تقع عملية المراجعة الدورية للأداء التفاوضي من جميع جوانبه الشكلية والموضوعية, ضمن المهام التي يفترض ان يضطلع بها اي طرف قدر له ان يخوض تجربة التفاوض. وترتقي هذه العملية الى مصاف الضرورات القصوى, حين تتصل الآلية التفاوضية بقضايا المصير وجودا وعدما . التفاوض عموما هو احد ادوات ادارة العلاقات الانسانية, التي نستخدمها في حياتنا بشكل مستمر. ويمثل التفاوض السياسي (او الاقتصادي...) واحداً من ابرز آليات التفاعل مع الآخرين في العلاقات الدولية. وهو كأية آلية اخرى, حقيق باعادة النظر والتدبر بين الحين والآخر, بهدف تحسين الاداء وفق الاهداف العليا للامة. وفي اطار التأمل في صيغة اوسلو وتوابعها قد يثور التساؤل عما اذا كان ثمة ما ينبغي النصح به, فقد حظيت الصيغة بتفنيد ناقد متفحص طوال السنوات الخمس الماضية, بما قد لا يسمح بزيادة لمستزيد, بل وربما صح القول بأن المفاوض الفلسطيني محظوظ من هذه الزاوية, فعلى رغم افراطه في الانفراد بعملية التفاوض, فان المعنيين بقضيته, لم يبخلوا عليه باسداء التوجيه والمتابعة ومحاولات الدعم النظري والعملي. ونحن اذا حصرنا الجدل الذي دار حول الاداء التفاوضي الفلسطيني, لاسيما لجهة ما يدخل في باب السقطات والاخطاء خلال السنوات الماضية, وجدناه يحاور النقاط التالية: اولا: السرية: وهذه ليست عيبا تفاوضيا باستمرار, لكنها في الحالة الفلسطينية ـ الاسرائيلية تكاد تكون كارثية النتائج. لان الطرف الفلسطيني يعتمد اصلا ليس على محصلة قواه الذاتية فقط, بما يسمح له باستحقاقها في غرف مغلقة. انه يستند ايضا الى مروحة واسعة من الدعم الخارجي. ولاشك انفراده بالتفاوض السري يحول بينه وبين هذا الدعم, وبكلمات اخرى, كان الرأي العام الخارجي بمستوياته المتعددة, عربيا واسلاميا وعالم ثالثياً, ومازال, بمثابة الحصن الامين للعمل الفلسطيني. ولم يكن من المستساغ ان يطلب الفلسطينيون المفاوضون المؤازرة العلنية في الهواء الطلق, فيما هم يمارسون عملية التفاوض سرا, التي عادة ما تكون غطاء لتنازلات الطرف الاضعف في موازين القوى الثنائية. ثانيا: غياب المرجعية الدولية: فالحقوق الفلسطينية تتجاوز ما ذكر في القرارين 242, 338 اللذان وردا في ديباجة اوسلو, وكانا بمثابة ذر للرماد في العيون. والواقع ان قرارات الشرعية الدولية لا تتعلق بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بالكامل, لكنها تضمن جانبا من هذه الحقوق بالمعنى القانوني والسياسي. وباهمال النص الصريح على هذه المرجعية, اضحت المفاوضات وحدها مرجعية التفاوض. ولا تستقيم هذه المرجعية, المعتمدة على موازين القوى, وامكانية تحصيل ما هو ابعد من ارادة الطرف الاقوى.. ثالثا: عمومية الصيغ والتعبيرات: اذ اصبح من المفهوم الان بحكم التجربة, كيف ادت فضفاضية وثائق اوسلو وجنوحها للغموض, الى تفسيرات متباينة تصل حد التناقض بالنسبة لقضايا حيوية.. لا يوجد مثلا نص محدد حول وقف عملية الاستيطان, ولا حول حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني, ولا حول ايلولة المرحلة الانتقالية الى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة, ولا حول كون اراض الضفة وغزة اراض محتلة من جانب اسرائيل ينطبق عليها قانون الاحتلال وترتيباته الدولية.. ولا حاجة بنا لتوقع من الذي يمكنه فرض تفسيراته في حالات كهذه. رابعا: تأجيل القضايا الاهم: الاعتراض هنا ومصدر الخطأ ليس في مبدأ التأجيل ذاته, فهذا امر جائز ومقبول, ولكن بشروط. ومن ذلك, وجود مرجعية واضحة لحل هذه القضايا لاحقا, ووجود آلية رقابية صارمة تمنع التلاعب بمصيرها في اثناء الفترة الانتقالية ووجود ما يحول دون اطلاق يد الطرف الاقوى تجاهها. وعدم الاطمئنان الى مسألة (حسن النوايا) . فالمتفاوضان هنا ليسا صديقين قديمين, كما ان القضايا المؤجلة في الحالة الفلسطينية تكاد تكون هي بذاتها قضية فلسطينية تصل ابعادها الحقيقية اكثر من ذلك. ان بعض هذه المرجئات, كان يمكن بقدر من الدأب التخلص منها لصالح الطرف الفلسطيني (كالاستيطان في قطاع غزة.. وفي الخليل), ومن المعلوم الان, ان عامل الوقت لم يعمل لصالح هذا الطرف فيما يخص كل القضايا المرجئة. وبالمناسبة, علينا التذكير بموقف وفد التفاوض الفلسطيني في واشنطن (نوفمبر 1991 ـ اغسطس 