تحل الذكرى الخامسة لتوقيع اتفاق اعلان المبادىء بين الفلسطينيين والحكومة الاسرائيلية العمالية برئاسة رئيس وزراء اسرائيل الأسبق اسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض الجنوبية الذي حضره ما يقرب من 4000شخص , وهو الاتفاق الذي حشدت له ادارة كلينتون التي كانت جديدة في الحكم كل امكاناتها ليكون حفلا تاريخيا بكل معاني الكلمة. وبلغت استعدادتها لذلك الحفل حدا نبشت فيه عن الطاولة التي وقعت عليها معاهدة السلام الاسرائيلية في كامب ديفيد عام 1978 وأحضرتها ليوقع عليها الاتفاق الاسرائيلي الفلسطيني. ودعت الإدارة كبريات الشخصيات الأمريكية اليهودية والعربية الى الحفل وجميع وزراء الرؤساء ووزراء الخارجية الأمريكيين السابقين الذين ما زالوا على قيد الحياة لحضور ذلك الحفل. خمس سنوات مضت الآن على توقيع ذلك الاتفاق كانت السنتان الأولى والثانية منها تسيران حسب المخطط والجدول الزمني الذي اتفق عليه بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الاتفاقيات التفصيلية التي وقعت بين الطرفين في القاهرة وطابا. كانت الأمور بتقدير الجميع تسير سيرا حثيثا نحو التنفيذ ونحو ما اعتقد أنها ستكون بداية حل تاريخي للقضية الفلسطينية التي سيطرت على أحداث نصف القرن الأخير من القرن العشرين وما زالت من دون حل رغم حل الكثير من المشاكل السياسية التي ارتبط حلها بنهاية الحل الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية. وكان الدور الأمريكي في هاتين السنتين الأولتين من توقيع الاتفاق في ظل حكومة حزب العمل دورا رمزيا يقتصر على حل العقد البسيطة التي كانت تقف أحيانا حائلا دون المضي قدما. ولعل العقدة الأكبر التي واجهت الأمريكيين في تلك السنتين هي اغتيال اسحاق رابين على يد متطرف يهودي وما أعقب ذلك من عمليات انتحارية نفذها ناشطون من جماعتي حماس والجهاد الاسلامي في مطلع عام ,1996 اي قبيل الانتخابات الاسرائيلية بأشهر. انتخاب نتانياهو وضع الإدارة أمام خيارين صعبين ورغم ادراك الأمريكيين أن فوز رئيس وزراء اسرائيل الحالي بنيامين نتانياهو في انتخابات اسرائيل عام 1996 سيؤدي لا محالة الى تعقيد عملية السلام على الأقل على المسار الفلسطيني, وهو ما دفع بالرئيس كلينتون شخصيا الى الإدلاء بأكثر من تصريح صريح ضده وتأييدا لمرشح العمل شمعون بيريز, فإن ما حصل بعد فوز نتانياهو لم يكن كله في الحسبان. فما أن جاء نتانياهو الى الحكم في منتصف عام 1996 حتى تجمدت عملية السلام, بل كادت الأمور أن تفجر مواجهة عسكرية شاملة بين الاسرائيليين والفلسطينيين. بعد ثلاثة اشهر فقط من وصول نتانياهو الى الحكم الذي أمر بفتح النفق في القدس في منطقة محاذية للمسجد الأقصى الشريف, وهو ما أدى الى اندلاع انتفاضة فلسطينية تطورت في يومها الأول الى مواجهة مسلحة لأول مرة بين الشرطة الفلسطينية وقوات الاحتلال الاسرائيلية أسفرت عن مقتل مالا يقل عن 60 اسرائيليا وفلسطينيا وجرح العشرات. أدركت واشنطن فورا أن الأمور ستكون أسوأ بكثير مما توقعت في حال فوز نتانياهو, ودعت الرئيس الفلسطيني ونتانياهو والملك حسين الى اجتماع قمة في واشنطن أسفر عن (تطيب الخواطر) فقط دون أن يساعد في حل القضايا الرئيسية العالقة بين الطرفين. لكن بعد فترة قصيرة من ذلك, وفي