من الناحية القانونية الصرفة يمكن القول بأن بنود اتفاق اوسلو مازالت سارية المفعول, لكن من الناحية السياسية يمكن القول بان احداث السنوات الاخيرة تخطته كثيرا, بحيث جعلت من حاكميته القانونية مجرد اطار نظري, قليل التأثير على الواقع المعاش . نفس القول يمكن ان يقال عن قرار مجلس الامن 242 بشأن الانسحاب (او انسحاب) من الاراضي العربية. فهذا القرار اصبح جزءاً من مواد القانون الدولي, لكنه من الناحية السياسية قليل التأثير جدا, لان احداث العقود الثلاثة الاخيرة تخطته بحيث جعلته جزء من التاريخ.. وربما صح من الناحية القانونية ان يقال ان قرار مجلس الامن 242 هو اقوى نظريا من بنود اتفاق اوسلو. فالاول صادر عن هيئة دولية, تعتبر بمثابة الحاكمة العليا للنظام الدولي, اما الثاني فهو صادر عن مجرد ارادة ثنائية لدولة قومية, وحركة تحرير وطني, وكان الحرص الاسرائيلي بالغا باتجاه ابعاد الامم المتحدة, او مجلس الامن, عن ترتيبات عقده واصداره, حتى لا يأخذ مشروعية دولية (نظرية!) كالقرار 242, وبالتالي يمكن تخطيه بشكل اسهل, وبوتيرة اسرع. الغموض المقصود صيغ الاتفاق في لغة معقدة غامضة, متجانسة مع جو السرية المطلقة التي انعقد فيها, ولذلك فهو حتى اليوم يقرأ قراءات مختلفة.. وفي اثناء الحملة الاعلامية التسويقية التي رافقت اعلانه طغت ايحاءات وتبشيرات كثيرة, بأن الاتفاق الذي (سمى هجمة السلام) انما هو الخطوة الاولى الضرورية التي تمهّد لهدف اعلان الدولة الفلسطينية, وكانت تلك الايحاءات كافية لحجب الانظار عن كم التنازلات التي قدمت ـ فلسطينيا ــ من اجل اقراره. اولى تلك التنازلات جاءت في خطاب الاعتراف المرسل من ياسر عرفات الى اسحاق رابين بتاريخ 1993/9/9, وقد تضمن في بنده الاول نصا يقول: (تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بحق دولة اسرائيل في الوجود في سلام وامن) وهو النص الذي سيكبل ايدي السلطة الفلسطينية فيما بعد, ويخضعها لمزيد من المطالب والالتزامات, اما رد اسحاق رابين, بتاريخ نفس اليوم, والذي كان وجيزا جدا (اربعة اسطر فقط) فانه تجنب حتى مجرد الاعتراف بان اسرائيل تحتل اراض فلسطينية او عربية. وهكذا استطاعت اسرائيل ان تنتزع, بضربة واحدة, اعترافا فلسطينيا بمشروعيتها, في حين انها لم تعترف بسوى شرعية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني, من دون اي اشارة, للارض وكأن الدولة الفلسطينية يمكن ان تتألف من شعب دون ارض. ولم يأت الاعتراف بالسلطة الفلسطينية, ممثلا للشعب الفلسطيني, الا بعد ان تعهدت بتعديل ثمانية وعشرين بنداً من مجمل بنود ميثاق منظمة التحرير الثلاث والثلاثين, وقد ادت تلك التعديلات الى شل كل الآليات السياسية والقانونية والعسكرية التي استندت عليها نضالات الشعب الفلسطيني. وفي المقابل لم يتحدث اتفاق اوسلو عما اشيع اعلاميا وسياسيا عن تبادل السلام بالارض, ولا عن اي حقوق, من اي نوع للشعب الفلسطيني. من