عندما يسقط الانسان من مرتفع شاهق يصعب عليه النهوض مرة اخرى. وهذا هو حال كلينتون بالضبط فقد سقط من القمة الى الوحل مباشرة, ولم يتحسّب لمغبّات ذلك السقوط, ولم يتخذ له احتياطاته. وحتى عندما بدأ يتدحرج, فانه ظلّ يكابر ظانا انه يستطيع الثبات والصمود. وهكذا لم يفق الا بعد ان وجد نفسه في قرار سحيق .. وهنا فقط واتته الحكمة والشجاعة ليعترف. ولو اعترف قبلا, اي عندما بدأ مشوار السقوط, لربما افاده الاعتراف والاعتذار, اما هذه الحكمة المتأخرة, او ما يسميه العرب بــ (الرأي الدّبري) فانه لا يفيد شيئا, بل قد يصبح مدعاة للسخرية والتبكيت. فعندماعجز خطيب شهير من خطباء التراث العربي, عن مواصلة خطبته على المنبر, لأن افكاره ندّت عنه, نزل عن المنبر وهو يقول: (فإلاّ اكن فيكم خطيبا فإنني, بسيفي اذا جدّ الوغى لخطيب!) .. فقالوا له: هذا والله هو الرأي الدبري) , فلو قلتها على المنبر لكنت اخطب العرب! وهكذا فلو اعترف كلينتون حينها واعتذر, لربما تفادى جلّ العقابيل التي يعاني منها الان, وهي عقابيل الاهانة التفصيلية, والتهديد بالطرد من المنصب. فضيحة عصر الانترنت والاهانة التي طوق بها كلينتون لم تحدث من قبل في تاريخ الانسانية قاطبة, والسبب انها قد حدثت في عصر الانترنت, الذي تكفل ببث تفاصيلها كلها للعالم أجمع فقد كان الاعلام من قبل, حتى ذلك النوع المولج او المتخصص بنقل الفضائح, يكتفي بنقل الخطوط العريضة للحدث, ونماذج من تفاصيله. اما فضيحة كلينتون فقد تم بثها بكل تفاصيلها المقززة الى العالم, عبر شبكة المعلومات العالمية, فكانت اشبه بزلزال عارم روع الناس بانفجاراته المتواصلة الدوى. وربما غرّ كلينتون ان سوزان ماكدوجال, شريكته في قضية (وايت ووتر) , قد صمدت وضحّت, ورفضت ان تدلى باي اعترافات بشأنه وفضّلت ان يزجّ بها في السجن, عن ان تورّط الرئيس في قضية الفساد العقاري التي عيّن (كينيث ستار) اصلا لكي يحقق فيها. ولكن مونيكا كانت شخصا من طابع اخر, فهي غريرة السن, ومهتزة الشخصية, وثرثارة.. صمدت قليلا, ثم انهارت بإزاء تهديد السجن, وقبلت بالعفو الذي قدمه لها (ستار) مقابل ان تبوح بكل شيء, فباحت بسلسلة اعترافات وقصص كانت اكثر مما يطلب ستار, فسارع عقب ذلك, الى اغلاق التحقيق الذي كان يتباطأ ويتعثر فيه, منذ ان بدأه في 1994/8/5. واصبحت تفاصيل تلك الاعترافات مادة لرواية من اغرب الروايات واكثرها اثارة, وهي بالتأكيد الرواية الاولى من حيث عدد المطالعين في هذه الايام, وهي بالتأكيد الرواية التي ستخلد كلينتون في التاريخ, اذ ان التاريخ لا يخلّد الناس الا بأغرب افعالهم المتميزة. وهكذا خلد نكسون بفضيحة (ووترجيت) , ولم يخلد بانهائه لحرب فيتنام, التي انهت حياة ثلاثة ملايين انسان, ولا بفتحه للصين التي ظل بابها مغلقا على امريكا منذ 1949.. وفيما فضيحة مونيكا, فقد كان كلينتون خليقا بان يخلد بانجازات كثيرة متميزة, ولكن طغت عليها جميعا فضيحة عصر الانترنت! التوبة النصوحة ورغم ان كلينتون كان يدرك خطورة المنزلق الذي انحدر اليه, الا انه كان يماطل ويسوّف في امر الاعتذار املا ان تنقشع الكارثة من تلقاء