ثمة اجماع في الأوساط السورية على أن تطبيق اتفاق أوسلو على مدى السنوات الخمس تحول الى كابوس بالنسبة للفلسطينيين, وان نجاحه الوحيد يتمثل في تبديد الحلم الفلسطيني ان كان يصح ان يطلق على مثل ذلك نجاحاً . وقالت قيادات فلسطينية في سوريا لـ (البيان) ان القضية الفلسطينية تمر الآن بأسوأ حالاتها, وأن الأرض ما زالت محتلة, والسلام لا يزال بعيد المدى جداً. وحسبما تؤكد هذه الاوساط فإن اتفاق اوسلو قد فشل تماماً في تحقيق الحد الأدنى من السلام بين الفلسطينيين واسرائيل بدليل ان الاوضاع في الضفة والقطاع قد عادت الى نقطة البداية وكأنه لا يوجد اي اتفاق سلام واسرائيل والفلسطينيين وتتذكر الاوساط السورية بالتعليق الرئيسي الذي اطلقه الرئيس الاسد على اتفاق اوسلو بعد التوقيع عليه قبل خمس سنوات مضت حين قال بأن كل بند في هذا الاتفاق يحتاج الى مفاوضات واتفاق جديد واجمعت الاوساط على ان الشعب الفلسطيني خسر الكثير من جراء الاتفاق على الرغم من ان القطاع وبعض اجزاء من الضفة قد عاد الى السلطة الفلسطينية التي تتولى ادارة الشؤون المدنية فيما تحكم اسرائيل بقبضتها الصارمة على القضايا الاساسية مثل الامن والدفاع وقد عبرت الاوساط السورية عن رأيها في اتفاق اوسلو عبر الاستطلاع التالي الذي قامت به (البيان) في دمشق, تقييم شامل ويقدم الدكتور محمد عزيز شكري استاذ القانون الدولي في جامعة دمشق تقييماً شاملاً للاتفاق يتركز في ثلاث نقاط فيذكر: اولاً: ان الاتفاق جاء اتفاق منفرداً بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية وبالتالي ساهم في شق الصف العربي الذي كان يفاوض على اساس مرجعية مدريد بحل شامل وعادل دائم. ثانياً: انه تم بطريقة غامضة وصياغة مهلهلة جعلت من الممكن للحكومة الاسرائيلية حتى ايام حزب العمل وبالتأكيد بتصاعد واضح ايام الليكود ان تفسر هذه الاتفاقية على هواها مما ادى الى اضطرار السلطة الوطنية الفلسطينية الى عقد اي اتفاقات لاحقة كانت في غنى عنها لو تريثت ووقعت اتفاقاً واضحاً وبلا شراك مع الاطراف العربية الاخرى. ثالثاً: وقعت منظمة التحرير من موقع ضعف وليس من موقع قوة في حين ان كثيرا من الاوراق كانت ستكون في يدها لو تريثت اولها, الانتفاضة الوطنية الباسلة التي تبين بالدليل القاطع مدى فاعليتها, بدليل ان اسرائيل عرضت وقتها على الشيخ احمد ياسين الافراج بلا شروط بعدما أصبحت غزة والضفة وراءها مجالاً او مستنقعاً للجنود الاسرائيليين الذين خاضوا حربا لم يكونوا مؤهلين لها ضد اطفال وشيوخ ونساء وهذا ما سبب انهيار المعنويات الاسرائيلية, ثم ان المنظمة بتفردها بتوقيع اوسلو واعتقادها بقدرتها على التعاون مع العدو منفردة فقدت دعم الحكومات العربية الاخرى الفاعلة الى حد ما الشارع العربي وانا لست مع الرأي القائل بوجود ايجابيات للاتفاق.. رغم انها سمحت للمقاومة الفلسطينية ان تنقلب على سلطة سياسية على ارض فلسطين ومعترف بها دولياً تفاوض المحتل الاسرائيلي بعدما ادت البندقية دورها. ولذا يمكن القول: ان الانجاز الوحيد للاتفاقية هو اعطاء الثورة الفلسطينية صبغة سياسية قانونية معترف بها من قبل العالم اجمع وحتى من قبل الحكومة الاسرائيلية انذاك والى درجة اقل حالياً فلم تعد المنظمة حركة ارهابية بل غدت سلطة وطنية فلسطينية هي بين حركة تحرير وطني تفاوضي من على ارضها وبين دولة غير متكاملة السيادة واقوال غير متكاملة السيادة لانه ليس في اوسلو نصوص واضحة تؤكد ان اسرائيل ستنسحب كاملاً من الاراضي الفلسطينية المحتلة سواء في الضفة او القطاع حتى مع المرحلة النهائية وقد زاد الامر سوءاً بمجيء الليكود واليمين المتطرف الذي يعارض الاتفاقية اساساً والذي يخلق العذر تلو العذر للتنصل منها, بعدما اضعفها لدرجة اصبحت عمليا غير موجودة ولا ادل على ذلك من تأخير المرحلة الثانية وترك المرحلة الثالثة في مهب الريح ولعل الخطأ الاكبر يتمثل فيما يلي: 1ــ انصياع الرئيس عرفات لطلبات المفوض الاسرائيلي فلجم معارضي اوسلو بل وحبسهم وربما متورط في اغتيالهم او تستر على هذا الاغتيال. 