مطع عام 1997 تحديدا, تم التوصل فجأة الى اتفاق الخليل بين الفلسطينيين والاسرائيليين, وهو ما اعتبر مقدمة بداية جديدة بين اسرائيل في ظل نتانياهو والسلطة الفلسطينية بعد أن, أمل الأمريكيون أن يكون نتانياهو قد تعلم درسا في المواجهة الأولى في سبتمبر عام 1996 في اعقاب فتح نفق الحرم. لكن سرعان ما عادت الأمور الى التوتر من جديد وان لم تصل الى حد المواجهة المسلحة في شهر مارس من عام 1997 حين قرر نتانياهو الموافقة على بناء مستوطنة اسرائيلية ضخمة في جبل أبو غنيم الواقع بين القدس ومدينة بيت لحم, وهو ما اعتبر فلسطينيا فرض للوقائع على الأرض ورسم لحدود الأراضي الفلسطينية في مرحلة الحل النهائي. ومنذ ذلك التاريخ دخلت عملية سلام الشرق الأوسط مرحلة الجمود الحالي الذي هي فيه منذ ذلك التاريخ. وبرأي المراقبين السياسيين الأمريكيين, أدركت ادارة الرئيس كلينتون بعد ذلك أن التقدم في عملية السلام سيكون (بالقطارة وكالحفر في الصخر) على حد قول مساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق روبرت بليترو الذي تقاعد من وزارة الخارجية الأمريكية في ربيع العام الماضي. وأخذت إدارة كلينتون منذ ذلك التاريخ تعد العدة لشتاء طويل في العلاقة الاسرائيلية العربية عموما من جهة والعلاقة الاسرائيلية مع واشنطن من جهة أخرى. ويقول المراقبون السياسيون ان ادارة كلينتون أدركت حينذاك أنها أمام خيارين صعبين: الأول أنها اذا أرادت التقدم في عملية السلام فعليها أن تنشط, وهو ما يعني بدوره ممارسة نوع من الضغط على اسرائيل. والثاني أن تواصل دعم الموقف الاسرائيلي أو على الاقل عدم دعم الموقف العربي, وهو ما يعني تدهور العلاقة الأمريكية العربية. وأدركت الإدارة أيضا أن التقدم في عملية السلام الذي حصل في السنتين اللتين سبقتا وصول نتانياهو لم يجىء نتيجة نشاط الإدارة بقدر ما جاء نتيجة لوجود طرفين في الحكم في كل من اسرائيل والسلطة الفلسطينية (تواقين لوضع خلافات الماضي خلفهما ومنح الشرق الأوسط فرصة فتح صفحة جديدة) كما يقول بليترو الذي عايش تلك الحقبة حين كان مساعدا لوزير الخارجية السابق وارين كريستوفر لشؤون الشرق الأوسط. ويقول المحللون السياسيون ان ادارة كلينتون انتظرت بعض الوقت قبل أن تبدأ في وضع استراتيجية جديدة للتعامل مع الوضع الجديد الذي أفرز انتخاب نتانياهو رئيسا لحكومة اسرائيلية مؤلفة من الصقور الاسرائيليين الذين يرفضون بوضوح اتفاق أوسلو وعملية السلام العربية الاسرائيلية بكليتها, بل ويعتبرون أن ما حصل عليه العرب من أراض حتى وصولهم الى الحكم هو أكثر بكثير مما يستحقون, وأن المطلوب الآن من وجهة نظرهم هو (تجميد العملية أو اعادتها الى الوراء اذا أمكن) كما يقول ريتشارد هاس, المسؤول السابق عن ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي ابان عهد بوش الذي عقد فيه مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991 ويضيف هاس أنه في حين أن حكومة ليكودية كانت في الحكم في اسرائيل حين بدأت عملية السلام فإن الفرق عن الوضع الحالي هو أنه (كانت هناك حكومة أمريكية مستعدة للوقوف ضد حكومة اسحاق شامير من أجل المصلحة الأمريكية. كنا خرجنا للتو من حرب الخليج التي دمرنا فيها قوة عربية معارضة لأي تصالح مع اسرائيل. كان الاتحاد