نجحت اسرائيل في أن تجعل من مزاعم الضغط المصري على السلطة الفلسطينية برفض ما تعتبره تل أبيب حلولا مناسبة قضية كبرى, ووصل الأمر إلى الدرجة التي كدنا لا نناقش فيها سير المفاوضات أو العملية السلمية وإنما هل تضغط مصر على السلطة أم لا؟ وكأن هذا الموضوع هو محور عملية السلام في المنطقة . وبغض النظر عن أبعاد الموقف المصري الذي جاء حاسما في نفي ممارسة القاهرة أي ضغوط على الفلسطينيين, فإننا نرى ان المزاعم الاسرائيلية تهمة يجب أن ننفيها وشرفا يجب أن ندعيه, والا فإنه لن يكون هناك معنى للحديث عن الرابطة العربية. وإذا شئنا الحديث بدقة أكثر وبشكل أكثر وضوحا فإننا نقول إن المفاوض الفلسطيني يمارس عملية المفاوضات وهو مكشوف دون أي غطاء يوفر له القدرة على المناورة, ونحن لا نناقش هنا كونه هو السبب في هذا الوضع بقبوله المفاوضات بأي شكل, أم ان السبب جوانب أخرى ــ ليس هنا مجال مناقشة المسؤول ــ لكن الواقع ينبئنا بأن المفاوض الفلسطيني يعيش أضعف مراحل المفاوضات, هذا بافتراض انه عاش مرحلة قوة من قبل. المهم ان هذا الوضع أفرز حالا ضاعت معه أغلب الحقوق الفلسطينية وتواصل اسرائيل حاليا بمساعدة الولايات المتحدة مهمة استكمال سيناريو ضياع الحق الفلسطيني. وحسب تعبير عمرو موسى وزير الخارجية المصري لقد حولت تل أبيب المفاوضات من مفاوضات على أراض محتلة إلى مفاوضات عقارية تجادل فيها بشأن بضع مئات المترات من الأرض, وهو ما يشير في جانب منه إلى مدى التردي والهاوية التي وصلت إليها المفاوضات. ازاء كل هذا من الطبيعي أن يجد المفاوض الفلسطيني سندا له من قبل الأطراف العربية, أو بمعنى آخر بوصلة ترشده إلى الطريق الصحيح في ظل حالة الضبابية التي يواجهها في المفاوضات. ومع التقدير لموقف كافة الأطراف العربية المساندة للقضية الفلسطينية, فإن هذه المواقف لأسباب عديدة, لا مجال هنا للتفصيل فيها, تقصر في التأثير على مسار المفاوضات. وهنا تبدو خصوصية الدور المصري المكتسبة من اعتبارات كثيرة لعل من بينها خبرة التفاوض مع اسرائيل, طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة رغم وجود بعض التوترات, الثقل الذي تتمتع به القاهرة على المستوى الدولي ما يجعلها أكثر قدرة على الحركة والتأثير.. هذه الخصوصية في رأينا لابد أن تنعكس في شكل مساندة المفاوض الفلسطيني, وهي مساندة متعددة الأشكال نتصور ان من بينها ليس الضغط الذي تروج له اسرائيل وإنما توضيح الصورة بشكل كامل أمام الفلسطينيين حتى ولو اقتضى الأمر تنبيههم إلى مخاطر تبني مواقف بعينها سواء كانت هذه المخاطر ممثلة في رفض الشارع الفلسطيني أو ذات تأثيرات غير ايجابية على مستقبل القضية الفلسطينية. هذا هو الشكل المتصور للتدخل المصري.. قد تسميه اسرائيل ضغطا, ونحن نسميه مساندة للحق الفلسطيني.. وسواء كانت التسمية الأولى هي الصحيحة أم الثانية أم الاثنتين معا فإن الموقف التفاوضي بشكل عام يتطلب مزيد من الانغماس المصري.. ذلك ان أي انتقاص من الحقوق الفلسطينية إنما يشكل تهديدا للأمن المصري, وهو ما يمتد إلى تهديد الأمن العربي وهذا هو ما تدركه القاهرة جيدا ويجعلها تلقي بثقلها وراء المفاوض الفلسطيني.. قدر الامكان!.