على الرغم من تسارع الخطى ووضوحها في الكشف عن ملابسات علاقة الرئيس(كلينتون)بالمتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي, يتأكد يوم بعد يوم استمرار التأييد الشعبي للرئيس الامريكي, حيث ظلت هذه الشعبية تراوح بين بقائها المرتفع والانخفاض الطفيف الذي لا يقلل من اهميتها , وهو امر يحيل على التساؤل عن الاسباب التي ابقت على وتيرة التأييد الشعبي لكلينتون في ظل تطور هذه الفضيحة الاخلاقية واتخاذه منحا مقززا ومنفرا؟ في حقيقة الامر لا يمكن مجاراة الرأي القائل بان مرد هذا التأييد يرجع الى الانجازات الاقتصادية في عهد الرئيس كلينتون لان مثل هذا الرأي وان كان محقاً فيما يذهب اليه الا انه يغفل اسبابا اخرى وحاسمة في دوام هذه الشعبية منذ بداية تفاعل هذه القضية وهذه الاسباب والعوامل هي بطبيعة الحال لصيقة ومرتبطة باتجاهات المجتمع المريكي وتشكل منظومة القيم لديه التي هي في الاصل امتدادا للدور البارز الذي تلعبه وسائل تكوين وتوجيه الرأي العام. بالنظر الى طبيعة تشكل الرأي العام الامريكي فهو لا ينفك عن تأثره بالمحيط الذي يوجد فيه وينبثق من خلاله والمقصود بذلك وسائل الاعلام التي ظلت منذ اثارة القضايا المرتبطة بالسلوك الاخلاقي للرئيس بيل كلينتون مشدودة للتركيز على قضايا بعيدة عن جوهر الادانة والتجريم للرئيس الامريكي في هذه النازلة. اذ انه منذ الوهلة الاولى لإثارة هذه القضايا انساقت وسائل الاعلام بوعي او بدون وعي في اتجاه تكريس شعبية الرئيس كلينتون. هذه الشعبية التي بقت في نهاية المطاف محصلة طبيعية كما تخبرنا بذلك التجارب السابقة حيال مثل هذه القضايا. فمن المعروف ان تكون الرأي العام الامريكي هو نتيجة لما تقدم به وسائل الاعلام من تقديم ونقل وصياغة وترويج للمعلومات. والظاهر في هذا الاطار ان الكيفية التي تعاملت بها وسائل الاعلام الامريكية مع قضية (مونيكا جيت) , قامت على ترجيح (اسطورة الحرية الفردية) واعلائها على غيرها من القيم الاخلاقية معتبرة بذلك ان الانحراف الذي صدر عن شخص رئيس الدولة يندرج في اطار الحرية الشخصية والسلوك الفردي. وقد عزز من هذا الاتجاه المساندة التي حظي بها الرئيس الامريكي من قبل زوجته باعتبارها المعنية الاولى باتخاذ المبادرة في هذا الشأن. وهو ما ألجم الكثيرين من الصحفيين في التعاطي مع النازلة من منظور الادانة والتجريم. كما ان انسياق وسائل الاعلام وراء اضفاء الطابع السياسي على الملاحقة القضائية عندما ذهبت الى اعتبار ملاحقة المدعي العام المستقل كينيث ستار تخفي وراءها دوافع سياسية وهو ما قلل من اخذها مأخذ الجد من قبل الرأي العام. اضافة الى ذلك فقد ساعدت التكتيكات السياسية والقانونية للرئيس كلينتون الى صرف وسائل الاعلام عن متابعة القضية من خلال سعيه الى تصدير ازمته للخارج عبر ضرب افغانستان والسودان وتصدره لمحاربة الارهاب. او عبر ظهوره بمظهر المهتم بقضايا الاقتصاد الامريكي والعالمي كما برز من خلال زيارته لروسيا وتركيزه على الأزمات الاقتصادية هذا على مستوى التكتيك السياسي اما التكتيك القانوني فقد ظهر جليا من خلال اتباعه لطريقة دفاعية افضت الى تبرئته امام ادعاءات (باولا جونز) وهو ما ادى الى تهيئة الرأي العام لعدم تقبل ادانته. بالنظر الى هذه المعطيات والكيفية التي تعاملت معها وسائل الاعلام الامريكية فمن الطبيعي ان تكون وجهة الرأي العام الامريكية امتدادا طبيعيا لطريقة تعاطي هذه الوسائل خاصة ان ما يتم ترويجه وتقديمه يمثل التأطير العملي في بلد تلقى فيه وسائل الاعلام بنقلها على كل مناحي الحياة وتتداخل فيه مصالح الشركات والمؤسسات الكبرى في تشكيل وسبر الرأي العام الذي يبدو في ظاهره مصاغ صياغة علمية لكنه في جوهره لا ينفك عن تأثر وسائل الاعلام في تشكيله مما يجعله محكوم بأبعاد ونوايا انسانية لا تنفصل عن ذات المشتغلين على بلورته وتكوينه. وهو ما يقود الى التساؤل عن المدى الذي يمكن ان تذهب اليه وسائل الاعلام في استمرار هذه الشعبية؟ تبرز التفاعلات الأولية التي اعقبت نشر تقرير المدعي المستقل كينيث ستار ان كثيرا من الصحف غيّرت من لهجتها في التعاطي مع القضية وذهبت بعضها الى مطالبة كلينتون بالاستقالة والرحيل وهي بداية اذا ما اريد لها ان تستمر لاشك ان وجهة شعبية الرئيس الامريكي ستعرف تحولا صارخا تبدأ مع ما يسميه خبراء الرأي العام (بالتأثير الانجاحي) ومؤداه ان المرشح الذي تعطيه الاستطلاعات الأولية تقدما شعبيا يصبح بمقدوره التقدم على اساس ما يعرف بالتأثير الانجاحي والعكس يحدث في حالة حصوله على نسبة اقل في الاستطلاعات الاولية. ولان التفاعلات التي تلت نشر تقرير ستار اخذت تنحو منحنى مغايرا فان الامر يبدو حاسما في تبلور اتجاه جديد لشعبية كلينتون تبعا لما بدأ يطرأ على لهجة وسائل الاعلام الامريكية من ابتعاد عن الخط الذي كرسته خلال تطور القضية قبل نشر التقرير. واذ ما اخذ في الاعتبار الاحتمالات التي ترجح ضلوع الرئيس الامريكي بقضايا جنسية مع فتيات اخريات احداهن تصغر مونيكا بخمس سنوات, فان ذلك يفتح الباب واسعا على احتمالات اكثر قتامة لمستقبل الرئيس بيل كلينتون وتراجع شعبيته وهو تبدل يبقى رهينا بالمنحى الذي ستسلكه وسائل الاعلام في توجيه الرأي العام عقب التطورات الاخيرة. دون فهم هذه العلاقة الجدلية بين وسائل الاعلام واتجاه الرأي العام في امريكا يبقى اي تفسير اخر بعيدا عن ملامسة جوهر دوام شعبية الرئيس الامريكي في ظل تداعي مسلسل فضائحه الاخلاقية. وهو ما يبقى شعبية الرئيس في يد وسائل صنع هذه الشعبية. كاتب يمني مقيم بالمغرب