في بداية السبعينات عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية اصدر صدام حسين أوامره بتطوير برنامج لانتاج الاسلحة النووية وكنت انا من اوائل الذين بدأوا العمل في ذلك المشروع . كان الهدف النهائي للبرنامج على المدى البعيد هو انتاج اسلحة نووية اما الهدف المباشر فقد كان الحصول على التقنيات النووية. ولتخفيف هذين الهدفين قام العراق بالالتفاف على الوكالة الدولية للطاقة النووية في اطار خطة محكمة لخداع الوكالة. التي تبلورت بشكل تدريجي عبر توقيع معاهدات للتعاون النووي مع عدد من البلدان ومن إقامة مشاريع وهمية لا وجود لها. وقد نجح العراق بالحصول على جميع المستندات التي لايرقى اليها الشك للحصول على كل ما يحتاجه من مساعدة في مجال الذرة. فقد وقع معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية عام 1968 وصادق عليها في العام التالي مما فتح المجال واسعا امامه للعمل بحريه وتبرير شراء جميع الاجهزة والمعدات واستيراد التقنيات الذريه بدعم مطلق من الوكالة الدولية للطاقة النووية. وعلى مدى سنوات عديدة قمت بعدد لا يحصى من المهام حيث تسلمت رئاسة قسم الوقود في السبعينات ثم رئاسة القسم النظري لبرنامج التخصيب في الثمانينات, ثم المستشار العلمي لرئاسي هيئة الطاقة النووية العراقية في منتصف الثمانينات, ثم مديرا لعمليات التسليح لفترة قصيرة في عام 1987. لقد كان الحصول على التقنيات النووية تحت حماية ورعاية وتأييد الوكالة الدولية للطاقة النووية الخطوة الاولى على طريق بناء البنية التحتية الضرورية لتطوير اسلحة نووية فقد قررنا في عام 1973 الحصول على مفاعل لاجراء الابحاث والتجارب بقوة 40 ميجاواط, بالاضافة الى مصنع لانتاج الوقود وآخر لمعالجه الوقود النووي وذلك بحجة الحصول على الخبرات الضرورية لبناء وتشغيل مرافق لتوليد الطاقة النووية ومعالجة الوقود النووي. اما البرنامج السري فكان يهدف في نهاية المطاف الى اكتساب الخبرة واقامة البنية التحتية الضرورية ولو تدريجيا لانتاج البلوتونيوم المخصّب لانتاج القنابل النووية. الغريب في الامر ان ممولي العراق أو حتى الوكالة الدولية للطاقة النووية لم يكلفوا انفسهم عناء طرح السؤال البسيط وهو لماذا يريد العراق, الذي يمتلك ثاني اكبر مخزون من النفط في العالم, ان يستخدم اليورانيوم لتوليد الطاقة الكهربائية, اما العراق فقد كان في غاية الحرص خشية اثارة شكوك الوكالة الدولية وذلك بواسطة تطوير استراتيجية محكمة وفي غاية الدقه لتضليل الوكالة والاستمرار بخداعها. وللاطلاع بشكل افضل على العمليات الداخلية للوكالة الدولية قام العراق باستحداث وظيفه (الملحق العلمي) في سفارته في فيينا وتم تعيين سرور محمود ميرزا, شقيق احد كبار حراس صدام الشخصيين, في ذلك المنصب, وقام محمود بتزويد السلطات العراقية بتقارير مفصلة حول مواضيع لايتم تناولها او الحديث عنها في النشرات الدورية والمجلات المتخصصة, بما في ذلك دور المفتشين في كشف البرامج النووية السرية, وكيفية تزويدهم بالمعلومات وما يتمتعو به من صلاحيات, كما ادرك محمود اهميه ترشيح بعض العراقيين للعمل كمفتشين على المفاعلات النووية وذلك لاكتساب المزيد من الخبرة وفهم اجراءات التفتيش واليه عمل المفتشين انفسهم. ولكن اهم ما قدمه محمود من خدمات كان تنبيه المسؤولين العراقيين وابلاغهم في وقت مبكر بنجاح الاقمار الصناعية واجهزة الاستشعار عن بعد في كشف المواقع في النووية السريه وخصوصا تلك التي تقام تحت الارض ونتيجة لذلك تجنب العراق بناء اي من المرافق النووية تحت الارض. ومن السخرية بمكان, ان التفاهم التدريجي الذي نشأ نتيجة للعلاقات الوثيقة بين العراق, والوكالة الدولية كشف مدى ضعف الوكالة وسهولة خداعها والتلاعب بها. فلم يكن الامر يتطلب اكثر من ممارسة قليل من الضغط من الدول الاعضاء حتى يجد المفتشون انفسهم في وضع صعب. فاذا كتب احدهم على سبيل المثال, تقريرا حول نشاطات تثير الشكوك في الدولة التي زارها, وتم تسريب هذا التقرير الى وسائل الاعلام, وهو الامر الذي غالبا ما كان يحدث, فان الدولة المعنية يمكن ان ترفض السماح له دخول البلاد في المستقبل, زيادة على ذلك, واستنادا الى عبد الواحد الساجي, وهو العراقي الاول الذي عمل كمفتشو لدى الوكالة, فانه اذ عرف عن احد المفتشين بانه عدائي او متهور, فان عددا قليلا جدا من الدول قد يسمح له بتفتيش مواقعها ومرافقها النووية. الاهم من هذا كله, ان الوكالة الدولية كانت مفيدة للغاية لبرنامج الاسلحة النووية العراقية وذلك بمساعدته في الحصول على التقنيات النووية. فقد وافقت الوكالة على استيراد العراق لكميات لابأس بها من وقود اليورانيوم المخصب للمفاعل الذي استخدمه في اجراء التجارب والابحاث دون الاخذ بعين الاعتبار انه من المحتمل ان يقوم العراق بتحويله لاستخدامات عسكرية. ان نظام المراقبة الجديد والذي اعتمد عام 1993 يمكن ان يسد الثغرات السابقة ويراقب محاولات العراقيين المستقبلية في هذا المجال. اما اذا استمر العمل بنظام المراقبة القديم, فانه لن يكون كافيا لمنع صدام حسين الذي عرف بالعناد والتصميم والمثابرة من انتاج اسلحة نووية. بعد حربين مدمرتين شهدت مجازر عدة بحق المدنيين الاكراد وغيرهم, فان الطبيعة الاجرامية للنظام العراقي لم تعد خافية على المجتمع الدولي. ولكن ما لايزال خافيا على المجتمع الدولي حتى الان هو تصميم نظام الحكم العراقي على متابعة برامجه وتطويرها لانتاج اسلحة الدمار الشامل بما فيها الاسلحة النووية حالما يتم رفع العقوبات المفروضة عليه. فخبراء الاسلحة النووية لايزالون ينتظر ون اللحظة المناسبة لاستئناف عملهم وخصوصا ان الخبرة وآلية العمل لاتزال موجودة, وصدام حسين, وزملاؤه يتمتعون بما يكفي من الخبرة في فنون الخداع والمراوغه. احد كبار المسؤولين في هيئة الطاقة النووية العراقية ومن الاوائل الذي عملوا على انشائها وتطويرها الى ان هرب الى واشنطن وطلب اللجوء السياسي فيها العام الماضي