أدت امطار غزيرة وسيول متدفقة وارتفاعات غير متوقعة في منسوب نهر النيل الى شلل تام في مختلف مسالك الحياة وتدمير الكثير من المنشآت السكنية والصحية والتعليمية في العاصمة السودانية, وفي معظم ولايات السودان, في الغرب والشمال والشرق . كما جرفت السيول معظم الخطوط الرئيسية والفرعية التي تربط البلاد, واضحت مئات القرى يتعذر الوصول اليها او الخروج منها. باختصار اصبح السودان كله منطقة كوارث بكل ما تعني كلمة كوارث من معنى اذ تشير الاحصاءات الى أن السودان لم يشهد طوال هذا القرن كوارث طبيعية بهذا الحجم, وعجز حكومي واهمال دولي بهذا المستوى. والامر الذي يدعو للاسى والاسف ان الحكومة لم تتخذ التحوطات اللازمة لدرء ما يمكن درؤه من مخاطر تلك الكوارث بسبب عجزها ولقلة حيلتها وتدني امكاناتها. والاسوأ من ذلك هو عزلتها الدولية عن محيطها العربي والدولي. ولذلك كانت الى حد بعيد في موقف المتفرج, ومن ثم في موقف المتحرج من طلب العون بسبب سوء سلوكها في مسار السياسة الخارجية, وتماشيا مع ادعاءاتها بأنها استغنت عن عون الاخرين واصبحت دولة عظمى يحسب حسابها في كل الاصعدة الدولية بسبب الارهاب الذي احتضنت جهابذته. وأخيرا بعد أن بلغت المأساة قمتها أعلن البشير عن تكوين لجنة عليا وصفت بانها لجنة لدرء آثار السيول والفيضانات ومن مهامها تنسيق الجهود الرسمية والشعبية واستقطاب الدعم المالي والعيني, بما في ذلك دعم السودانيين العاملين في الخارج, واستقطاب الدعم العالمي بالاتصال باجهزة درء الكوارث والحماية المدنية والدولية والمحلية لعون المتأثرين بالسيول والفيضانات) . وللأسف ان هذه الدعوة الخجولة لم تكن في مستوى الكارثة, فالدولة حتى الآن لم تعلن حجم الخسائر او الاعانات العاجلة المطلوبة أو الامكانات المتاحة التي وفرتها, كما انها لم تخاطب اية حكومات مكتفية بدعوة المؤسسات المتخصصة واهل البلاد المغلوبين على أمرهم والمغتربين الذين لم يعد لديهم من المدخرات ما يمكن ان يسعفوا به اهلهم المتضررين في السودان بسبب قلة دخولهم من جهة وتزايد اعبائهم في نجدة ذويهم. ولعل ما يزيد الأسى والاسف ان الدول التي يزعم النظام صداقتها وتحالفها معه على قلقها لم تصدر عنها أية مبادرات لاسعاف المنكوبين وهو أمر يدعو الى التساؤل. حقا, ان الكوارث الطبيعية من الامور جائزة الحدوث في اية بقعة من العالم ولكن على الدول التي تلحق بها الكوارث ان تتحوط لمثل تلك الكوارث وان تستشعر مسؤولياتها بوضع كل ثقلها وامكاناتها لدرء خطرها فضلا عن استثمار علاقاتها الدولية في جلب العون المرتجى وبالسرعة المطلوبة. لكن النظام في السودان لم يتحسب لهذه المخاطر فيدخر الامكانات المطلوبة عند الحاجة او يحتفظ برصيد السودان من العلاقات الاخوية والدولية ليتدافع العالم لنجدته. لقد بدد كل علاقات السودان التي كانت مضرب المثل مع الاشقاء والاصدقاء بحيث لم تبادر اية دولة بالمساهمة المرتجاة في غوث اهل البلاد. ومما لاشك فيه ان جميع اهل السودان يذكرون آخر النكبات التي حلت بهم وهي كوارث سيول وفيضانات عام 1988 ومع انها قياسا بنكبة هذا العام تبدو اقل شأنا, فقد انبرى العالم كله لتقديم العون لدولة السودان وكان الاشقاء الاوفياء في الطليعة. ان تلك النكبة على الرغم من كونها كانت قاصرة الى حد بعيد على عاصمة البلاد وما حولها الا انها كانت أشبه باستفتاء عام على حسن علاقات النظام الديمقراطي السائد وقتئذ مع العالم وعلى حسن تقدير العالم لشعب السودان. اما الآن فلا احد يتحرك لمساندة النظام او يبادر من تلقاء نفسه لمد يد العون لدولة السودان, والسبب ان نظام الجبهة الحاكم قد دمر علاقات السودان وسمعته مع الاشقاء والاصدقاء والجيران بسبب عدوانيته وتدخلاته في شؤون الغير وتوهمه بانه يحمل رسالة عالمية تفتح الطريق امامه لكي يحكم العالم عبر تلك الايديولوجية دون ان يضع في الاعتبار حجمه أو حجم السودان وامكاناته, بل ودون ان يستشير اهل السودان في تلك الدعاوى التي تمكنت منه. وبما أن الضحك لم يعد ممكنا في مثل هذه الظروف الغاتمة والبالغة السوء والحزن, فان على جميع السودانيين بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم ان يقدروا الامور حق قدرها ويواجهوا هذا الامتحان العسير بما يتناسب ومسؤولياتهم التاريخية وارثهم الحضاري وشهامتهم المعهودة, فالوطن المنكوب والمواطنون المنكوبون هم شيء, وجبهة الترابي الحاكمة شيء آخر. ولابد من التفريق بين الامرين, ولابد من التعامل مع هذه الكارثة من منظور وطني والعمل على نجدة شعبنا العظيم الذي يناضل ويضحي الجميع من اجل فك اساره من قبضة هذا النظام الممعن في الفساد والفشل والقهر.. ويستوي في ذلك النضال من اجل اسقاط النظام مع العمل لنجدته من هذه الكارثة التي حاقت به. ولذلك فان على التجمع الوطني الديمقراطي المسؤولية الاعظم في استنهاض همم الاشقاء, واصدقاء السودان السابقين. صحفي سوداني مقيم في لندن