1993) الذي لولا اصراره على الحسم الفوري لكثير من القضايا التي اجلها مفاوض اوسلو, لامكنه التوصل الى اتفاق افضل. خامسا: الاستضعاف: فالطرف المفاوض لا يمكنه تحقيق نتائج مجدية, بينما هو يظن في نفسه الضعف وقلة الحيلة, ويعمل بنظرية شيء افضل من لا شيء وليس في الامكان ابدع مما هو كائن الان, وقد كان هذا المأخذ ومازال ملموسا في الاداء الفلسطيني التفاوضي.. ان مفاوضا يأنس في نفسه الضعف لابد ان يستذل للطرف المقابل, وان يدفع ثمن ذلك من مصالحه وحقوقه, وكان ومازال اجدى للجانب الفلسطيني ان ينطلق من ادراك ملخصه: انه الطرف الاقوى معنويا بين ممارسي الصراع الصهيوني العربي, فهو يملك ورقة الاعتراف بوجود المشروع الصهيوني وكيانه بالمعنى التاريخي والحقوقي. وما الذي يفيد اسرائيل على المدى البعيد ان يعترف بوجودها كل الناس, فيما ينكر صاحب الحق التاريخي في فلسطين هذا الامر ويدرجه تحت سياسة الامر الواقع الذي تنبغي مقاومته ولو بعد حين؟. سادسا: توجيه الخطاب الى الخارج: فخلال هذه السنوات من الاشتباك التفاوضي, بدا الطرف الفلسطيني كمن يهمل تصفيف اوضاعه الداخلية بهدف استنهاض القوى الذاتية, ومكامن العطاء الوطني الفلسطيني والعربي, ويخاطب فقط الاطراف البعيدة, اوروبا والولايات المتحدة والمجتمع الاسرائيلي.. وبالتواتر راح هذا الطرف يردد مقولاتهم وتوصيفاتهم وتحليلاتهم, مهملا تراثه وتراث حركات التحرر, ولاسيما ما يتصل بالمقاومة وفروضها. وقد تمثل لهذا الاعوجاج بعدم الالتزام بتوصيات التغيير واستئصال الفساد والانحلال من تضاعيف السلطة الفلسطينية, وكذا بالتركيز على سلمية المرحلة وسرعة ادانة المقاومة العنيفة, مع ان خبرات التفاوض تقول بضرورة المزاوجة بين كل انماط النضال, وان الاتجاه السلمي لا يمنع تنويع سلة الادوات الكفاحية. سابعا: اعادة التفاوض: حدث غير مرة ان قبل الطرف الفلسطيني بهذا المبدأ. وغالبا ما كانت مفاوضات الاعادة سبيلا لاهدار مزيد من الحقوق. وهذا الامر, هو الذي يغرى حكومة نتانياهو الان ويمنيها بامكانية استحلاب المفاوض الفلسطيني حتى الرمق الاخير. وعلى كل حال لا تستقيم اعادة النظر في ما تم الاتفاق عليه واصول التفاوض. فالاتفاقات تعقد لتنفذ لا لتجرى اعادة التفاوض حولها بحسب اهواء الطرف المستفيد من هذه العملية الاسترجاعية. على ان غموض النصوص قد يؤدي الى مثل هذه العملية. وهو امر توفر في وثائق اوسلو كما اشرنا. ثامنا: افتقاد الحرفية والاختصاص: اذ كثيرا ما يلاحظ ان المفاوض الفلسطيني يدير العملية التفاوضية باستسهال شديد, وعلى طريقة (قعدات العرب) , متجاهلا ان من يصلح لادارة المناورات الداخلية بين فصائل العمل الفدائي (سابقا) لا يصلح بالضرورة للتعامل التفاوضي مع عدو كاسرائيل.. التفاوض السياسي والحقوقي علم له اصول وقواعد ويستند الى خبرات, كان الطرف الفلسطيني يفتقدها بجدارة. الم يكن مدهشا الا يضم فريق التفاوض في اوسلو اي مختص في القانون الدولي وان تعرض الوثائق على خبير زائر قبل التوقيع ببضع ساعات؟. تاسعا: عدم التوازن بين مسارات التفاوض السياسية والاقتصادية: ومؤدى ذلك ان الطرف الفلسطيني انتزع ذاته من الاطار العربي العام للتفاوض, لكنه قام على مساره الخاص بالولوج في مسارات متعددة, بلا نظرة جامعة. فحتى لو افترضنا ان اوسلو السياسي كان ينزع الى الاستقلال الوطني, فان اوسلو الاقتصادي (كاتفاق باريس ـ ابريل 1994), كان يؤكد هيمنة اسرائيل على مقومات ذلك الاستقلال. ثم ان المفاوض الفلسطيني وقع في سلسلة من الاتفاقات الجزئية, كاتفاق الخليل بعد غزة واريحا, بما من شأنه ان يفضى الى مسارات متعددة تفصيلية لا يعز وقوعها في تناقضات بينية لانعدام المرجعية الشاملة. عاشرا: الاغراق في التفاصيل: وذلك الى الحد الذي يصعب فيه على فريق من المتابعين ملاحقة فيض هذه التفصيلات ومن المثير ان جماع الاتفاقات التي تم التوصل اليها لم يقدم كثيرا لمضمون العملية السلمية وهدفها الفلسطيني الاصل. فلا يستطيع احد الحكم الان (بعد كل هذه التفريعات التفاوضية) بأن الشعب الفلسطيني بات اقرب الى تحقيق اهدافه العليا, فالاعتمادية وعدم الاستقلال تكاد تتغلغل في كل جوانب حياته. لهذا ولغيره مما لا يسمح الحيز بذكره, كانت اوسلو صيغة تفاوضية غير موفقة بالنسبة لهذا الجانب.