ازاء تردي مجمل الموقف الفلسطيني فيما اصطلح على تسميته بالعملية السلمية, فان الحديث عن اتفاقات اوسلو الذي تحل هذه الايام ذكرى مرور خمس سنوات على توقيعها من المتوقع ان يتحول الى مناحة جديدة كذكرى النكبة , وذكرى النكسة وغير ذلك من مناسبات عديدة في تاريخنا المعاصر الملىء بالمناسبات غير السعيدة. واذا كانت ذكرى النكبة تشير الى ابتلاع فلسطين, فان اكتمال سيناريوهات اوسلو قد يكون ذكرى تشريع ابتلاع فلسطين من قبل اصحاب القضية ذاتها. وفي اطار الضجة المثارة بشأن اوسلو في ذكراها الخامسة تحمل الينا الانباء زيادة عدد المستوطنين في غزة والضفة فيما بعد اوسلو عن قبلها حيث وصل الى نحو 170 الفا, كما تشير الى تراجع نحو 41% من الفلسطينيين عن تأييدهم للاتفاق فيما يعارضه 27%. هذه مؤشرات من بين اخرى عديدة يمكن ان تعطينا ملامح صورة متكاملة لما ادت اليه اتفاقات اوسلو على صعيد حل القضية الفلسطينية, وهي صورة قائمة تجعلنا نؤكد التواضع الشديد لما تحقق للطرف الفلسطيني نتيجة اتفاقات اوسلو, ونعيد ما قلنا سابقا من انها خطوة نحو تفكيك مفهوم الدولة الفلسطينية. ورغم مرور سنوات خمس على توقيع اوسلو الا ان المرء يجد صعوبة في تقديم الجديد حيث تؤكد الاحداث صدق التصورات التي طرحها المعارضون والتي كانت تذهب الى ان اوسلو خطوة على طريق تنازلات طويل لا ينتهي ويحقق في المحصلة النهائية التصور الاسرائيلي للسلام. وايمانا بارتباط المقدمات بالنتائج فاننا نشير الى ما نراه الآن على صعيد الواقع انما يعد نتيجة منطقية لنصوص اوسلو. ولا يمكن تبرير هذه النصوص بالضعف الذي لازم سواء الموقف الفلسطيني او الموقف العربي بشكل عام. وحتى لو صح ذلك فان الامر يقتضي الاعتراف بأن طريق اوسلو يقضي على تحقيق الاهداف الفلسطينية, وانه لابد بالتالي من البحث عن طريق جديد, وهو ما يدعو اليه مثلا الدكتور حيدر عبدالشافي احد قيادات العمل الفلسطيني دون ان يجد اذانا صاغية. على العكس من ذلك فان ما نراه على الساحة الفلسطينية امر يدعو للدهشة والعجب. فرغم تواضع او هزالة منجزات اوسلو ان صح استخدام تعبير منجزات فان البعض مازال يثير فخرا بها ويعتبرها انجازا كبيرا يجب ان نتمسك ونعض عليه بالنواجذ ومن هؤلاء احمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المعروف بابوعلاء والذي يطلق عليه لقب احد مهندسي اوسلو. فهو يرى اهمية التمسك باوسلو باعتبار ان التخلي عنها يصب في مصلحة اليمين الاسرائيلي, وان الدولة الفلسطينية بمقتضى اوسلو اصبحت قاب قوسين او ادنى. على هذا النحو يقدم لنا مهندس اوسلو الاتفاق رغم الواقع المؤلم الذي تحياه القضية الفلسطينية والذي قد يكون اداءه هو خلال مراحل المفاوضات احد اسباب ما تواجهه هذه القضية الآن, وهو ما يعكس قضية اكبر هي ضعف الفريق التفاوضي الفلسطيني ما اسفر عن التوصل الى اتفاقات هزيلة لا تلبي الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية ولا توفر اساسا صلبا كهذه الاتفاقات يمكن من حسم الكثير من القضايا الخلافية. لقد عكس ضعف الفريق المفاوض تواضع المطالب الفلسطينية منذ بداية المحادثات.. فأبو علاء الذي يتيه فخرا بأوسلو انما يغطي على جوانب مظلمة لقد كان المفاوض الرئيسي في المحادثات بشأن الاتفاقات والمشكلة او الكارثة انه لم تكن له سابق صلة بالعمل السياسي الفلسطيني او سابق علاقات بالقنوات السرية للاتصالات رغم انه كان عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني فهو