بإستثناء توقيع مصر لاتفاق كامب ديفيد مع اسرائيل قبل عشرين عاما لم يحظ اي اتفاق عربي مع اسرائيل بانتقادات واحتجاجات بقدر ما حظى به اتفاق اوسلو الموقع بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في سبتمبر1993ورغم ان كامب ديفيد واوسلو يعبران عن حلقة واحدة من التفريط والتنازلات العربية لاسرائيل , الا ان عددا كبيرا من الخبراء يعتبر الاول افضل نسبيا من الثاني من حيث نتائجه وتفاصيله واشياء اخرى وذلك مع التأكيد على ان كامب ديفيد كانت لها تداعياتها الخطيرة على الوضع العربي والصراع العربي الصهيوني معا. المفارقة ان اجواء السخط والاستنكار والرفض التي سادت فلسطينيا وعربيا بعد توقيع اتفاق اوسلو منذ خمس سنوات باعتباره تنازلا غير مسبوق تحولت على صعيد الحكومات العربية الى دعوة رسمية ودبلوماسية عربية لالزام اسرائيل بـ (اوسلو) . وهنا ترصد (البيان) الحصاد السياسي لهذا الاتفاق, وتأثيراته السلبية, على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ثم تداعياته على المفاوضات العربية على المسارات الاخرى. مفارقات صارخة من المفارقات الصارخة انه مع توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 وحتى الان تواصلت بل تضاعف عمليات مصادرة الاراضى الفلسطينية باطراد وانتظام فخلال العام الاول بعد الاتفاق وهو 1994 تمت مصادرة نحو 70 الف دونم من الاراضى الفلسطينية وفي عام 1995 تمت مصادرة 3500 دونم عن طريق اعلان الاراضي الفلسطينية اراضي دولة و 8900 دونم بغرض التوسع والاستيطان و 1100 دونم للاغراض العسكرية و 4680 دونما تحت زعم وادعاء انجاز مشاريع بنية اساسية وتحتية. وخلال السنوات الاربع الماضية وبعد اتفاق اوسلو بلغت الاراضي الفلسطينية المصادرة نحو 300 الف دونم تم استغلالها لاغراض استيطانية كما تبين انه وبينما كانت مفاوضات اوسلو تجرى على قدم وساق شكلت حكومة حزب العمل لجنة سرية.. مهمتها تشجيع الاستيطان وذلك بالرغم من القرار رقم 360 لعام 1992 الصادر عن نفس الحكومة بشأن تجميد البناء للحصول على ضمانات القرض الامريكي الشهير والذي يبلغ عشرة مليارات دولار. وبعد اوسلو مباشرة ابتكر حزب العمل نظرية التقسيم لنوعية المستوطنات واطلق عليها (المستوطنات الامنية) والمستوطنات السياسية حتى يبرر ادعاءات الحفاظ على امن اسرائيل ببناء مستوطنات جديدة, كما تم ابتداع سياسة توسيع المستوطنات القائمة باعتبارها نموا طبيعيا دون الحاجة الى اقامة مستوطنات جديدة. شهادة الامم المتحدة وفي تقرير عن الامم المتحدة حول الاستيطان في السنوات من 94 ــ 96 اي بعد اوسلو يكشف ان فترة حكم حزب العمل شهدت بناء واستكمال انشاء 11 الف وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية لاستيعاب 50 الف مستوطن اسرائيلي جديد وقامت حكومة حزب العمل بشراء جميع المساكن الخالية الموجودة في المستعمرات الاستيطانية وكانت تقدر بــ 3500 مسكن ويكشف التقرير ان ادعاءات حكومة العمل بتجميد المستوطنات لم تتحقق عمليا في اطار سياسة توسيع المستعمرات الاستيطانية القائمة مثل (يونادوف) ولمسائيل يرعرت (وسانه) و(أدوليم) وغيرها وفي القدس تم بناء 4000 وحدة سكنية وتم اتخاذ عدة اجراءات استيطانية لربط الكتل المحيطة بالقدس بهذه المدينة وتمت اقامة اتصال بري مباشر بين المستوطنات ومدينة القدس وكذلك استكمال بناء طريق (جيلو ــ كتلة عنصيون) كي يسهل اتصالها بالقدس وذكر التقرير الدولي انه ومنذ بداية الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 صادرت اسرائيل ثلاث ملايين دونم من المساحة الكلية للضفة وقطاع غزة من بينها 74% من الضفة بحجة المنفعة العامة او باعتبارها ارض غائبين. والملاحظ ان سنوات اوسلو شهدت تسارعا غير مسبوق في اتمام بناء وتوسيع المستوطنات ولاسيما بعد الغاء حزب الليكود بزعامة نتانياهو القرار السابق الصادر عن حكومة العمل وتخصيصه لاكثر من 530 مليون شيكل لتشجيع الاستيطان ويقدر هذا المبلغ بـ (350 مليون دولار) . مناطق أولوية للاستيطان الادهى من ذلك انه وبعد مرور ثلاث سنوات على اوسلو نجد حكومة نتانياهو تعتبر مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني ذات افضلية