وراء اقنعة الغموض, كانت اي قراءة مدققة للاتفاق تفيد بأن الشعب الفلسطيني مطلوب منه ان يقدم لاسرائيل الكثير. مطلوب منه اولا ان يعتذر عن ماضيه النضالي في مقاومة اسرائيل, باعتباره ارهابا وترويعا غير مشروع للشعب الاسرائيلي, وعندما تغافل بعض قادة منظمة التحرير عن فهم تلك الحقيقة المقنعة, تم الاتصال بهم بطريق شخص, وافيدوا بان المطلوب منهم ان يقدموا اعتذارات علنية, عن ممارسات سابقة قاموا بها ضمن اسرائيل, وادانة ذلك المسلك الارهابي, وقد نفذ بعضهم ذلك المطلب بالفعل. انحسار الاقنعة بالتدريج وخلال الخمس سنوات الماضية اخذت اقنعة الغموض تنحسر وتتساقط تدريجيا, وتهدر معظم حجج وآمال المؤيدين, الذين كانوا يبشرون بأن فوائد اوسلو, لا تكمن في مقرراته المسماه (اعلان المبادئ) , وانما في التفاصيل التي تستخرج منها, او اولئك الذين كانوا يؤكدون ان ما انطوى عليه اعلان المبادئ من التنازلات, هو الحد الاقصى المطلوب تقديمه من الجانب الفلسطيني, وان التنازلات التي ستقدمها اسرائيل, ستكون بمثابة البداية الاولى لمسلسل تنازلات طويل ستخضع له اسرائيل. فبمجرد ان تتأسس نواة اولى لدولة فلسطينية, فانها ستتطور بخطوات متلاحقة, لتصبح دولة ذات سيادة, تحظى باعترافات دولية, ووضعية قانونية تخوّلها قدرة معنوية, تساجل بها الدولة الاسرائيلية. بشر هؤلاء بان خمس سنوات من عمر الاتفاق ستؤدي الى انبثاق الكينونة السياسية الدولية لفلسطين, بعد ان يكون الجيش الاسرائيلي قد جلا عن معظم الضفة الغربية. ولا ندري كيف فهم هؤلاء من التعبير الغامض في نص الاتفاق والقائل بــ (اعادة انتشار القوات الاسرائيلية) بانه يعنى الجلاء او تحرير الارض. فها هي الخمس سنوات قد مضت, والجيش الاسرائيلي مازال منتشرا في الضفة الغربية, والمستوطنات تتوسع حتى على حواشي القدس, ومصير القدس لم يفتح بعد للنقاش, دع عنك قضايا لاجئي 1948 و1967, الذين اخذ املهم يخبو شيئا فشيئا, في الحصول على اي حل ناجز لمطالبهم السياسية والوطنية. اضافات الى اوسلو.. ولم يصبح نص الاتفاق الغامض قابلا للتأويلات وحسب, وانما قابلا للاضافة اليه. واذا كانت منظمة التحرير قد طولبت في البدء بان تشطب بندا من ميثاقها يشجب الحركة الصهيونية ويدينها, وقد استجابت لذلك بالفعل, فانها قد اصبحت مطالبة اليوم, من قبل نتانياهو, بان تضيف اليه بندا جديدا يشيد بالحركة الصهيونية وانجازاتها في تعمير فلسطين. وبالطبع فليس الهدف من اضافة ذلك البند هو مجرد الاذلال او التركيع, واذا فهمت القيادة الفلسطينية ان هذه الاضافة هي مجرد تشنج او تنطع من نتانياهو, وحاولت, على سبيل المناورة والحكمة والتكتيك, ان تمرره, فانها تكون قد ارتكبت خطا جديدا, اذ ان الهدف الاصيل هو تذويب فكرة المقاومة نهائيا, ولو على المستوى النفسي او الجدلي, فكيف يمكن للمرء ان يقاوم حركة حضارية عمرت بلاده, ونقلتها الى روح العصر الحديث. وجاءت طلائع ثقافية تضيف الى اوسلو ما