عبر الفلسطينيون بالصورة والرمز بعد ان عايشوا الواقع المرير أصدق تعبير عن مصير اتفاقيات السلام عندما حرقوا الأعلام الاسرائيلية والأمريكية فوق كفن مغطى بقماش أسود كتب عليه اتفاقيات أوسلو , واذا كان العالم قد عاش قبل خمس سنوات وتحديدا في 13 سبتمبر 1993 أعلى لحظات التفاؤل بانتهاء أزمة الشرق الاوسط عندما صافح عرفات رابين وبحضور كلينتون وممثلين عن الدول الكبرى والأمم المتحدة, فان الاتفاقية الان تتجه الى قبرها وبخطوات سريعة ليواريها نتانياهو التراب دون ان يذرف أحد عليها الدمع. واعتبر المنتقدون في عام 93 ان الاتفاقية لا تحقق أدنى ما يطمح اليه الفلسطينيون, وبعد ان قلص نتانياهو كل ما للفلسطينيين من استحقاقات طبقا لما هو موقع, فانه يمكن القول ان زعيم الليكود لم يبق لهم شيئا, وان كان هناك الفتات الذي يتركه فسيكون الحصول عليه بشق الأنفس وبعد وساطات مضنية تصاحبها احباطات متتالية وتوترات متزايدة. ومشهد تشييع أوسلو لا تطل منه أي بارقة أمل, فحماس المكلومة باغتيال اثنين من قيادييها تتوعد والجماهير تزيد الضغط عليها قائلة (يا قسام يا حبيب بدنا الرد في تل أبيب) , ونتانياهو هو الذي هنأ منفذي العملية يتعهد بالرد بيد من حديد على أي هجمات لحماس. والسلطة الفلسطينية تجد من يتهمها من الداخل بالتآمر في قتل الاخوين عادل وعماد عوض الله, وهي في نفس الوقت مطالبة مع كل طرفة عين من قبل اسرائيل باستئصال الجماعات المسلحة والا تسقط كل مبرراتها للمطالبة بتنفيذ اعادة الانتشار, والدور الامريكي تلقى أكثر من لطمة على يد نتانياهو ويبدو هذا الدور مكبلا تماما وهو يشاهد مسيرة السلام تغرق, وامام غلو واستعلاء زعيم الليكود لم تجد واشنطن الا طريق التراجع بعد ان فشلت في محاولة التلويح بالتهديد, وجاءت فضيحة لوينسكي لتضيف قيدا جديدا للدور الامريكي حتى يتقرر مصير كلينتون, و لقد بدا تماما من جولة روس بالمنطقة ان نتانياهو لا يلقي بالا لأي محاولة امريكية للتحرك بعيدا عما خطه لدرب السلام على المسار الفلسطيني, ومحاولته التملص من لقاء روس بادعاء المرض فيما عرف بالتمارض السياسي تحمل في طياتها استخفافا وتلميحا مهينا بأن كلينتون الغارق في مستنقع الفضائح لا يستطيع ممارسة اي ضغط على اسرائيل التي هي ــ من وجهة نظر رئيس وزرائها ــ قوة عظمى, وتحت ضغط وضوح الوقائع واستحالة ادخال أي تجميل على ماضي خمس سنوات كئيب من عمر اوسلو, لم يجد روس الدبلوماسي المحنك المعروف بتحيزه لاسرائيل بدا من ان يعترف بواقع حال الذكرى الخامسة بالقول ان الامر الواضح للعيان هو اننا لم نصل الى ما كنا نصبو اليه. ومنعه الحياء والتحيز ان يقول اننا لم نصل لشيء يذكر.