استبعد الدكتور سامي جاد الله المحامي الامريكي من اصل عربي عزل الرئيس كلينتون بسبب فضيحة مونيكا لوينسكي, معتبرا الفضيحة اخلاقية وليست سياسية، كما استبعد في حوار مع الملف السياسي وجود مؤامرة صهيونية وراء تفجير الفضيحة, لكنه اكد ان اللوبي الصهيوني استغلها الى ابعد الحدود لتعطيل سلام الشرق الاوسط . والدكتور جاد الله فلسطيني الاصل يشرف حاليا على المؤسسة الدولية لحماية البيئة في المغرب, ويعد من الخبراء في العلاقات العربية ـ الامريكية. وفيما يلي نص الحديث: يكاد المتابع للمشهد الامريكي لا يرى سوى فضيحة الرئيس كلينتون الجنسية. هل يعني هذا اننا امام (ووترجيت) اخرى؟ نعم, الولايات المتحدة في حالة ارتباك, ولأنها القوة الوحيدة المهيمنة الآن, تبدو قضية (مونيكا لوينسكي) من الضخامة بمكان, رغم كونها قضية اخلاقية وليست سياسية مثل تلك التي واجهها من قبل الرئيس الامريكي الراحل نيكسون والتي قصد منها عرقلة العدالة وتقويض الديمقراطية. الا انها تمثل خطأ كبيراً, سواء في مخالفتها لتقاليد الرئاسة والخروج على ضوابطها الضرورية في السلوك العام, او في وقوع الرئيس كلينتون في تناقض صارخ, مناقضا بذلك اقواله في حماية المرأة الامريكية من التحرش الجنسي في الادارات الحكومية. واذا كان ثمة وجه سياسي للقضية فانه يتمثل في استغلالها من الخصوم السياسيين المتربصين دائما لاصطياد أخطاء من هذا العيار. ذلك ان قواعد اللعبة في امريكا ليس عدم الخطأ, السياسي او الاخلاقي, ولكن ان تخطئ ثم تكون ذكيا بما يكفي لتغطية الخطيئة. فالرئيس روزفلت توفي بين احضان عشيقته لوسي راذرفورد وهو في قمة شعبيته, وكان كيندى عشيقا لمارلين مونرو وعشرات غيرها. لقد تلقف اليمين الامريكي هذه الفضيحة ليجعل منها المطرقة التي يدمر بواسطتها الديمقراطيين قبل ادارة كلينتون, فكينيث ستار, المحقق المستقل, يمثل التطرف اليميني في تصرفه وتصميمه على معاقبة الرئيس الامريكي, وهو يستخدم حرفية القانون واية ثغرة لينال منه, على عكس القاضية الفيدرالية التي رفضت الدعوى التي رفعتها بولا جونز ضد الرئيس وهي الدعوى التي, كما نعرف, مولتها جهات يمينية متطرفة. لقد جرى مداد كثير حول وجود اصابع صهيونية وراء هذه القضية. ما مدى مصداقية ذلك؟ لنتفق اولا على ان كلينتون قد أخطأ خطأ جسيما باعترافه هو, وانه ارتكب خطيئته دون ان ينظر الى ابعادها, فليس من المنطقي الادعاء بان اللوبي الصهيوني هو الذي هيج غرائز الرئيس ودفع به الى احضان المتدربة السابقة في البيت الابيض, ففي سلوك كلينتون نقطة ضعف معروفة هي هوسه بالجنس, ومن الطبيعي ان يستغل اللوبي واتباعه هذه الثغرة وغيرها لتحقيق اهدافه التي لا تكترث بالمصالح الامريكية بقدر ما يهمها مصلحة اسرائيل, هذا على الرغم من ان كلينتون يعد أكثر الرؤساء الامريكيين انحيازاً لاسرائيل. لقد سمعنا السناتور جوزيف ليبرمان زعيم اللوبي الصهيوني في الكونجرس ينادي بالتعجيل باختيار نائب الرئيس آل جور خلفا لكلينتون, وقد دعا كتاب الاعمدة في الصحف الامريكية وهم في غالبيتهم من