نفسها, ولذلك افتعل أسفاره الطويلة الى افريقيا, الصين, روسيا, وايرلندا. ولكن كلما كان يحضر كان يجد سؤال الصحفيين جاهزا عن مونيكا لا عن رحلاته الطويلة, وحتى عندما قصف افغانستان والسودان, فان الاعلام لم ينشغل بذلك عن مونيكا الا لبضعة ايام, واخيرا تقدم كلينتون باعتذار ليس فيه اعتذار اشمأز منه الشعب لانه جاء في لهجة متعالية جافية, وعندما لوحق حتى يعطى اعتذارا حقيقيا, اعطى اعتذارا ضعيفا جدا ساقه في لهجة عبث ومرح وضحك حيث قال انه قد اصبح اخيرا (خبيرا في طلب الغفران) , وذلك مع انه لم يعتذر ولم يطلب الغفران قط من قبل! وعندما اشتد ضغط الشعب في طلب الاعتذار اضطر الرئيس للرضوخ, ولكنه اعتذر وهو خارج الحدود, في روسيا وايرلندا, ثم اضطر الى تقديم اعتذار اكبر عندما ازداد عليه الضغط بتسليم (ستار) لتقريره الرهيب للكونجرس, وعندها جمع رجال الدين, وقدم الاعتراف المهين, المشفوع بالتوبة النصوحة, وبالتعهد بعدم الرجوع لفعل الفاحشة من جديد, وكان قبل ذلك قد استقبل القس والسياسي جيسي جاكسون ليقدم له وعظا ومعالجة دينية خاصة (ويومها سخر احد الكوميديين قائلا: ان كلينتون عندما رأي جاكسون داخلا عليه, تجهم وجهه وسأله قائلا: من الذي دعاك؟!, انا استدعيت (جانيت جاكسون) لا (جيسي جاكسون) فارجع.. هذا مجرد خطأ في الاسم فقط) .. ومثل تلك السخريات التي لا حد لها, مرفقة بالتغطيات الاعلامية الجادة والعدائية الطابع للرئيس اضطرته لمزيد من الانحناء والاستسلام وطلب الغفران. وقد ذكر يعض وزرائه انه بكى بحرقة وذلة عندما اجتمع بهم ليعتذر اليهم عن تضليله اياهم وتوريطهم في الكذب دفاعا عنه, وقد خرج وزراؤه من الاجتماع محبطين لا يستطيع الواحد منهم ان يتحدث للصحفيين بأكثر من كلمات قلائل, ملؤها التشاؤم والحزن, وكانوا في غالبهم مغلوبين على امرهم, ولم يجرؤ على مواجهته وتوبيخه في الاجتماع, الا وزيرة الصحة, ذات الاصل العربي, دانا شلالا.. وفي الحقيقة فان كلينتون لم يورط هؤلاء وحدهم في الكذب دفاعا عنه, وانما ورط زوجته كذلك, وورط عددا من رجال الكونجرس عن الحزب الديمقراطي, وهؤلاء غضبوا عليه غضبا مضاعفا وربما يتجهون الى اتخاذ مواقف ليست في صالحه عند التصويت, وقد ورط ايضا توني بلير, وان كان بلير لا يحتاج الى توريط, فهو حليف وثيق, يعضد مواقف امريكا بالحق وبالباطل, ويغضب لغضبها من غير ان يسألها عن سبب الغضب! لم يقبل اكثر الناس هذا الاعتذار, وفي احد استطلاعات الرأي العام, افاد 55% من المستطلعين بانهم يعتقدون بان الرئيس غير صادق في اعتذاره, وانه لم يبؤ بإثمه حقيقة, وانه لا ينوي ان يتوب توبة نصوحة كما ذكر, وقام بات روبرتسون, زعيم اليمين الديني المرموق, يشجب الرئيس ورفض قبول توبته, وزاد الطين بلة ان الرئيس ومحاميه أخذا يعاظلان ويتلاعبان بشكليات القانون والمنطق, وذلك في الرد الذي اصدراه على تقرير ستار. ذاكرين بان الرئيس عندما اوحى لسكرتيرته (ديدي كيري) بان تكذب لم يكن يعوّق سير العدالة, لانها لم تستدع الى الشهادة في ذلك الحين, وذاكرين بان الرئيس عندما نفى بانه مارس الفاحشة مع مونيكا, اثناء شهادته في قضية