منذ بداية فضيحة (مونيكا جيت) تتردد نغمة واحدة وهي الهجوم على كلينتون والمطالبة بإسقاطه وهي النغمة التي تتشابه الى حد ما مع التي طالبت بإسقاط الرئيس الامريكي الأسبق ريتشارد نيكسون رغم الاختلاف بين الفضيحتين فما حدث مع نيكسون كان جريمة قانونية حيث اتهم بالتجسس على معارضيه مما استوجب تقديم استقالته , اما ما حدث مع كلينتون فهي جريمة اخلاقية وليست جريمة بالمعنى القانوني حتى مع اثارة الخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حيث دعا مؤيدوا الحزب الجمهوري كلينتون الى تقديم استقالته والتنازل عن السلطة الى نائبه آل جور في حين يرى آخرون ان الابقاء عليه حتى انتهاء مدة رئاسته ذليلا كسيرا سيقضى على سمعة الحزب الديمقراطي في الانتخابات المقبلة, وهو ما دعى بعض اعضاء الحزب الديمقراطي بالمطالبة ايضا بالتنازل عن الرئاسة لآل جور بينما دافع البعض الاخر بشدة عن كلينتون وطالبوا بضرورة غلق ملف القضية, واكدوا دعمهم الكامل للرئيس خاصة بعد ان اعرب اسفه واعتبار علاقته مع مونيكا خطأ فادحا يتحمل هو مسؤوليته ونظرا لان امريكا هي الدولة الكبرى في العالم فان ما يحدث بالداخل يؤثر بشكل ما على السياسة العالمية خاصة في منطقتنا العربية, والدليل على ذلك ما حدث مع ياسر عرفات حين وعده كلينتون عبر دينيس روس بالضغط على اسرائيل لتنفيذ مراحل الانسحاب حسب اتفاق اوسلو, وحين وصل عرفات الى واشنطن ليتعامل مع هذا الوعد عن قرب وجد الرئيس الامريكي غارقا في فضائحه, ومنذ تفجر الفضيحة والرئيس الامريكي يحاول تجميل صورته التي تأخذ ذرف الدموع احيانا, ومحاولة الاقتراب من صفوف شعبه احيان اخرى, وامام هذه الصورة يقفز السؤال: ما هو تأثير ما يحدث على الوضع في منطقتنا العربية؟.. وهل تتحكم مثل هذه القضايا في التوجهات الامريكية تجاه الخارج بشكل عام.. وتجاه منطقتنا بشكل خاص؟.. عادة تتجه التحليلات كثيرا الى تأثير هذه الفضائح على القرار السياسي, ولكن ذلك امرا ليس دقيقا كما يرى حلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية لان النظام الامريكي كما يقول يقوم على المصالح ونحن نبالغ في اهمية طبيعة تفكير ومزاج الرئيس الامريكي فهو جزء من مؤسسة كبيرة تعمل بشكل مؤسسي ونظام اللوبي الامريكي مؤسسي ايضا ولذا نجد ان انواع الرؤساء غير معبر عن السياسات الثابتة لامريكا تجاه الشرق الاوسط او تجاه العالم الثالث وهؤلاء الرؤساء لا يعبرون عن شىء بذاتهم بل تدفعهم السياسة مثل الرئيس كارتر الذي كان يعمل بالتجارة وريجان كان نجم درجة ثالثة بالسينما ورغم ذلك فقد بدأ في عهده انهيار الاتحاد السوفييتي وذلك لا يعني عبقريته, وكذلك الرئيس جورج بوش الذي اعلن العولمة والنظام العالمي الجديد وكان رجل مخابرات اسقطه الرأي العام, ولذلك كما يرى حلمي شعراوي فان قراراً مثل ضرب السودان او افغانستان ليس قرار كلينتون ولكنه قرار الكونجرس الامريكي الذي يشكل اغلبيته الجمهوريون المعادون لكلينتون فكيف يوافقون على تجميل صورة كلينتون وهم الذين يطالبون باستقالته ولكن هذا يعني ان هناك مصالح للنظام الامريكي نفسه وهم يرون انها فرصة لضرب هذه البلاد ولعلهم تخيروا هذا التوقيت ليؤثروا اكثر على شعبية كلينتون ومعروف ايضا عن الجمهوريين عدوانيتهم وكما يقول حلمي شعراوي انا لا اربط بين ما حدث من فضيحة جنسية وبين ضرب كل من السودان او افغانستان, ومن الواضح ان هناك أنواعاً من اللوبي الامريكي المختلفة تتدخل لتحريك هذه الأزمة بعضه نعرفه وبعضه لا نعرفه لكن هذا الضغط جزء كبير منه لحماية اسرائيل والمعروف ان اسرائيل تخدم على اكثر من لوبي في امريكا ليس فقط اللوبي اليهودي, واسرائيل هي نفسها امريكا خارج امريكا, بمعنى انها تتحالف والمصالح الامريكية ومحاصرة منطقة الشرق