ليس مستغربا انه في الوقت الذي جرت فيه, في العاصمة النرويجية, مراسم الاحتفال بالذكرى الخامسة لتوقيع الاتفاق الفلسطيني ـ الاسرائيلي, الذي سمي باسم العاصمة اوسلو, بدعوة من الحكومة النرويجية , وبحضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائىلي السابق شمعون بيريز, والمنسق الامريكي لعملية السلام دنيس روس (8/24), يقوم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بكل ما من شأنه دفن هذا الاتفاق او وقف مفاعيله عند الحدود التي وصل اليها. لم يقف بنيامين نتانياهو في هذه المناسبة عند حدود رفض المشاركة شخصيا في الاحتفال, معربا بذلك عن تمسكه برفض الاتفاق, حيث اكتفى بإرسال الوزير شمعون شطريت ممثلا عن حكومته, وانما قام بإعطاء التعليمات بتوسيع النشاط الاستيطاني في الخليل ونابلس, ومارس مجددا العابه واضاليله حول استعداده التجاوب مع المقترحات الامريكية بشأن اعادة الانتشار في 13% من الاراضي الفلسطينية, ولكن على اساس 10 + 3, بحيث تجري اعادة انتشار فعملية في 10% فقط, اما الــ3% فتحول الى محمية طبيعية للفلسطينيين, تحت السيطرة الامنية الاسرائيلية!. وكالعادة لم ينس نتانياهو تكرار اللازمة التي تعود التشدق بها حول التبادلية, مطالبا السلطة الفلسطينية بتعديل الميثاق الوطني ومحاربة (الارهاب) ؛ بما يؤشر لانسداد الافق امام أية بارقة امل بشأن امكانية تطبيق اسرائيل للتعهدات التي تضمنها اتفاق اوسلو الذي دخل عامه السادس. بمثل هذه التداعيات والوقائع تم تضييع خمس سنوات, هي عمر اتفاق (اوسلو) , من دون انجاز البنود المتعلقة بقيام حكم ذاتي ـ انتقالي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. فالسلطة الفلسطينية تسيطر فقط على 3% من الاراضي الفلسطينية المحتلة, بينما مازالت اسرائيل تسيطر على باقي هذه الاراضي؛ اما الاتفاقات بشأن المعابر على الحدود (مع مصر والاردن), وبشأن (الممر الآمن) الذي يصل الضفة بقطاع غزة, ومطار رفح وميناء غزة, والافراج عن آلاف المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال, فكل هذه القضايا لاتزال معلقة بسبب رفض الحكومة الاسرائيلية تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها, خصوصا تلك المتعلقة بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية وعودة النازحين. على رغم ذلك فان قيام حكم ذاتي فلسطيني في الاراضي الفلسطينية المحتلة اصبح امرا واقعا, بوجود بنى ومؤسسات هذا الحكم, وبالنظر للشرعية الاقليمية والدولية و(حتى الاسرائيلية) التي بات يحظى بها. ولكن مرور الاعوام الخمسة السابقة من عمر الاتفاقات, بالشكل الذي سارت عليه وبالاحباطات والتعقيدات والمماطلات التي شهدتها, بات يفتح المجال على خطرين كبيرين يهددان الكيان الفلسطيني الناشيء: الخطر الاول, يتمثل بتجميد المسار السياسي مع الفلسطينيين عند النقطة التي وصل اليها, وهذا يعني تقليص حدود هذا الكيان, وتقييد سلطاته, وصولا ربما الى اعتباره كيانا ملحقا باسرائيل, وهذا ما تحاول حكومة نتانياهو التهديد به, ربما لتفرض على الفلسطينيين القبول بتفسيراتها وتعديلاتها الخاصة لاتفاقيات اوسلو. وهذا يقودنا لتبين ملامح الخطر الثاني, المتمثل باختزال قضية الفلسطينيين الى مجرد قيام حكم ذاتي, حيث ان عدم استكمال المرحلة الاولى (المتعلقة باستكمال مقومات الحكم الذاتي) سيحول دون الانتقال الى المرحلة الثانية المتعلقة بالتفاوض حول قضايا الحل النهائي (التي تشمل قضايا القدس اللاجئين, المستوطنات, الترتيبات الامنية, وغيرها من القضايا السيادية). ومن الواضح ان اسرائيل خصوصا, في ظل حكومة نتانياهو تتعمد المماطلة والتسويف, من اجل تمرير سياستها وفرض الامر الواقع, بحيث تصبح التسوية الانتقالية ـ المرحلية هي التسوية النهائية. هكذا فان مجمل الوقائع السياسية على الصعيد التفاوضي الفلسطيني ـ الاسرائيلي تؤكد بان اتفاق (اوسلو) قد استنفد اغراضه, وان هذا الاتفاق بات شيئا من الماضي, فلا الطرف الفلسطيني يملك قدرة ارغام الحكومة الاسرائيلية على تطبيقه, ولا الحكومة الاسرائيلية راغبة به, في سعيها لفرض واقع سياسي جديد يحد من طموحات الفلسطينيين ويقلل من شأنها لدى الرأي العام الاسرائيلي, الذي يقف وراء الائتلاف الاسرائيلي الحاكم؛ اما الولايات المتحدة الامريكية, فقد اكدت على موقفها التقليدي بشأن عدم التدخل لفرض اتفاق لا يرغب به احد الاطراف. من كل ذلك نستطيع الاستنتاج بأن اتفاق اوسلو قد انتهى من الناحيتين: النظرية والعملية. من الناحية النظرية لم تعد نصوص هذا الاتفاق تمثل مرجعية للطرفين المعنيين, فالطرف الاسرائيلي يعتبر هذا الاتفاق خطرا على اسرائيل وتهديدا لدورها وتقويضا لمرتكزاتها الصهيونية, اما الطرف الفلسطيني فقد وجد نفسه رهينة تناقضات الواقع الاسرائيلي المعقد, واسير الالتباسات المتضمنة في نصوص الاتفاق, هذا فضلا عن الخلل في موازين القوى والمعطيات الاقليمية والدولية لصالح اسرائيل. اما من الناحية العملية فهذا الاتفاق جرى انتهاكه في الواقع مرات عديدة, كما هو معروف, سواء في فترة حكومة حزب العمل, او في فترة حكومة بنيامين نتانياهو, حيث جرى تطيير هذا الاتفاق, واعادة التفاوض عليه. وفي مستهل السنة السادسة من الحكم الذاتي ـ الفلسطيني, يقف الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي, امام ازمة حقيقية تتمثل بعدم قدرتهما على العودة الى الخلف, وايضا عدم القدرة على الاستمرار بسياسة المراوحة, كما يقفان امام حقيقة عدم استطاعة اي منهما تقديم تنازلات للطرف الاخر بسبب من طابع الصراع السياسي والوجودي والرمزي بينهما, كل ذلك في واقع يفرض عليهما ضرورة ايجاد مبادئ وديناميات جديدة تتيح لهما التخلص من التدهور الحاصل في عملية التسوية, بخاصة وان هذه العملية ليست مجرد عملية ثنائية خاصة بهم, انما هي جزء من عملية اقليمية ودولية تستهدف اعادة ترتيب اوضاع المنطقة سياسيا واقتصاديا وامنيا. الخلاصة: بعد خمس سنوات, كل الوقائع والمعطيات, بخاصة الاسرائيلية والامريكية, باتت تتجاوز اتفاق (اوسلو) , ورغم الاحباط والحيرة وانسداد نافذة الفرص امام الفلسطينيين فليس لديهم بديلا عن الرضوخ الذي سيؤدي الى تآكل مكتسباتهم, سوى بذل الجهود من اجل خلق هوامش صراعية لهم, تمكنهم من الصمود ومقاومة الاملاءات الاسرائيلية, وتعزز من فرصهم بفتح آفاق معادلات تفاوضية اكثر وضوحا ونجاعة لتحقيق طموحاتهم واهدافهم الوطنية. في الواقع انتهى اتفاق اوسلو بسبب التناقضات الاسرائيلية, ذاتها؛ ومع ذلك يصح القول بأن مسيرة التسوية لم تنته بعد. في كل الأحوال, ستظل القضية الفلسطينية بتعقيداتها وبرموزها, محور الصراع مع اسرائيل, طالما ان الدولة العبرية, غير مهيأة لعملية التسوية, وطالما انها ترفض تحديد حدودها الجغرافية والبشرية وطالما انها ترفض اعادة تعريف حدودها السياسية والاقتصادية. بكل الاحوال فان ازمة عملية التسوية هي ازمة السياسة في المنطقة, وهي ازمة النظام الدولي السائد, والى حين تعديل المعطيات في هذين المستويين فان هذه التسوية ستشهد المزيد من الازمات والاحباطات, مهما مر من السنوات. كاتب فلسطيني *