بولا جونز, لم يحنث بقسمه لان من الطبيعي لكل من مارس الفاحشة ان يكذب ويخفى جريمته عن الناس, بل ذكرا ان ما مارسه كلينتون مع مونيكا لا يدخل في تعريف القانون للممارسة الجنسية. بدت تلك التحليلات المتناقضة, متنافية مع زعم الرئيس بانه قد قدم توبته النصوحة, كما تنافت مع القسم الرئاسي الذي اداه باحترام القانون, وقسّرت على انها مجرد محاولة لتقوية موقفه, وكسب تعاطف الناس معه ضد الكونجرس, وهكذا لم يكسب كلينتون كثيرا من اعتذاره ومن توبته. في مواجهة الكونجرس ولكن لا يعنى ذلك ان كلينتون سيواجه الكونجرس وهو مكشوف الجانب, فشعبيته لازالت عالية, بل انها زادت قليلا عقب تقديم تقرير ستار, فبعد 48 ساعة من نشر التقرير في الانترنت ابدى 67% من الشعب موافقتهم على الاداء السياسي لكلينتون مقابل 30% من المعارضين, وفي تجانس مع النتيجة السابقة ابدى 66% اعتراضهم على اقالة كلينتون مقابل 31 من الموافقين, ولكن موافقة الناس على استمراره في الحكم لا تعنى عدم ادانتهم لاخطائه, حيث طالب 60% بأن يقوم الكونجرس بنظر الموضوع واصدار عقوبة مناسبة على كلينتون, تكون اقل من عقوبة العزل من الحكم. هذا هو الموقف الشعبي, وهو موقف مؤثر بالقطع على الكونجرس, رغم ان دعاة القانون يحاولون ان يستخفوا به, قائلين ان الامر برمته اصبح في يد صنّاع القانون, الذين يعطيهم الدستور حق عزل الرئيس. وقد ذكر الدستور الامريكي موضوع العزل في ستة مواضع حيث حدد اتهامات مثل الخيانة والرشوة والجرائم الكبرى كمبررات لكي ينظر الكونجرس في موضوع عزل الرئيس او نائبه او كبار القضاة والموظفين, وهنالك مرحلتان في موضوع العزل. المرحلة الاولى هي مرحلة اتهام الرئيس بواسطة عضو في الكونجرس, ثم تكوين لجنة برلمانية للتحقيق في الاتهام ثم عرض الموضوع للتصويت حيث لا يحتاج العزل الا الى الاغلبية البسيطة. وفي المرحلة الثانية يقدم الموضوع الى مجلس الشيوخ, ويتطلب الدستور ان يؤدي اعضاء المجلس (يمين القسم) من جديد, وان يرأس جلسة العزل رئيس المحكمة العليا, ويحتاج قرار العزل هنا الى ثلثي الاصوات, ويكتفي مجلس الشيوخ بإصدار قرار عزل الرئيس من غير ان يفرض عليه اي عقوبة اضافية, حيث يترك الامر للقضاء, فيمكن ان يحاكم الرئيس كأي مواطن عادي, ما لم يظفر بعفو رئاسي يصدره نائب الرئيس بعد ان يحل محله, كما حدث لنكسون عندما سابق قرار الإقالة واستقال. وتاريخيا قدم رئيسان اثنان للعزل تمت الاجراءات بشأن الاول وهو اندرو جاكسون في 1868, حيث اتهمه بعض غلاة ومتطرفي الحزب الجمهوري بانه خالف الدستور, عندما اقال وزير دفاعه قبل ان يقوم الكونجرس بالموافقة على تعيين خلف له, وقد سقط قرار عزله في مجلس الشيوخ, اذ صوت الى جانبه 35 عضوا, في مقابل 19 عضوا ضده, اي بفارق صوت واحد. والغريب ان ذلك الصوت كان صوت اديموند روس, وقد كان احد متطرفي اليمين في الحزب الجمهوري. واما نكسون فقد قامت لجنة الشؤون القضائية بالكونجرس بتحديد ثلاث تهم لمحاكمته هي: المساهمة في مؤامرة اجرامية لتعويق العدالة, الاخلال بالقسم الرئاسي الذي أدّاه وتعهد فيه بعدم اساءة استخدام سلطته, عدم الامتثال