2ــ ادخال الروع لدى من بقي عنده شيء من الأمل بحمل الحجر بعدم جدية هذا السبيل في حين ان اسرائيل علمتنا انها لا تفهم غير القوة وعلى الرئيس عرفات وجماعته ان يدركوا أن ما حمل رابين على توقيع اوسلو هو قطعا الانتفاضة وتداعياتها وليس شطارة المفاوض الفلسطيني. 3ــ اعتماد الرئيس عرفات على الوعود الامريكية واغفاله حقيقة ما كان ينبغي ولا يمكن ان تفوت على اي قائد ثوري او سياسي وهي ان امريكا اصلاً حليف لاسرائيل وليس طرفاً محايداً وان امريكا مع مجيء كلينتون الى الحكم فيها اغرقت في مشاكل داخلية تتعلق بنشاط جماعات الضغط اليهودية التي لا ابرئها حتى لا اقوم باتهامها بالايقاع بالرئيس كلينتون فيما وقع فيه من فضائح واشكالات وبالمجيء بالجمهوريين المتطرفين الى الكونجرس في انتخابات عام 1994 ــ 1996 مما جعل امريكا اعجز من ان تضغط على اسرائيل حتى لو ارادت ان تفعل ذلك. توسيع المستوطنات والاسوأ من كل هذا وذاك ما تفعله اسرائيل على ارض الواقع من بناء للمستوطنات وسرقة للمياه العربية وتوسيع لمدينة القدس الكبرى بحيث تصبح يهودية يصعب التفاوض عليها حتى لو تم مثل هذا التفاوض وفي حين اتسم موقف السلطة الوطنية بالاجابات الكلامية وقبول ما تسميه اسرائيل تنازلات وهي ليست كذلك مقابل سكوت الفلسطيني عما يجري او التخفيف من شأنه في المحصلة تبين ان اوسلو ولدت بلا جذور فبنيت على رمال بل رمال متحركة لان الحق الذي لا تدعمه القوة لا يمكن ان يستمر, وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية ان تعي هذا الواقع فإما ان تتخذ مواقف جذرية مختلفة والتخلص من الفساد في صفوفها الى تصعيد الوقف الفلسطيني بالاعتماد على الدعم الدولي المركز, واما ان تعلن صراحة ان الراية ينبغي ان تسلم لمن هو قادر على مواجهة الاسرائيليين بالعنف فالارهاب هو ما تقوم به اسرائيل ومستوطنوها من عدوان على الاراضي العربية وخلق الظروف الكفيلة بتهجير سكانها او جعل حياتهم جحيما لا يطاق فهل هذا ما تريده السلطة الوطنية الفلسطينية وهل ستسكت الشعوب العربية الاخرى على الموقف الاسرائيلي عموماً؟ وهل هناك بشائر اذا جاء العمل محل الليكود لا اعتقد لان الفرق عندي بين نتانياهو وباراك هو في التكتيك وليس في الاستراتيجية .. نتانياهو يتصرف بوجهه القبيح وباراك يتصرف تحت قناع مخادع ولكن الهدف واحد وهو تهويد كل ما هو فلسطيني وحمل ما تبقى من سكان باية وسيلة ممكنة تجويع وتعطيش وطرد واعتداءات على ترك ديارهم لتصبح اسرائيل دولة اليهود فقط ولو على حساب ما يسمى بالديمقراطية الغربية المخادعة ولعل آخر مظاهر هذه الحملة التهويدية هي التشكيك بولاء عرب فلسطين 1948 للدولة اليهودية بعدما وصل عددهم الى نحو ربع سكان اسرائيل لحملهم على الهجرة منها او العيش في ظل نظام (الابارتيد) الذي كان سائداً في جنوب افريقيا. انجاز اسرائيلي اما الدكتور سهيل زكار الباحث التاريخي والاستاذ في جامعة دمشق فيرى ان اتفاقات اوسلو اعدها رابين اعظم انجازاته ورأى فيها بيريز مقدمة فعالة لقيام الشرق الاوسط الجديد تحت المظلة الاسرائيلية ورأى فيها زعماء الصهيونية ومن يساندهم اعتراف بالشرعية الصهيونية وبالعدوان وبالتالي دعم للمطالب العربية وبعدما كان الصراع من اجل فلسطين نضالا بين الحق والباطل انعكست الآية وصار المناضلون ارهابيون وصار الارهابيون القدامى والحاليون كدولة هم اصحاب شرعية وديمقراطية وحضارة على هذا أنا ارى شخصيا ان اتفاقات اوسلو لا تقل خطرا عما حدث عام 1948 وهي تأتي خطوة كبيرة من خطى الانجازات للمشروع الصهيوني في المنطقة.. ولا شك ان الذين اقدموا على هذا الاتفاق فلسطينيين اقترفوا بحق انفسهم وبحق الامة اعظم الجرائم هذا من جانب. من