جذر أزمتنا - نحن العرب - مع أمريكا ليس أنموذجها الداخلي وانما نمطها الخارجي. واشنطن تصر - في عنجهية - على احتباس روحها الليبرالية داخل الحدود الامريكية فقط . امريكا ترفض فتح قنوات الحوار الذي يشكل العنصر الاساسي في لعبة الديموقراطية . حين يكون الشأن عربيا تتجرد كل الادارات الامريكية من لباسها الداخلي الانيق وتلبس زي الشرطي الوقح. الرصيد الأمريكي في الذاكرة السياسية العربية لايترك فسحة لتحريض الأنظمة الفردية على محاكاة النموذج الامريكي الداخلي. كل الادارات الامريكية تتخلى - في الشأن العربي - عن رحابة التلقي والقبول التي تشكل عصب الممارسة الديمقراطية وتندفع في حزب العداء المستحكم للأمة العربية. جميع الادارات المتعاقبة في واشنطن تلغي تجربتها السياسية العصرية وتنزع - في التعامل مع العرب - ارثها المتخلف. كل الرؤساء الأمريكيين دأبوا على التعامل مع العرب بأسلوب (رعاة البقر) ويهجرون أدوات الحوار العصرية. كل الادارات الامريكية تنتمي الى الحزب الاسرائيلي. جميع الرؤساء الأمريكيين يكرسون الجهود الدبلوماسية لتفعيل البنود الدولية حين كون الطرف المستهدف عربيا. نحن نعبئ الرأي العام العالمي - على طريقتهم الديمقراطية - وهم يحشدون البوارج وحاملات الطائرات في وجهنا. كل الادارات الامريكية تتسلح بالتوما هوك والفيتو في وجه الأمة العربية. الادارة الامريكية التي تقبل نشر تقرير فاضح عن انحراف الرئيس الأمريكي ترفض نشر تقرير دولي يفضح همجية اسرائيل في قانا. أمريكا الديمقراطية في الداخل تلبس صورة الديكتاتور المستبد معنا في الخارج . كل الادارات الامريكية المستبدة تنسى قاعدة علمية بسيطة تقول (لكل فعل رد فعل مواز في القوة ومضاد في الاتجاه) . امريكا تنسى كذلك حقيقة معاصرة محورها ان المصالح الامريكية لم تعد في عالم اليوم داخل الولايات المتحدة حصراً. الادارات الامريكية تتجاهل في الوقت نفسه تجربة سياسية واقعية تؤكد تفريخ العنف في ظلمة الديكتاتورية. ربما يمكن استيعاب انكار واشنطن كل تلك الحقائق من منطلق منطق القوة نفسه الذي تنتهجه. مالا يمكن التسليم به ان الدولة القائدة للعالم تفتقر الى اجهزة الرصد التي تعين ادارتها على الحفاظ على مصالحها في المقام الأول. كانت أمريكا تسهل على نفسها قيادة العالم فيما لو عمدت الى تصدير نموذجها الداخلي الى الخارج عن طريق التعامل مع الآخرين. الازدواجية الامريكية تشكل مصدر الخطر الأول على أمريكا في الخارج.