خمس سنوات على اوسلو.. مأزق أوسلو: أسباب السقوط وسبل الخروج

عندما توصل عرفات الى اتفاق وارسو مع الاسرائيليين, حاول تسويق الاتفاقية لدى الزعيم الافريقي الكبير نيلسون مانديلا واشتط به الامر فصور اتفاقه مع الاسرائيليين بانه مماثل لما توصل اليه حزب المؤتمر الافريقي بقيادة الزعيم مانديلا , وقال اننا سائرون على نفس خطى الاخ الكبير التي انتهت بتصفية النظام العنصري الذي اقامه البيض في جنوب افريقيا سلميا !! لكن الزعيم الافريقي - بصراحته المعهودة التي تزعج احيانا حتى بعض اصدقائه قال لعرفات مثل هذا الاتفاق (ظل مطروحا) امام باب زنزانتي لاكثر من خمس سنوات ولم اقبل لانه كان دون مطالب وحقوق شعب جنوب افريقيا. واليوم وبعد خمس سنوات من توقيع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين واسرائيل - ينظر المراقب بموضوعية الى القضية وماذا بقي منها, ويحسب ايضا بموضوعية ماذا تحقق من اتفاق اوسلو للشعب الفلسطيني فيرى ان ما تحقق على ارض الواقع قليل في حساب الآمال والتوقعات التي حملها اهل اوسلو الذين آملو ان يحقق اتفاق اوسلو الكثير من آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني. فاذا كان المأمول ان يحقق اتفاق اوسلو حلا سياسيا كاملا للقضية المحورية او المركزية - قضية فلسطين - فالاتفاق قطعا لم يحقق حتى الآن - حتى في نظر مؤيديه والذين عملوا من اجله - ذلك الحل السياسي الكامل ... هذه حقيقة اولية لايمكن تجاوزها او الهروب منها عند النظر في تقييم اتفاق اوسلو بعد خمس سنوات من توقيعه. تأجيل المواجهة قد يكون الاتفاق اجل المواجهة الفلسطينية - الاسرائيلية, لفترة من الزمن تطول او تقصر وفقا لتطورات موضوعية حتى الآن في رحم الغيب ... لكن الاتفاق لم ولن يأت بآلية تمنع المواجهة مادام العقل السياسي الاسرائيلي السائد متوقفا بالزمن عند تعنته الذي يمثله اليمين الليكودي الحاكم, ومادام العقل الاسرائيلي يرفض وباصرار حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته حتى ضمن ما نص عليه اتفاق اوسلو . ومادامت الحكومة الاسرائيلية برئاسة نتانياهو متمسكة بمواقفها المتعنتة تجاه قضايا الارض والقدس وحق اللاجئين في العودة والمستوطنات والمياه والحدود. نعم اجل اتفاق اوسلو المواجهة بين الفلسطينيين واسرائيل لكن من الذي يملك - فعلا - ان يمنع المواجهة في اطار العملية التاريخية الجارية وفي اطار الصراع العربي الاسرائيلي الذي كان اتفاق اوسلو احد الوسائل الذي يأمل صانعوه ومؤيدوه ان يمنعوا به مواجهة غير مطلوبة او مرغوبة في ظل الظروف الدولية القائمة الآن وفي ظل الظروف الاقليمية السائدة فاتفاق اوسلو كان مطلوبا بالنسبة للولايات المتحدة وهي ترسم وتكيف سياستها الشرق اوسطية - ولنقل العربية - فبما بعد حرب الخليج الثانية وفيما بعد افرازات انهيار الاتحاد السوفييتي وفي ظل ما يطلق عليه نهاية الحرب الباردة. والولايات المتحدة الامريكية التي نصبت نفسها - وقبل الجميع ذلك - راعيا رئيسيا لعملية السلام في الشرق الاوسط لاتزال مصرة على ان اتفاق اوسلو - ومع كل التعديلات والمقترحات والنسب المئوية للانسحاب واعادة الانتشار التي تدخلها كل يوم عليه - مايزال هو الركن الاساسي لعملية السلام (والمصالحة التاريخية) بين العرب والاسرائيليين ... ورغم ماتنجرف اليه احيانا بعض اقلامنا وهي تحاول ان تجد (المبررات والواقعية) لتفسير الانحياز الامريكي لاسرائيل, ونسبتها الى موازين القوى الداخلية في الولايات المتحدة الامريكية والى صراعات الادارة والكونجرس, واللوبي الصهيوني والى والى ... فالواقع المؤلم يقول ان الانحياز الامريكي الى جانب اسرائيل هو في حقيقته انحياز الى جانب مصالح الولايات المتحدة الامريكية , كما يتصورها اصحاب تلك المصالح حيث لايرون في اسرائيل حليفا مضمونا فحسب وانما شريكا اساسيا في تلك المصالح. حيث لايرون في اسرائيل حليفا مضمونا فحسب وانما شريكا اساسيا في تلك المصالح. التمزق العربي الداخلي يعمق ويزيد من هذا الموقف الامريكي المنحاز حالة الضعف العربي الشديد الوضوح والذي تعاني منه الأمة ليس في علاقاتها مع الولايات المتحدة والعالم الخارجي فحسب, وانما على مستوى وجودها ومكونات هذا الوجود حالة الضعف العربي التي اصبحت تهدد مجتمعنا العربي بمزيد من التمزق الداخلي يهدد السلام القومي قبل ان يهدد عملية السلام الشرق اوسطية, فالولايات المتحدة التي ترعى عملية السلام بهذا الانحياز المخل بأسس العدل والوفاق الدولي, لن تكون عادلة بين العرب والاسرائيليين الا عندما تعرف عن حق ان العرب قادرين على تغيير موازين القوى التي اعتمدتها واعتمدت عليها في سياستها تجاه العرب واسرائيل. وتفعيل الدور العربي ليس مطلوبا فقط لوقف الانهيارات الناجمة عن اوسلو وحسب وانما لوقف الانهيار العربي الذي سيصبح مؤكدا اذا استمر الحال العربي على ماهو عليه الآن. والحقيقة التي يجب ان تقال عند تقييم اتفاق اوسلو وعند الحديث عن الانهيارات الحاصلة هي ان اتفاق اوسلو - في حد ذاته بعض من نتاج هذا التمزق وهذا الشتات وحالة الضعف العربي السائدة الآن ... والدعوة للتضامن العربي التي اطلقها وشدد عليها رئيس الامارات العربية المتحدة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وآزره فيها قادة وزعماء عرب آخرون, هي رد الفعل الطبيعي لحالة التمزق والشتات العربي الذي سيقود الى الانهيار ... فالمطلوب من الأمة ان تؤدي دورا لوقف الانهيارات الناجمة عن اوسلو, مطلوب من قادتها والقائمين بالامر فيها ان يعيدوا قراءة الواقع العربي بامعان, ليس بهدف الركون اليه وانما بهدف استنهاض الهمم والعمل الجاد والسعي بالاخلاص والتجرد لاعادة الصف العربي الى وحدته التي هي الضمان الوحيد والسبيل الوحيد لتجاوز هذا الواقع الاليم, ولوقف الانهيارات, فليست السلطة الفلسطينية وحدها التي تعيش مأزقا شاملا, ولكن الامة بأكملها - والسلطة الفلسطينية جزء منها - تعيش هذا المأزق الشامل. طريق السلام ... ومقومات القوة لقد قبل العرب بطريق الحل السياسي للقضية الفلسطينية والذي يمثل اتفاق اوسلو احد معالمه البائسة وربما المخزية في نظر بعضنا, لكن الحل السلمي والسلام القائم على العدل وارجاع الحقوق الى اهلها, وكل مقولاتنا ومفردات لغتنا التي تواطأنا على مخاطبة العالم بها, واصبحت من تعبيراتنا السياسية والخطابية السائدة يوميا كل ذلك لن يتحقق اذا لم نملك المقومات والقوة التي تسنده وتدعمه وتجعل العالم يصدق اننا قادرون على فعله, ولن نكون قادرين على الفعل اذا لم نستعيد للتضامن العربي فعاليته وقوته التي تحققت عمليا في معجزة اكتوبر المجيدة. وبهذا الخصوص ينبغي التأكيد على ان التضامن العربي ليس شعارا عاطفيا يرفع عند الحاجة اليه, ولكن التضامن القومي العربي فعل وعمل يتحقق على ارض الواقع بخطوات عملية مدروسة ومحققة يعمل من اجلها العاملون, فالتضامن مشروع حياة ومصير بالنسبة لهذه الامة, يجب ان يتحقق بمزيد من خطوات التكامل والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية وبمزيد من خطوات التكامل والتعاون الثقافي بين الدول والشعوب العربية, وبمزيد من خطوات التنسيق والتعاون وصولا الى التكامل على اصعدة التسليح والتدريب والاستراتيجية العربية الموحدة التي مثلتها يوما القيادة العسكرية العربية الموحدة وذلك عمل ومشروع حياة ومصير من الثابت والاكيد ان الذين يؤمنون به ويعملون من اجل تحقيقه انما يؤدون حقا فريضة الجهاد التي تعد واجبا على كل مسلم, ويقومون بدور تاريخي يحفظه لهم تاريخ هذه الامة التي صبرت وصابرت وصمدت طويلا. الدور العربي المطلوب اليوم قبل الغد, يبدأ بالسعي والعمل الجاد لاستعادة التضامن العربي, ليس من اجل وقف الانهيارات الناجمة عن اوسلو, ولكن من اجل الدفاع عن وجودنا القومي ... عندما يتكامل الدور العربي متضامنا يمكن ان نتوقع تغير موقف الراعي الامريكي نحو دور اقل انحيازا لاسرائيل وسيكون دور اوروبا القادم في مسيرة التسوية السلمية فاعلا ومؤثرا بما يساعد اصحاب الحق على استعادة حقهم ممثل في سلام قائم على العدل الحقيقي وتنمية مستدامة لمصلحة شعوب المنطقة كلها, وحينئذ تجد السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني انفسهم في قلب الامة التي ظلت - ولا تزال - تعتبر قضية فلسطين قضيتها والتي بدون استقامتها لاتستقيم لها كرامة ولا يتحقق لها أمن او استقرار. ان اوسلو التي تبدو - احيانا - وكأنها مأزق السلطة الفلسطينية هي في واقع الامر مأزقنا جميعا ... مأزق الامة افرزه حالها البائس الآن. وربما من حسن حظ هذه الأمة, او من سوء حظها, ان قضاياها القطرية متشابكة ومتداخلة, وممتزجة تماما بحيث لايصبح القول ان هنالك مأزقا يعيشه الفلسطينيون دون ان يكون لهذا المأزق اثره الشديد على الأمة. عبد الله عبيد حسن

طباعة Email
تعليقات

تعليقات