اليهود الى ارغام كلينتون على دفع الثمن غاليا, اي ان يستقيل او يرغم على الاستقالة, وما يزيد في شكوك البعض بوجود مؤامرة صهيونية ان المرأة سبب الفضيحة يهودية, غير ان هذا لا يكفي للقول بوجود مؤامرة صهيونية, وانما باستثمار صهيوني للفضيحة الى أبعد الحدود, خصوصا وانها ترافقت مع توجهات بتحريك عملية السلام المجمدة وامكانية حدوث انفراج في العلاقة مع ايران. من هنا, اعتقد ان اللوبي استهدف باستغلاله الفضيحة شل قدرة الرئيس وابقائه عاجزا عن وقف الممارسات الاسرائيلية في الاراضي العربية المحتلة, والمؤكد ان هذه الفضيحة قد اضعفت كلينتون وقدمت خدمة كبيرة لنتانياهو, حيث جعلته بمنأى عن أي ضغط محتمل من الادارة الامريكية. ولكن هناك من يربط بين تاريخ تفجر الفضيحة واللقاء الذي كان مضروبا بين كلينتون وكل من الرئيس عرفات ونتانياهو.. لست من مؤيدي نظرية المؤامرة, ولكن الامر لم يخل من مفارقة حقا, فالنتيجة المستخلصة من كل ذلك هو اجهاض سلام الشرق الاوسط وابقاء الفلسطينيين محرومين من ابسط حقوقهم, وهو ما يسعى اليه اللوبي الصهيوني. فالواضح الآن, ان القضية الاخلاقية قد انحسرت في اذهاننا لتحتل محلها الاعتبارات السياسية, وايا كانت النتائج التي ستسفر عنها, فان الخاسر الاكبر, كما يرى المحللون هو الفلسطينيون والقضية الفلسطينية نتيجة الضعف الذي اعترى الادارة الامريكية, والرئيس الامريكي بشكل خاص والذي هو اليوم اقل قدرة على ممارسة ضغط على اسرائيل للانسحاب من نسبة 13 في المائة التي اقترحتها امريكا. اذا بقينا في سياق الفضيحة, باعتبارها مجرد فضيحة اخلاقية, كيف ترى انعكاساتها على مستقبل كلينتون؟ من الواضح, ان شعبية كلينتون بقيت في تصاعد على رغم كل هذه الملابسات, وهناك استطلاعات للرأي انتم تتابعونها تضعه في حصن حصين امام غلاة الداعين الى اسقاطه, غير ان ذلك لن يمنع من حدوث مفاجآت بما في ذلك مغادرة الرئيس البيت الأبيض, وان كان يبقى احتمالاً بعيداً نظراً لعدم وجود اتفاق بين مجلسي النواب والشيوخ على توصية محددة تجاه تقرير ستار, بل حتى الاحتمال المطروح وهو ان يتخذ الكونجرس قرارا غير ملزم بتوبيخ الرئيس موضع جدل, حيث مازال الكثير من اعضاء الكونجرس ينظرون الى الفضيحة باعتبارها مجرد حماقة لا تعني احداً, اذا اخذنا في الاعتبار ان لكل عضو وحاكم ولاية فضيحة من هذا النوع. كما ان هناك من يضع مسافة بين الرئيس وبين حياته الخاصة, ومن يحرص على ان لا تستباح حرمة الرئاسة كرمز للقوة الامريكية. وبصرف النظر عن الانعكاسات المحتملة على مستقبل الرئيس, فان قضية مونيكا لوينسكي قد تسببت في الاضرار به شخصياً, حيث احرجته وشغلته عن واجباته الاساسية, واضعفت وشغلت الكثير من الجهات المنوط بها اداء ومهام حيوية, وفي كل الاحوال, احدثت الطريقة التي اتبعها ستار في تحقيقاته سابقة خطيرة ستؤثر على وضع الرؤساء المقبلين الذين سيواجهون نفس الكابوس الذي يواجهه كلينتون حاليا. هذا فضلا عن انفلات الاعلام وانقسام الكونجرس وغياب موقف حاسم تجاه الحدود والقيم. المغرب ـ (البيان) :