لم يتضمنه, فاذا كان اوسلو اطارا قانونيا سياسيا, فقد اراد هؤلاء ان يضيفوا اليه البعد الثقافي, قائلين بان الجانب الثقافي, هو الآلية الخليقة بتجذير مفاهيم اوسلو وتثبيتها, وكان غريبا ان يقود هؤلاء شخص من خارج الوسط الثقافي, بل من خارج الوسط السياسي بمعناه العام, وهو رجل الموساد ديفيد كيمجي, الذي اشرف على ما سمى بلقاءات التطبيع الثقافي في كوبنهاجن, وكان طبيعيا ان تفشل تلك المساعي, بسبب قلة النفوذ الثقافي لمن تصدوا لقيادتها ودفعها, ولكن نتانياهو لا ييأس, فاذا فشلت مجموعة كوبنهاجن في تنفيذ المهمة, فليعهد بها اذن الى البيت الابيض لينفذها بالنيابة عنه. وهكذا ارسل نتانياهو رسالة تفصيلية الى كلينتون يطالبه فيها بان يقوم شخصيا بالضغط من اجل تغيير مناهج التربية والتعليم في غزة, بما يتبنى المفاهيم التاريخية والثقافية والسياسية الاسرائيلية, ومنع الصحف الفلسطينية من استخدام اي تعابير عدائية او سلبية تجاه اسرائيل, ومراقبة المساجد ومنع خطباء الجمعة من نقد اسرائيل, او تلاوة آيات القرآن التي تنتقد اسرائيل, وبالطبع فهذه مجرد خطوة تمهيدية نحو نشر الرؤى الثقافية الاسرائيلية, ليس طوعا, وانما عن طريق الالزام.. ولكن الاسم الرسمي المهذب لذلك المشروع هو اسم (التطبيع الثقافي) ! وانضاف الى اوسلو مبدأ هدم وجرف المنازل والحقول الفلسطينية بواسطة البلدوزرات الاسرائيلية, من غير ان تحتج السلطات الفلسطينية, او تحاول منع تلك الاجراءات المخالفة للشرعية الدولية. وعن زيارته الاخيرة للارض المحتلة كتب المفكر الفلسطيني د. ادوارد سعيد مقالا منافيا لمجلة (Washington Report) تحدث فيه عن حالات الاحباط التي تتلبس كثيرين من الفلسطينيين الذين ينفقون مدخرات العمر من اجل بناء منزل يجدونه غدا انقاضا على يد البلدوزرات, ومن غير سابق انذار, دع عنك سابق حكم قضائي, او حتى تسجيل مخالفة من قبل السلطات. وعندما يتساءل المرء لماذا هدم داره؟ وقد سأل سعيد ايضا السلطات الاسرائيلية لماذا تهدم تلك الدور, تجيء الاجابة: لانها بنيت من غير تصديق.. وهنا يتساءل سعيد قائلا: ترى في اي مكان في العالم, باستثناء الارض الفلسطينية المحتلة, يطلب من المرء ان يحرز رخصة حتى يبنى دارا على الارض التي يملكها؟!.. وفي الارض الفلسطينية فان المرء حتى اذا ما سعى لاحراز تلك الرخصة, فانه في العادة لا يعطاها, مع انها تعطى بلا ادنى جهد لليهود.. ترى هل كتب على الفلسطينيين الا يبنوا, او لا يجددوا بناء الدور التي يملكونها على الارض التي يملكونها؟! ويقول سعيد في محاضرة له تناول فيها ذات الموضوع: اذا كان الخمسون الف فرد من افراد الشرطة الفلسطينية, والآلاف الاخرى من الموظفين ممن يقبعون في مكاتبهم يتلاعبون باوراقهم, لا يحركون ساكنا للاحتجاج على هذه الاوضاع, فمن هو الذي يحمى الشعب الفلسطيني من هذه التعديات.. ويمكن الاجابة على تساؤل سعيد ذلك بان مواثيق اوسلو الغامضة قد جردت الشعب