السوفييتي قد انهار ووقف معنا في حرب الخليج وفي رعاية عملية السلام, وكان علينا أن ندعم عملية سلام تحل تلك القضية التاريخية لدعم الاستقرار في المنطقة ولحماية مصالح أمريكا فيها. وبعد اشهر على الجمود الذي دخلته عملية السلام, دخلت ادارة كلينتون نفسها في مرحلة من الجمود بسبب انتخابات الرئاسة عام ,1996 التي امتدت الى مطلع عام 1997 ولم تنته تلك المرحلة بسرعة بسبب قرار وارين كريستوفر الاستقالة من وزارة الخارجية وتعيين وزير خارجية جديد لم يكن مطلعا على ملف قضايا المنطقة كما سلفه. تعرضت سمعة أولبرايت التي توصف بأنها (قوية الشكيمة وشديدة البأس) لضربة شديدة وجهها اليها هذه المرة رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو. وكانت أولبرايت بعد اجتماع لندن الشهير مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس وزراء اسرائيل في محاولة أخيرة لحمل نتانياهو على قبول المقترحات الأمريكية الداعية الى انسحاب اسرائيلي من 13.1 بالمئة من الضفة الغربية قد وجهت (انذارا) الى نتانياهو بأن يحضر الى قمة يعقدها الرئيس كلينتون بينه وبين الرئيس الفلسطيني عرفات في واشنطن بعد ذلك التاريخ بثلاثة أسابيع تقريبا للتوصل الى اتفاق اسرائيلي فلسطيني يوقف تدهور عملية السلام. وحذرت أولبرايت بوضوح في مؤتمرها الصحفي في واشنطن نتانياهو من أنه اذا قبل الدعوة الى مؤتمر واشنطن فان عليه أن يأتي وقد (قبل المقترحات الأمريكية.) ولكن نتانياهو رفض انذار أولبرايت, الذي قيل انها تشاورت بشأنه مع الرئيس كلينتون شخصيا. وساعد نتانياهو أن عددا من قادة اليهود الأمريكيين النافذين انتقدوا أولبرايت بطريقة شديدة لما وصفوه بأنه (ضغط لا مبرر له على اسرائيل.) وفي نهاية المطاف لم يحضر نتانياهو الى واشنطن ولم يقبل المقترحات الأمريكية, ولم تعلن أولبرايت المقترحات الأمريكية التي كانت تهدد باعلانها في محاولة لممارسة ضغوط على نتيناهو. وباختصار لم يدفع نتانياهو الذي ظل متعنتا في رأيه ومتحديا الإدارة غير آبه بتهديداتها المبطنة أي ثمن لذلك, خصوصا بعد أن ضمن على ما يبدو تأييد اللوبي الاسرائيلي بكامله في واشنطن وتأييد الجمهوريين في الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون. رغم أن اليمينيين الامريكي واليهودي في الولايات المتحدة رحب بتخلي أولبرايت عن انذارها ورحب بعدم نشرها المقترحات الأمريكية, فإن آخرين اعتبروا تلك الحادثة مثالا آخر على الانحدار الذي بدأ يميز عهد أولبرايت كوزيرة للخارجية, واعتبروا ذلك مسؤولا عن فشل سياسة واشنطن تجاه العراق وعن تزايد قوة الاسلام الأصولي في الشرق الاوسط. ولكن كثيرين يعترفون أنه في حين أن أولبرايت كانت تريد جادة ممارسة الضغط على نتانياهو لحمله على قبول الاقتراح الأمريكي, فإنها (لم تلق التأييد والدعم اللازمين) من الرئيس كلينتون, بل والأهم من ذلك, من نائبه آل جور الذي يشارك بفعالية في صناعة القرار السياسي الأمريكي الداخلي والخارجي على اساس أنه المرشح الرئيسي للديمقراطيين في انتخابات الرئاسة لعام ,2000 وبالتالي فإن أي قرار تتخذه ادارة كلينتون لا بد سيترك أثره عليه سلبا أو ايجابا في تلك الانتخابات. ويقول روبرت زوليك, وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية في عهد وزير الخارجية السابق جيمس بيكر الذي عرف بأنه كان يتمتع بثقة جورج بوش الكاملة ويؤثر في قراراته: (حين تنظر الى التحديات الكبيرة التي تواجهها الولايات المتحدة حاليا في الشؤون الخارجية, لا يسعك سوى أن تتساءل: أين وزيرة الخارجية الأمريكية؟ ان الشعور السائد الآن هو أن بيرجر هو الذي يدير دفة الأمور.) ويضيف زوليك ان الادارة الحالية تقوم بادارة الأزمات فقط, ولكن ليس لديها (تصور استراتيجي للوضع العالمي, ليس هناك في تصور هذه الإدارة ما يربط بين القضايا الصغيرة المتناثرة في العالم هنا وهناك. وبالتالي, فإن هذه الإدارة تحاول التركيز على حل كل قضية على حدة وكأنه ليست هناك علاقة تجمعها ببعضها بعضا.) ويضرب زوليك على ذلك مثال عملية السلام العربية الاسرائيلية والوضع المنهار الذي تمر به وبدء تقويض الموقف الأمريكي تجاه العراق. ويقول ان على واشنطن أن تدرك أن (انهيار عملية السلام مربوط ارتباطا وثيقا بانعدام التأييد الذي نحظى به لسياستنا تجاه العراق, كما أن القضيتين معا مرتبطتان بتنامي المد الأصولي في العالم العربي والاسلامي, وهو ما يفسر هذا التأييد الذي يحظى به في العالم العربي والاسلامي الارهابيون الذين يقدمون على تدمير سفارتين أمريكيتين يقتل فيهما أكثر من 250 شخصا من الأبرياء الذين لا ذنب لهم في سياسة أمريكا الداخلية أو الخارجية) . لكن التحركات الأخيرة التي بدأت تطفو على السطح وتشير الى قرب التوصل الى اتفاق بين حكومة نتانياهو والسلطة الفلسطينية على انسحاب اسرائيل منسبة 13.1بالمئة من أراضي الضفة الغربية ربما تدلل على أن ادارة كلينتون استوعبت دروس أزمتها الخارجية مع العراق أولا وفي شرق افريقيا ثانيا, وبدأت تعيد حساباتها من جديد بدءا بتنشيط عملية سلام الشرق الأوسط. ويقول بعض المراقبين السياسيين ان الرئيس كلينتون ربما أراد هو الآخر, بعد أن أدرك عمق أزمته الداخلية بسبب مشكلة لوينسكي, أن يسجل بعض الانتصارات الخارجية التي يعتقد أن هناك مجالا له لتسجيلها ما يعيد اليه قدرا من التوازن والاحترام الداخليين اللذين فقدهما بسبب مشكلة لوينسكي. ويشير هؤلاء الى أن كلينتون بعد اعترافه بعلاقته بلوينسكي مباشرة, اتجه لمعالجة ثلاث قضايا عالمية رئيسية وبدا مرتاحا الى معالجتها, وهي الأزمة الروسية التي عقد من أجلها قمة مع الرئيس يلتسين, وأزمة ايرلندا التي زارها الرئيس في طريق عودته الى واشنطن ليستقبل بحفاوة كبيرة فيها, ثم عملية السلام العربية الاسرائيلية التي أعلن عن تطور جديد فيها بعد قمته مع يلتسين بقليل, وهو قيام روسي بزيارة المنطقة بعد تغيب دام أربعة اشهر عنها. ويشدد مراقبو السياسة الخارجية على ان على أولبرايت أن تظهر خلال الأشهر القليلة القادمة أنها قادرة على اعادة ثقة الرئيس كلينتون والكونجرس والرأي العام بها, والا فإنها ستمضي السنتين القادمتين (كالبطة العرجاء) بالتعبير الأمريكي. ويقول هؤلاء ان عليها أن تنجح على الأقل في قضية رئيسية واحدة من قضايا السياسة الخارجية في هذه الفترة, ولا فإنها ستحكم على نفسها بالفناء. أما الرئيس كلينتون, فيشدد هؤلاء أيضا أن عليه أن يبدي اهتماما حقيقيا بها وبمعالجتها, وألا ينظر اليها على أنها مهرب له من قضاياه الداخلية المستفحلة. واشنطن ــ البيان -بقلم: مهند عطاالله