بخلفيته العملية حسبما يذكر الكاتب الاستاذ محمد حسنين هيكل مدرس رياضيات عمل في الكويت وعلى هذا يمكن فهم واستيعاب تواضع المطالب التي تم طرحها خلال المفاوضات والتي اشار اليها شيمون بيريز رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق في مذكراته. يشير بيريز في كتاب معركة السلام الى بعض مواقف ابوعلاء التي تكشف ضعف الاداء التفاوضي الفلسطيني فلدى التطرق الى الاستيطان طرح ابو علاء فكرة ان تكون المستوطنات مشاريع تعاون بين الاسرائيليين والفلسطينيين, ولدى طرح فكرة ضم اريحا الى غزة ضمن مشروع غزة ــ اريحا اعترضت اسرائيل على النقطة الخاصة بالسيطرة على جسر اللبني فاقترح ابوعلاء حراسة فلسطينية اسرائيلية للجسر مضيفا ان السيطرة الحقيقية ستكون بأيدي اسرائيل. ووفق رواية بيريز والتي يبدي فيها دهشته من مرونة ابوعلاء يشير الى ان لدى مناقشة دور القوات الاسرائيلية في ضمان دفاع خارجي وامن الاسرائىليين اشار ابوعلاء إلى انه باستطاعته ان يبدي مرونة اكبر حيال هذا الامر, مضيفا انه يمكن ان تحدد اسرائىل مواقعها الامنية الخاصة بها ولكن مع رجاء الا تعلن اسرائيل كامل الضفة الغربية منطقة امنية! (علامة التعجب من عند بيريز). هذا نموذج او مشهد يشير الى طبيعة الاداء التفاوضي الفلسطيني وهو اداء ادهش العدو نفسه. فجاءت النتائج محققة لكافة الاهداف الاسرائيلية. لا نريد ان نعيد هنا حقيقة يعلمها الجميع وهي ان اسرائىل كانت تسعى الى التخلص من قطاع غزة ولو بالانسحاب من جانب واحد وكان رابين يعلن صراحة انه يريد ان يفتح عينه فيجد قطاع غزة وقد سقط في البحر. حتى هذا الامر لم يتم بمقتضى اوسلو.. فقد كان ما يهم اسرائىل هو التخلص من صداع القطاع وطالما تحقق هذا من خلال السلطة الفلسطينية المنشأة بمقتضى الاتفاقات سعت اسرائيل الى الابقاء على المستوطنات وفرضت العديد من القيود افرغت عملية تسليم غزة من مضمونها. ورغم تواضع نصوص اوسلو فقد كشف التنفيذ الفعلي لها حرص اسرائيل على ممارسة سياسة اقل ما توصف به انها العرقلة المنظمة لبنود الاتفاق ووضع العقبات المتتالية امام السلطة الوطنية حتى تبدو في النهاية سلطة ليس لها وجود حقيقي على الارض وليست سوى كيان تابع لاسرائىل مهمته الامن في غزة واريحا مع تنازلها عن مجموعة من الاختصاصات الادارية التافهة للسلطة الفلسطينية ولعله مما يؤكد هذه الرؤية تصريحات بيريز التي ادلى بها منذ ايام واشار فيها الى ان من ابرز مميزات اوسلو انها ادت الى توقف اسرائىل عن ادارة الشؤون الفلسطينية اليومية, وهو ما يعني في النهاية أن أوسلو لم تكن تعني بالنسبة لاسرائيل أكثر من ايجاد سلطة فلسطينية مع منحها مجموعة سلطات مدنية بألا يتجاوز في النهاية مفهوم الحكم الذاتي الذي طرحته في كامب ديفيد. وعلى هذا يجد ما قلناه في موضوع سابق من أن أوسلو مثلت بداية التسليم الفلسطيني في المطالب الاسرائيلية المجالي للتأكيد على صحته, فقد جزأت القضية الفلسطينية وأرجأت النظر في أكثر جوانبها جوهرية ألا وهي: مصير القدس - المستوطنات اليهودية - حق العودة للاجئين - تقاسم المياه - خط الحدود, وهذه قضايا من المشكوك التوصل الى حل بشأنها يلبي الحدود الدنيا للطموحات الفلسطينية, ذلك ان تعليق مصير القدس للمفاوضات النهائية لم يتضمن التزاما اسرائيليا بشأنها سواء وقف مساعي ابتلاعها أو تفريغها من سكانها الفلسطينيين وعلى هذا فإن منذ توقيع أوسلو في سبتمبر 93 تتكثف وتتواصل مساعي الحكومات الاسرائيلية