نافذة: (المايويون)يلعبون على كل الخطوط

بدأت الساحة السودانية تنشط سياسيا بعد ركود امتد أسابيع عقب الغارة الامريكية والفيضانات التي اجتاحت البلاد, وفي ظل هاتين الكارثتين بدأت الحكومة أكثر مرونة في التعامل مع خصومها, ولكنها في الوقت نفسه استثمرت الغارة والكارثة للتشديد في بعض مواقفها . فقد تجاوزت كل القوى السياسية وحتى أصوات قوية صادرة من أواسط الحكم وأعطت البرلمان الحق في اعداد واصدار قانون تنظيم الاحزاب, بينما كان الكثيرون يتطلعون الى المشاركة في صياغته من خلال مؤتمر عام, خاصة ان تجربة دعوة الفئات والجماعات غير الممثلة في الجهاز التشريعي للأداء بآرائها بشأن وثيقة الدستور من خلال جلسات عقدتها لجان البرلمان لم تكن فاعلة, واستطاعت الحكومة في النهاية تمرير وجهات نظرها دون الالتفات الى ملاحظات الآخرين, وهذا ما سيحدث قطعا مع وثيقة قانون تنظيم الاحزاب. ولكن هذا لا يعني ان الدولة ستكون وحدها في نظرتها لمواد القانون, لأن هناك قوى سياسية كثيرة تشاركها تحفظها تجاه (أحزاب الديمقراطية) ومن هؤلاء (المايويون) انصار الرئيس الأسبق جعفر نميري, ومن هؤلاء ايضا (حركة اللجان الثورية) التي تترسم نهج الجماهيرية الليبية وشعارهم (من تحزب ليس منا) . ولكن من الواضح ان (المايويين) وبترتيبات خاصة مع قيادتهم الداخلية والخارجية يحاولون الامساك بخيطين كلاهما يضمن لهم ممارسة نشاطهم في المرحلة المقبلة بعد ان كانوا في سجون الاحزاب محرومين من العمل السياسي العلني. الخيط الأول اذا نجح خصومهم الحزبيون في الضغط على الحكومة الحالية وأعاد القانون المرتقب الديمقراطية بشكلها المعروف, لن يكون في هذه الحالة هناك عزل لأحد أو فئة بعد ان تلاشت مرحلة الشرعية الثورية, فالكثيرون على قناعة بأن الحكومة الحالية لم تصل الى السلطة بثورة شعبية ــ كما حدث في ايران مثلا ــ وهو ما يعطي النظام هناك اختيار ديمقراطيته بالشكل الذي لا يتعارض مع قناعات ذلك النظام. أما الخيط الثاني فيتلاءم تماما مع مبادىء (المايويين) اذا أقر البرلمان قانونا ديمقراطيا في مظهره وشموليا في باطنه في اطار نهج (التوالي السياسي) وهو تعبير مازال يكتنفه الغموض, يحتمل التفسير بأنه يتوالى كل شخص الى حزبه في حالة تخلي المعارضة على السلاح وتحقيق الوفاق الوطني لاحقا, وهو أمر يتقاصر عنه الزمن مع نفاد صبر الحكومة وقرارها بأن يبدأ البرلمان اعداد القانون الشهر المقبل, كما انه يحتمل التفسير بأن يتوالى من اراد من الاشخاص أو رغب في التكوينات السياسية الى ساحة (المؤتمر الوطني) وهو التنظيم السياسي الحالي للدولة ليمارس من داخله ديمقراطية مفتوحة في النقد واقرار السياسات العامة للدولة ومحاسبة المسؤولين واختيار من يتولون شؤون الحكم أو عزلهم, خاصة وان آخر تصريح لأمين الدائرة السياسية في المؤتمر الوطني يؤكد ان الذي يفقد موقعه في هذا التنظيم يتخلى عن وظيفته التنفيذية. من هنا فإن (المايويين) أكثر اطمئنانا من غيرهم بأنهم في كل الظروف سيكونون داخل الساحة السياسية وهو ما ترفضه (اللجان الثورية) اذا تم تمرير قانون باعادة الاحزاب, ولهذا تمسك هؤلاء بتسمية تنظيمهم السابق, بينما لجأ (المايويون) الى تغيير اسم (الاتحاد الاشتراكي) السابق الى (قوى التحالف) , ولكن هذا لا يعني انهم يبرأون من الانشقاقات والخلافات مهما حاولوا نفيها. فهناك المجموعة الملتصقة تماما بالسلطة الحالية الى درجة الذوبان في كل اجهزتها ومنهم وزراء (مايويون) في مقدمتهم ابوالقاسم محمد ابراهيم نائب نميري الذي يشغل وزارة العلاقات وبدر الدين سليمان وزير الصناعة في العهدين المايوي والحالي, وهناك كذلك مجموعة لها مواقف متشددة على الحكام الاسلاميين الحاليين يتهمونهم باسقاط (مايو) من داخلها وبعد المصالحة الوطنية عام ,1977 ويقود هذه المجموعة الدكتور عثمان أبوالقاسم وزير الزراعة والتنمية الريفية, وايضا المجموعة التي يقودها الشيوعيون المتحالفون على نظام مايو ويترأسها كامل محجوب أمين دائرة المهنيين والفئات بالاتحاد الاشتراكي التي تمثل عصب النظام, ولكنه يلاحظ ان العسكريين المايويين جميعهم باستثناء ابوالقاسم محمد ابراهيم بعيدون الى حد كبير عن هذه المجموعات مثلما انهم يحافظون على مسافات تفصلهم عن النظام الحالي, ومن أبرز هؤلاء اللواء معاش خالد حسن عباس وابوالقاسم هاشم وزين العابدين محمد احمد عبدالقادر. وكما ان (المايويين) يختلفون في نظرتهم الى النظام الحالي ما بين مؤيد الى درجة الاندماج والتحفظ والمشاركة المشروطة بقانون التنظيمات السياسية المرتقب, فإن أوساط الحكومة لها تحفظات ضد المايويين ولكنها لا ترقى الى العداء السافر تجاه بعض الاحزاب مثل الشيوعيين والاتحاديين الذين يتزعمهم الميرغني والأمة برئاسة الصادق المهدي, وفي هذا يحتفظ النظام للمايويين قيادة وقاعدة بأنهم لم يحملوا السلاح ضدهم أو يتحالفوا مع قرنق أو يحرضوا حكومات أجنبية عليهم ــ في الظاهر على الأقل ــ ولهذا فإن أصوات (المايويين) حتى وان انطلقت بالنقد لسياسات الحكومة في بيانات عدة تصدر منذ أشهر, فإن اعلام السلطة لا يرد عليها كما يفعل تجاه بيانات الآخرين, ولكن كل هذا لا يعني ان الدولة ستكون غافلة عن خطر فتح كل أبواب المشاركة أمام (المايويين) في غياب الآخرين لأنهم يجيدون ايضا التقويض من الداخل. يوسف الشنبلي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات