النقاء الديني والحرية واستغل المحافظون سمات التدين المحافظة في تقييد السلوك العام للاشخاص, كما استغلها الليبراليون في ضبط (السلطة العامة) منذ بداية القرن التاسع عشر مع تفجر فضيحة جنسية للرئيس توماس جيفرسون (الرئيس الثالث) واضع الدستور الذي قال عبارته الشهيرة: (انهم يريدون خصيا في البيت الابيض) . الدين والأسرة والشعب الامريكي اكثر محافظة من اسلافه الاوروبيين بوجه عام, فحوالى 95% من الامريكيين يؤمنون بوجود الله, كما ان 82% من الامريكيين يعتبرون انفسهم اشخاصا متدينين مقابل 55% في بريطانيا, 54% في المانيا, و48% في فرنسا. وبعكس ما هو شائع فان الامريكيين والامريكيات يقدسون العائلة عموما, وقد اظهر المسح الوطني للصحة والحياة الاجتماعية (1994) ان نسبة الرجال الذين مارسوا الجنس خارج الزواج 22% بينما انخفضت بين النساء الى 12% وقد شهدت العقود الماضية صحوة دينية ضخمة في الولايات المتحدة الامريكية وبخاصة بين الانجيليين والكاثوليك, ويعد عهد ريجان فترة ذهبية وجدت فيها هذه التيارات الدينية اتجاها رسميا امريكيا تبنى مواقفها الاجتماعية والسياسية على السواء, وقد بدأت هذه التيارات بالسيطرة على التنظيمات الاهلية المحلية وصولا الى الحزبين الديمقراطي والجمهوري ليقوضوا القواعد الجماهيرية للتيارات الإباحية العلمانية في المجتمع الامريكي. ومع امتلاك التيارات الدينية شبكة ضخمة من محطات البث الاذاعي والتلفزيوني والمطبوعات استطاعت اجتذاب عشرات الملايين من الامريكيين في صفوفها, ولهذه الجماعات موقف معاد من بيل كلينتون الليبرالي الذي اتى الى البيت الابيض بأصوات الشواذ جنسيا. بورصة الانحرافات ورغم القوة الجماهيرية الهائلة التي احرزتها هذه التيارات فان معركة رئاسة الجمهورية لم تزل بعيدة المنال بالنسبة لها ولم تستطع ان تنافس النخبة العلمانية التي تحترف العمل السياسي وتعرف اسرار اللعبة الانتخابية, وقد سعت هذه التيارات خلال السنوات القليلة الماضية الى تقويض امبراطورية محترفي العمل السياسي من خلال الدعوة الى عضوية مجلس الكونجرس على دورتين فقط الامر الذي يعنى فتح الباب امام رموز الحركة لخوض معركة الانتخابات في الدوائر التي احتكرها بعض المحترفين لعقود طويلة. ولكون المتنافسين نخبة علمانية متحررة والناخبين جماهير بينها اغلبية دينية فان الفضائح الجنسية تصبح سلاحا خطيرا في مجتمع مفتوح, وقد استخدم الجمهوريون سلاح المحافظة في المعركة الانتخابية التي فاز فيها كلينتون بالرئاسة لفترة ثانية فاطلقوا شعار: (معركة الاخلاق والاستقامة والسلوك ونظافة اليد) . واذا اخذنا المعركة الانتخابية السابقة مثالا وجدنا كماً ضخما من الفضائح الجنسية كان لها اثر كبير في مسار المعركة, فهناك فضيحة ديك موريس المستشار السياسي لكلينتون الذي احتفظ الى جانب زوجته لعشيقة انجب منها طفلة وكانت له صلة دائمة بعاهرة يدفع لها في الساعة الواحدة 200 دولار وكان يعرض عليها مسودات خطابات كلينتون ورغم ان ديك لم يكن رئيس الجمهورية ولم يكذب تحت القسم, ورغم انه كان اهم مستشاري كلينتون على الاطلاق فقد استقال من منصبه. وفي معسكر بوب دول اضطر روجر ستون احد معاوني دول الاستقالة بعد ان كشف النقاب عن عضويته في احد اندية تبادل الزوجات, اما نائب بوب دول, المرشح جاك كيمب فقد قضت عليه فضيحة اتهامه بالشذوذ الجنسي. الرئيس لا يكذب ان هذا الكم من الفضائح الجنسية التي شهدتها حملة رئاسية واحدة يكشف الى اي حد يشعر المتنافسون بان الرأي العام الامريكي يرى في رئيسه نموذجا اخلاقيا وانه وان كان لم يضع حتى الان عقوبات محددة ينص عليها قانون بشأن سلوك الرئيس فانه يفقد الرغبة في تأييده وما غلبته المناقشات الاجرائية على ما ينقل في صحافتنا عن هذه الفضيحة الا انعكاسا لصورة المجتمع الامريكي التي تقدمها هوليوود, ولمسألة الكذب بوجه خاص اهمية عند المواطن الامريكي فقبلا ارسى الرئيس الامريكي جورج واشنطن تقليدان (الرئيس لا يكذب) ويرى البعض ان الامريكيين قد يقبلون ان يكذب الرئيس في تعاملاته مع العالم الخارجي, ولكنهم لا يقبلون ان يكذب على المواطنين, وفي حالة كلينتون فان الامر يتعلق بالقضاء, فكذب الرئيس في هذه الحالة (خطيئة) لانه يعرقل العدالة, وقد افاد استطلاع للرأي نشرته الواشنطن بوست ان 63% من الامريكيين يريدون ان يستقيل كلينتون اذا ثبت انه كاذب. الطريف ان البعض ينظر بعين الحسد الى اهتمام وسائل الاعلام بقضية (الكذب) اكثر من اهتمامهم بقضيته (الجنس) , ويتمنون ان تنتقل هذه العدوى الى واقعنا العربي ولكن الذي يغيب عن هذه النظرة ان المجتمع الامريكي نفسه تتجه قطاعات واسعة منه الى مزيد من التدين والاخلاق المحافظة, وان ظواهر الاباحية والشذوذ واشباهها هي نمط حياة شريحة من المجتمع الامريكي, صحيح انها مازالت اكثر تأثيرا لكن الفترة المقبلة مرشحة لان تشهد مزيدا من الحساسية تجاه الاعتبارات الاخلاقية ويعد آل جور نائب الرئيس وأبرز المرشحين لخلافته نموذجا لهذا فهو محافظ, رب اسرة كبيرة بالمقاييس الامريكية معادى للإباحية والشواذ, مناصر لتقوية الاسرة ودعمها, وهو ما يعني احتمال مجىء مرحلة ثانية من (الريجانية الدينية) ولكن على طريقة الديمقراطيين هذه المرة. باحث مصري