لتوسيع المدينة ومصادرة الاراضي الفلسطينية بشكل يؤدي في النهاية الى الاقرار بالأمر الواقع وهو يهودية المدينة المقدسة, أما حق العودة للاجئين فلم تتضمن أوسلو بشأنه أية نصوص, والنظرة المتأنية تشير الى ان كافة القضايا المعلقة للمفاوضات النهائية هي قضايا تتعلق بالسيادة ما يعني في النهاية أن السلطة لم تحوز حتى الآن أية امكانية بشأن امتلاك حرية التصرف بشأن ممارسة السيادة, ما يعني اختزال أوسلو للقضية الفلسطينية الى حكم ذاتي صرف ومحدود, ذلك انه اذا كانت اسرائيل تماطل في تنفيذ بنود الاتفاق الذي وافقت عليه في أوسلو وتراوغ في تطبيق نصوص فلنا ان نتصور موقفها في ظل حكومة يمنية متطرفة بشأن قضايا سيتم التفاوض عليها, ليست هذه دعوة الى اليأس وانما هي عرض لحقائق موقف ينبغي استيعابه جيدا حتى يمكن تحديد سبل التعامل مع الموقف مستقبلا اذا كان لنا ان نستفيد من دروس أوسلو. ذلك انه رغم مرور خمس سنوات على أوسلو الا ان هناك العديد من البنود لم تنفذها اسرائيل حتى الآن رغم دخول الطرفين - الفلسطيني والاسرائيلي - في مفاوضات طويلة بشأنها حتى ساد الانطباع لدى البعض بأن هذه البنود هي أهم أسس اتفاق اوسلو, أو بمعنى آخر اختزلت اسرائيل أوسلو في هذه الجوانب ورغم ذلك لم تنفذها, ويأتي على رأسها مطار غزة, والميناء, والممر الأمني. ولا يجد ما وصل اليه الحال على صعيد القضية الفلسطينية وصفا يمكن ان يطلق على أوسلو أفضل مما أطلقه بيريز حيث اشار الى ان اوسلو غيرت تاريخ الشرق الأوسط, وهي حقيقة لايجب انكارها, ولكن التغيير كان لمصلحة اسرائيل والذي مهد أمامها الطريق لتبوأ مكانة دولة اقليمية عظمى!! لقد استفادت اسرائيل ايما استفادة من الاعتراف الفلسطيني بها, وهي استفادة لم تتحقق بخطوات السادات السلامية تجاهها. ذلك ان الموقف الفلسطيني كان السبب في تغيير الكثير من المواقف الدولية, وكانت الحجة انه اذا كان اصحاب القضية تخلوا عن عدائهم لاسرائيل, فإن ذلك يحلهم من الالتزام بانتهاج سياسات عدائية تجاه تل أبيب, وكان من تداعيات أوسلو جرأة الأردن على الدخول في اتفاق مع اسرائيل, فكانت معاهدة وادي عربة, كما وفرت هذه الأجواء امكانيات الدعوة الى رفع المقاطعة العربية عن اسرائيل وهو ما تحقق بالفعل, ليس ذلك فقط بل استطاعت اسرائيل ان تخرج من عزلتها الاقليمية والدولية فبدأت في اقامة شبكة من العلاقات مع دول افريقية وآسيوية كانت ترفض هذه العلاقات, بل وتوصلت تل أبيب الى اقامة علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول العربية, وجرى كل ذلك دون دفع ثمن حقيقي مقابل هذه الانجازات, في الوقت الذي لم يحقق فيه الطرف الفلسطيني أي انجازات تذكر, على العكس من ذلك فان احدث الاحصاءات الدولية تشير الى انه حتى على المستوى الداخلي الفلسطيني تراجع معدل الدخول السنوي لدى الفلسطينيين انخفض بنسب تتراوح بين 25 و30% منذ توقيع أوسلو, في حين ارتفع الناتج المحلي الاسرائيلي بمقدار النصف تقريبا نتيجة لتدفق الاستثمارات في ظل أجواء السلام. ولانجد هنا سوى ان ننقل رؤية المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد التي اشار فيها الى ان اتفاق أوسلو كان مليئا بالفخاخ ويتمثل وجه القصور فيه ان يقتصر كما ذكرنا على رسم ملامح الحل المؤقت دون أن يقدم أية اشارة الى طبيعة الوضع النهائي, كما انه ليس من نصوصه ما يشير الى امكان قيام دولة فلسطينية, وتلك هي الحقيقة التي يحاول الكثيرون من مروجي أوسلو التغافل عنها.