الفلسطيني, وقيادته, من اي اساس قانوني, للاحتجاج على تلك الممارسات.. دبلوماسية العجز ان ما ادى الى اوسلو انما هو ضعف الارادة العام, وضعف الدبلوماسية الفلسطينية, التي ارادت ان تحسم, وهي في حالة عجز, احد الصراعات التاريخية الكبرى باسلوب المفاجآت. وكما ذكر محمد حسنين هيكل فان امثال, هذه الصراعات لا تحل بالعجلة, ولا بالاسلوب الخاطف, ولا في صخب الاصوات, والالوان, والعروض المسرحية والتلفزيونية, فالمفاجآت قد تبهر الناس للحظات, او ساعات, او ايام, او اشهر, ثم يزول تأثيرها سراعا, مثلما يمكن ايقاف العروض المسرحية الاخاذة الصاخبة, بمجرد لمسة على زر يطفىء الانوار, ويخرس الادوات, لتبقى حقائق الاشياء كما هي, بعد انقطاع ذلك العرض المثالي الجذاب. كانت القيادة الفلسطينية المفاوضة تفتقد الى حد كبير, عناصر التفاوض الرئيسية الاربع هي: (التهديد) و(العقاب) و(الوعد) و(المكافأة) حيث لم تكن منظمة التحرير من القوة بحيث تهدد اسرائيل, ولم تكن لها وسيلة لتعاقبها بها, ولم يكن بحوزتها شيء مغر يمكن ان تلوح به في شكل وعد لاسرائيل, كما لم تكن في طواياها نعم ومكافآت تغدقها على اسرائيل اذا ما استجابت لمطالبها, كانت القيادة الفلسطينية باختصار في اسوأ لحظات ضعفها بعد حرب الخليج, ولم تجد ما تستثمره سوى الاستعجال بعقد الاتفاق, ظانة ان الطرف العربي الذي يبدأ مسلسل اتفاقيات الصلح, سيكون الكاسب الاكبر, وذلك في تجاهل واضح لاصول الدبلوماسية والتفاوض المشار اليها آنفا, وهي اصول لا علاقة لها بعامل السرعة الانتهازية! اما على المسار الاسرائيلي فقد جاءت حكومة نتانياهو لتلقى عنصري (الوعد) و(المكافأة) مكتفية بتفعيل عنصري (التهديد) و(العقاب) رافضة ان تعطى حتى ما تم الاتفاق سلفا عليه, معلنة في حسم انها لن تنسحب من اكثر من 9% من الضفة الغربية, وانها لن تقبل حتى بالعرض الامريكي مع شحه بالانسحاب عن 12% من الضفة الغربية, وخطورة ذلك ان اسرائيل لن تصبح محتلة فقط للضفة الغربية, وانما ستضم اليها رسميا 6% من اراضيها, مع العمل على جعل غزة مجرد ملاذ امن كملاذات الاكراد, لا نواة اولية لبناء دولة مستقبلية. ان اصول الدبلوماسية السوية تقضى بان تمضى اسرائيل نحو اغداق بعض المكافآت والوعود للطرف الفلسطيني, طالما انه استجاب لمطالب اوسلو, وما بعد اوسلو, ولكن يبدو ان اصول الدبلوماسية السوية لا تنطبق على الدبلوماسية الاسرائيلية.. ما ينطبق عليها هو الوصف القرآني لهم (ام لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون الناس نقيراً) . والنقير هو ما يتساقط من النواة عند طرقها طرقا خفيفا.. وهذا ما لا تريد اسرائيل ان تعطيه عقب اوسلو.. القوة في فهم نتانياهو هي ان تأخذ, وتنتزع, وتهدد, وترعب, وتعاقب, ولا تعطى شيئا ابدا.. ولذلك اخذ يلغى من اوسلو كل ما يفهم منه انه حق فلسطيني, مضيفا اليه التزامات جديدة يثقل بها العاتق الفلسطيني.. استاذ بجامعة اكسفورد ـ المسيسبي*