لأمر اللجنة التي استدعته قضائيا. وكما هو معروف فقد اختار نكسون خير الشرين, واتخذ قرار الاستقالة قبل ان يقال, وقد كان من الممكن ان يستمر الكونجرس في اجراءات اقالته, حتى بعد استقال, ولكنه طوى اوراق القضية ليتفرغ لقضايا اخرى. واذا ما واصل كلينتون عناده, وقرر منازلة الكونجرس فربما نال مصيرا شبيها بمصير سلفه اندرو جاكسون, اي النجاة بأغلبية ضئيلة, وربما انقذته اصوات بعض الحاديين على استقرار الحكم, واستمرار انجازات كلينتون او اولئك المتماشين مع اتجاهات الرأي العام التي لاتزال تساند الرئيس, او اولئك الخائفين من قدوم آل جور الى منصة الحكم, وهؤلاء لابد ان يكونوا من غلاة اليمينيين, فيساندوا كلينتون مثلما ساند اديموند روس, الرئيس اندرو جاكسون! ولكن الاحتمال الاكثر ورودا هو ان يتقدم كلينتون باستقالته, لان المدخل السابق غير مضمون النتائج.. لاسيما ان حيثيات ادانته, كما بدت في تقرير ستار, هي حيثيات غامرة, وقد بدت تفاصيل الفضيحة الاخلاقية رغم بشاعتها, وكأنها اضعف حلقات ادلة الادانة اذ تضافرت ضد كلينتون 11تهمة كل منها شر من الاخرى, نصفها يتعلق بالحنث باليمين مثل كذبه في شهادته في قضية بولا جونز, وكذبه على المدعى العام المستقل, وكذبه على وزرائه ومستشاريه وعلى الشعب والكونجرس, وتحريضه لمونيكا على كتابة شهادة كاذبة, وطلبه من سكرتيرته ان تدلى بمعلومات خاطئة, ومطلبه من بعض الشهود الآخرين ان يكذبوا, واعطائه هدايا لمونيكا (اعتبرت بمثابة رشوة) , وغير ذلك من الحيثيات المهلكة.. وفي رأي بعض القانونيين فان اي كذب يعتبر حنثا باليمين, واي حنث باليمين هو تعويق للعدالة. وهذا فيما يبدو هو الرأي المعتدل والذي سيسود في النهاية ومن طرف مساندي كلينتون يأتي رأي اخر يقول بان المعيار يتمثل في الموضوع الذي كذب فيه الرئيس ومساعدوه هل هو موضوع سياسي ام جنسي, فان كان سياسيا, فهو موضوع خطير, وان كان جنسيا فهو امر سهل يمكن التجاوز عنه, بعد معاقبة الرئيس معاقبة بسيطة بدل عزله نهائيا ويقترح بعض هؤلاء ان يقوم الكونجرس باخراج الرئيس من الرئاسة لعدة اسابيع, يتولى الامر فيها آل جور, ويخضع فيها كلينتون لعلاج نفسي, من ازمة منتصف العمر, التي تدفع ببعض المرضى, نحو الانحراف الجنسي. واما المتطرفون من خصوم كلينتون فإنهم يقدمون اضافات تفسيرية لتقرير ستار فيقولون ان كلينتون هو القائد الاعلى للقوات المسلحة, وفي القوات المسلحة يمنع الزنا (التعريف الامريكي للزنا يتطابق مع الخيانة الزوجية, ولا يشمل الممارسات الجنسية لغير المتزوجين!) , وقد فصلت القوات المسلحة في الفترة الاخيرة عددا من الضباط بتهمة الزنا, واذن فيجب فصل كلينتون بهذا المقتضى.. ولا يعدم هؤلاء في تخرصات عدة, اذ يطالب بعضهم بالتحقيق في موضوع (السيكار) الذي استخدم في العملية مع مونيكا, وهل هو (سيكار) كوبي ام لا؟ فان كان سيكارا كوبيا فهي مخالفة اخرى لقوانين المقاطعة الاقتصادية لكوبا! .. وهكذا تتكاثر حيثيات ادانة كلينتون, بحيث تقوده في النهاية الى طريق واحد, افضل من غيره, هو طريق الاستقالة قبل الإقالة.. استاذ بجامعة اكسفورد ـ المسيسبي