الاوسط ومحاصرة اوروبا نفسها وليس العرب فقط والسياسة الامريكية مطلقة تعمل على تنفيذ اشكال استيطان اسرائيل في المنطقة. اما عن تأثير فضيحة مونيكا على استقرار الرئيس الامريكي على كرسي الرئاسة فيقول شعراوي ان هذا يعد اجراء يدخل في النظام المؤسسي يمكن ان تصل الى اقصاها طالما انها بدأت وتدخل الرأي العام كذلك سواء ضد او مع قد يؤثر على تلك الاجراءات. صراع حزبي اما د. هيثم الكيلاني المستشار بالجامعة العربية فيرى ان جوهر الصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة هو ذلك التنافس بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري, ومن طبيعة المجتمع الامريكي ان يسلك مسلك الفضائح دون النظر الى اي اعتبار, فمن اجل انتصار هذا الحزب او ذاك ترتكب مجموعة من الأخلاقيات التي تساعد على ازاحة ذلك الحزب او اسقاط رئيسه من رئاسة الدولة, وهناك مجموعة من الأخلاقيات التي تستخدم في هذه المعركة الدائمة بين الحزبين من اجل اسقاط الحزب ورئيسه الحاكم, والقيمة الاولى هنا تعطي لما يسمى الكذب, ومن قبل دارت اسس الصراع ضد الرئيس الاسبق نيكسون على هذا المحور باعتباره انه لم يقل الحقيقة حينما طلب اليه قولها, ويضيف د. الكيلاني ان ما يتعلق بالرئيس الديمقراطي كلينتون هو مواجهة موضوع اخر واخلاقيات اخرى وعلاقات جنسية من خلال منصبه, وهذه النقطة ليست ذات قيمة كبرى لدى الرأي العام الامريكي بقدر ان الصدق او الكذب هو الذي يأخذ القيمة الكبرى عند الرأي العام الامريكي, ونجد ان الاستفتاءات الاخيرة تدل على ادانة الرئيس الامريكي من حيث انه قام بعمل جنسي فاضح لكن الاكثر يؤيدون سياساته, اي ان ثمة فصل ما بين الاخلاقيات الجنسية وأدائه لسياسات الدولة, وعلى هذا فان الفضائح الجنسية التي ترتكب من قبل هذا الرئيس الامريكي قد لا تكون هي السبب في اسقاطه من الحكم وان كانت سببا ثانويا لكنها لا تعادل السبب الذي يتم به اسقاطه وهو اتهامه بالكذب. وعن تأثير تلك الفضيحة على منطقة الشرق الاوسط فيقول د. الكيلاني اننا نتوهم هذا التأثير باعتبار ان اخلاقياتنا تختلف عن اخلاقيات المجتمع الامريكي ولا اعتقد ان هذه الفضائح تؤثر على سياسات الرئيس الخارجية طالما انه لايزال ينال الدعم من قبل الرأي العام الامريكي الذي يؤيده, وان كان هناك ضغوط تتمثل في الجماعة اليهودية وان كنت لا اظن انها ستصب في اتجاه اسقاط كلينتون طالما انه يساير اسرائيل في تعسفها والتي تدمر السلام, ولكن اذا بلغ الامر بحكومة نتانياهو ومراكز الضغط اليهودية في الولايات المتحدة ومؤيدي اسرائيل في الكونجرس الى ضرورة ازاحة كلينتون من منصبه حتى تسقط معه التزامات الولايات المتحدة بشأن اقامة السلام في الشرق حينئذ يكون اسقاط كلينتون قد قرب طالما تجمعت عليه هذه العداوات ولكن في تصوري لم تبلغ الامور الى هذا الحد بعد. الفضائح لا تكفي وفي رأي الكاتب الصحفي محمد عودة ان كيندي وكلينتون اكثر الرؤساء الامريكان تعرضا لفضائح جنسية ولكن لم تصل الفضائح بكيندي الى هذا الحد, ولا اعتقد ان هذه الفضائح يمكن ان تسقط رئيسا فقد ظهر منذ عشر سنوات كتاب عن فضائح اعضاء الكونجرس ورغم ذلك اجريت انتخابات ونجح اصحاب الفضائح, ونرى ان الرأي العام الامريكي يزداد تمسكا بكلينتون وليس صحيحاً كما يرى عودة ان هذه الفضائح لها تأثير على السياسة الامريكية الخارجية ولا يعني ضرب السودان وافغانستان ان هذه الضربة نتيجة لهذه الفضائح وان كان لا يعني ايضا انه يضرب معقل الارهاب فهل تأكد من وجود ارهاب؟ وان بن لادن وراء ضرب السفارتين؟.. هذا الكلام حسب المقاييس الدولية يعتبر فضيحة سياسية, وليس صحيحا ايضا ما يصوره لنا خيالنا المريض من ان اليهود وراء تفجير هذه الفضيحة فمن يقف وراء من؟ اليهود يقفون وراء الامريكان؟ ام ان الامريكان يقفون لمساندة اليهود, ويقول سعيد كمال امين عام مساعد الجامعة العربية اذا نظرنا الى قيادة الولايات المتحدة الامريكية للشؤون الخارجية نجدها متمثلة في الادارة الامريكية.. ففي كل دول العالم نجد حكومات اما الولايات المتحدة ففيها ادارة تعنى بإدارة الامور للوصول الى أهداف ترسل عبر الاستراتيجية التي تضعها المؤسسات الامريكية مثل C.I.A والبنتاجون ومراكز البحث الامريكية والجامعات, وتأتي الادارة المنتخبة لتنفيذ هذا, والذي يغلف بالديمقراطية التي تعكسها وسائل الاعلام والكونجرس.. اما كلينتون ومعه معاونيه ومستشاريه فيقومون بوضع السياسات والاساليب والوسائل التي يتم بها تنفيذ هذه الاهداف, وهذا يعنى ان رئيس الولايات المتحدة يعنى تغييره تغيير في الاساليب والوسائل مع بقاء الاهداف والمعروف ان امريكا واسرائيل دولتان متحالفتان وسوف يستمر هذا التحالف بناء على الاستراتيجية الموضوعة لسنوات طويلة مقبلة ولا يعنى عزل كلينتون انتهاء هذا التحالف, واذا كان في نطاق الاجماع العالمي ان كلينتون قد تعرض لازمة سوف يخرج منها ضعيفا الا انه يتمتع بحب الرأي العام واسرته واعتبار ان ما حدث مسألة داخلية باستثناء انه قد يفاجئ من كانوا وراء هذه الازمة بتوجيه ضرباته اليهم, وغياب كلينتون قد يؤدي الى تجميد عملية السلام في الشرق الاوسط لما عليها من خلاف اما ما يخص القضايا الاخرى التي لا خلاف عليها فهي سارية بوجوده او عزله وهو ما جاء مناسبا لجموح نتانياهو الذي يريد تجميد القضية وهو المستفيد الاول في الحالتين.. اما في وجود آل جور كرئيس للولايات المتحدة في حالة عزل كلينتون فنحن لا نأمل في تغيير شيء فهو ايضا ينفذ سياسات تضعها المؤسسات الامريكية ولكن على العرب استغلال فترة العامين المقبلين في التفكير بجدية في العمل على مواجهة هذه المشاكل التي تسبب فيها نتانياهو من خلال تقييم حقيقي وموضوعي ولا نطالب بإلزام اسرائيل بالعودة الى آلية مدريد ولكن نطالب بإشراك الدول الكبرى مثل الصين واليابان والدول الاوروبية في القضية وضرورة إلزامهم لاسرائيل بتطبيق الاتفاقية وان يتحقق ما توصلنا اليه من 22% من الارض للفلسطينيين وان تكون القدس عربية وحل مشكلة اللاجئين وما يمثلونه للدول المضيفة.. اما د. حسام عيسى الاستاذ بحقوق عين شمس فيرى انه لن يكون هناك تأثير واضح رغم ما يقال من ان آل جور صديق لاسرائيل ففي حالة عزل كلينتون وتولى آل جور الرئاسة او بقاء كلينتون سيكون هناك تجميد للوضع في المنطقة العربية فاذا تولى آل جور فستكون مدته قليلة ويخاف من اتخاذ قرارات قد تؤثر على نجاحه في الانتخابات المقبلة اما في حالة بقاء كلينتون فسوف يخرج من هذه الفضيحة ضعيفا وستكون قراراته ايضا ضعيفة ولن يتخذ قرارات بنفس درجة قوة القرارات السابقة لهذه الفضيحة واعتقد ان في الحالتين سيتم تجميد الوضع لصالح نتانياهو والرأي العام الامريكي لا يعتبر ما حدث من كلينتون جريمة ويشعر ان هناك تآمر من اليمين المسيحي المتشدد الذي لم يغفر له ويتصيد له الفضائح وكذلك يتعامل مع كل الليبراليين السابقين ونتيجة لسياسته الاجتماعية وانه رغم ما يتعرض له كلينتون الا انه قد اجاد في سياسته على المستوى الداخلي وهذا ما يجعل الرأي العام الامريكي يغفر له ويطالب بغلق ملف القضية.. ويجب خلال هذه الفترة المتبقية على الانتخابات الرئاسية الامريكية المقبلة ان يتم تغيير جذري وواضح في الاستراتيجية العربية وفي السياسات الداخلية وان يكون هناك موقف عربي اكثر تشددا من اسرائيل والغرب والولايات المتحدة واكثر توحدا وترك اللعب في الولايات المتحدة ومحاولة بناء تعاون عربي اوثق وتغيير في الموقف من اسرائيل وان يروا انهم قادرين على رد وردع حقيقي لاي اخلال في المنطقة العربية.