جانب آخر لم تتغير العقلية الصهيونية المعتدية بعد اتفاقات اوسلو وظلت عملية الانذار من الجانب الصهيوني والتنازلات من جانب عرفات ومع هذا يتبقى ان نلاحظ مسألة ان المشروع الصهيوني والقادة الصهاينة ادركوا ان عرفات بات شيئاً والشعب العربي في فلسطين وخارج فلسطين له موقف آخر ولذلك ظلوا تحت مظلة الرعب الشديد على الرغم من امتلاك الصهاينة لمختلف انواع الاسلحة وبكميات هائلة ويعبرون عن هذه الانتكاسات النفسية والصراعات الداخلية بمزيد من المطالبة بالامن ولا يمكن ان يحصلوا على الامن ويضيف الدكتور سهيل زكار: ما حدث في اوسلو ان الصهيونية درست نقاط الضعف في شخصية عرفات ومن دار في فلكه الشهوة للسلطة لديهم فخالف عرفات الاجماع العربي والموقف العربي الموحد وانفرد بذلك. فما حدث في اوسلو نوع من انواع التطوير لتجربة جنوب لبنان ما دعا البعض الى تشبيه عرفات بلحد بل ان البعض يشعر ان المؤسسة الصهيونية تقيم وزنا للحد اكثر من عرفات. ان اتفاقات اوسلو لم تحقق اية مكاسب لا للفلسطينيين ولا للعرب على العكس تحولت المؤسسة النضالية لعرفات اعني بذلك (فتح) الى عناصر من الشرطة رخيصة تنسق مع الموساد (والشين بيت) لملاحقة الثوار الفلسطينيين لكن هنا اسجل ان عرفات لم يبتدع مسألة الانفراد الذي ابدع مسألة الانفراد السادات في كامب ديفيد. المشكلة لا تزال قائمة ونحن نتحدث في ذكرى مرور خمس سنوات على اتفاقات اوسلو نرى ان الذكرى تتوافق مع مرور سنوات عدة على محاولة احراق المسجد الاقصى ويلاحظ انه في ظل اوسلو لم تتوقف اسرائيل عن محاولات ازالة هذا المسجد وازالة جميع المعالم العربية من القدس المحتلة وهنا اقول ان على العرب ان ينتبهوا الى ما تقوم به اسرائيل في حوض البحر الاحمر والى ادوارها السيئة جداً في افريقيا السوداء. زيادة الشرذمة العربية لقد خلقت اتفاقات اوسلو واقعاً تاريخياً جديدا, اولاً: عندما يستعرض الانسان تاريخ بلاد الشام ضمن تاريخ الوطن العربي يلاحظ ان اسم فلسطين ورد مرارا لكن هذا الاسم ليس له هوية محددة سياسياً او جغرافياً وفلسطين ظلت جزءاً ادارياً من بلاد الشام التي مثلت الشرعية فيها دوما دمشق وقام المشروع الفلسطيني على اساس فلسطين التوراتية او فلسطين تحت الانتداب البريطاني وطوال تاريخ الصراع رأى العرب لا سيما دمشق ان الصراع بين العرب وبين المشروع الصهيوني وليس بين فئة عربية والصهاينة وباتفاقات اوسلو اعترف عرفات ليس فقط بالصهيونية وانما اعترف بتميز فلسطين وانسلاخها عن جسم بلاد الشام. لقد اضافت اوسلو ومن ثم وادي عربة طعنات قاتلة لجسم الامة العربية وزادت الشرذمة العربية وانا برأيي ان عرفات او اي مسؤول عربي لا يملك حق التصرف او التصالح ومن ثم كان يجب ان يطرح الاتفاق للتصويت على الجماهير العربية من اغادير الى عدن وعدم اغفال موافقة اكثر من ملياري مسلم وعربي لان القدس هي الحرم الثالث في القداسة لدى المسلمين. واذا لم يحدث هذا فكل الاتفاقات غير شرعية لانها قامت بلا تفويض شرعي وبلا تخويل ورغماً عن ارادة اكثر من ملياري مسلم. وقد افادت اوسلو امريكا فانفردت الولايات المتحدة ببترول العرب وبأموال العرب وهكذا يعاني الوطن العربي الآن من ازمات اقتصادية خانقة ولم يعد هناك بلد عربي الا يعاني من ازمات ومن هنا يتبين مدى اهمية التصدي للانذار الامريكي بصياغة مستقبل المنطقة, وذلك باشراك اوروبا وعلى رأسها فرنسا ومحاولة جذب كلا من الصين واليابان واعادة روسيا الى الحلبة المتعلقة بالقضية التي ستظل هي القضية الاساس في التاريخ المعاصر ولسنوات طويلة مقبلة حتى يتم التوصل الى حل. ما حدث في اوسلو عمل من وراء الكواليس وشكل هذا العمل الحقيقة طعنة في اطراف القادة العرب المخلصين والطعنة وجهت بالاساس الى دمشق. واتمنى شخصياً على من اعتبرهم فصلين باوسلو ان يعودوا الى رشدهم وان يعرف ان حكم التاريخ قاس. دمشق ــ يوسف البجيرمي