وأولوية عند الحكومة من حيث الاهتمام بالاستيطان وبمقتضى هذه الاولوية تم تخفيض الضرائب المالية عن الشركات والافراد والعاملين في المشروعات الاستيطانية كما يتلقى المستثمرون في مناطق المستعمرات مساعدات تعادل خمس الاموال المستثمرة ويتمتع سكان المستوطنات بما تسميه حكومة الليكود بــ (الاولوية القومية) حيث يمنحون ميزات في التعليم والصحة والتربية والاسكان والتصنيع والضمان الاجتماعي. وفي العام الاخير فقط شهدت سياسة الاستيطان ومع التراجع في عملية التسوية في اطار اوسلو زيادة كبيرة حيث تمت مصادرة الاف الدونمات من الاراضى الفلسطينية وبناء 41 مستعمرة جديدة واعداد خطة لتوسيع المستعمرات القائمة جنوب بيت لحم لمضاعفة اعداد المستوطنين فيها اربع مرات وكذلك وفي 15/7/1997 تم تحويل معسكرات الحميدات الاسرائيلية الواقعة شمال وادي الاردن الى مستعمرة استيطانية دائمة كما دشنت اسرائيل في نفس الشهر مستعمرة جديدة جنوب الخليل اسمها (ياطر) وتعد ضمن سلسلة من المستعمرات الاستيطانية المزمع انشاؤها في هذه المنطقة. وكانت ذروة الاستفزازات الاستيطانية في سنوات اوسلو انشاء مستعمرة (ابو غنيم) جنوبي القدس العربية المحتلة بقرار من حكومة نتانياهو اوائل فبراير عام 1997 وهو تحد صارخ لاوسلو ولقرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة بين الجانبين ورغم صدور قرار عن الجمعية العامة للامم المتحدة دعا الى وقف جميع الاشكال الاستيطانية واحترام ماتم توقيعه الا ان اسرائيل ضربت كعادتها بكل قرارات الامم المتحدة عرض الحائط. والمعروف ان مستعمرة ابو غنيم سيتم انشاؤها على 98% من الاراضى العربية المصادرة وستتكون من 6500 وحدة سكنية على مساحة 1850 دونما وتشمل الخطة الرئيسية مساحة قدرها 2056 دونما وتستوعب في مراحلها الاولى نحو 30 الف مستوطن وفي حالة استكمالها وتوسيعها ستصل طاقاتها الاستيطانية الى نحو 100 الف مستوطن وبالتالي فهي اكبر واضخم المشاريع الاستيطانية الاسرائيلية في تاريخ الصراع العربي ــ الاسرائيلي وسيكون من الطبيعي حال تنفيذها كاملة قطع الطريق وكل وسائل الاتصال البري والبشري بين القدس العربية ومحيطها الفلسطيني. المفاوضات المنفردة وحول تأثير اتفاق اوسلو الذي تم على المسار الفلسطيني على بقية المسارات العربية الاخرى يرى السفير احمد بن حلي الامين العام المساعد للجامعة العربية للشؤون العربية, ان من سلبيات الاتفاق من الناحية السياسية والدبلوماسية تأثيراته على ما نسميه بــ (وحدة الموقف التفاوضي العربي الذي كان يرتكز على عدة ثوابت منذ بدأت مسيرة التسوية في مؤتمر مدريد عام 1991 وهي: * ان نجاح التسوية مرهون بتطبيق قرارات الشرعية الدولية والزام اسرائيل بالانسحاب من الاراضى العربية المحتلة في فلسطين والجولان السورية, والجنوب اللبناني المحتل. * القبول بمبدأ الارض مقابل السلام ووقف جميع اشكال الاستيطان والاحتلال والتوسع على حساب الاراض العربية المحتلة. * ان اية ترتيبات لتطبيق هذه الالتزامات تكون دولية وفي اطار الامم المتحدة ومجلس الامن وتحت مظلتهما ورعاية الدولتين الراعيتين للعملية السلمية وهما الولايات المتحدة الامريكية وروسيا. ومن هذه الزواية فان اتفاق اوسلو الذي تم التوصل اليه عام 1993 كان اضعف واقل بكثير مما انتهت اليه القرارات الدولية المنصفة للحقوق العربية المشروعة, وبالتالي فإن الدرس المستفاد من تجربة اوسلو على المسارات العربية الاخرى هو التمسك العربي بالثوابت التي تم التأكيد عليها في بداية مؤتمر مدريد للسلام وهي نفس الثوابت التي اجمع عليها القادة والملوك والرؤوساء العرب في اخر قمة عربية عقدت في القاهرة في يونيو 1996. الدرس الاخر هو الوعي والادارك العربي بالمحاولات الاسرائيلية المستمرة لتفتيت واضعاف الموقف التفاوضي العربي عن طريق المفاوضات الثنائية والمنفردة بين اسرائيل وكل دولة عربية على حدة كما حدث على المسار الفلسطيني وفي هذا الاطار فإن الجامعة تساند وتشجع التنسيق السياسي والدبلوماسي بين سوريا ولبنان وترفض المحاولات الاسرائيلية للفصل بين المسارين لانه يستهدف اضعاف الطرفين لصالح تحقيق اكبر قدر من المكاسب الاسرائيلية واكبر قدر من التنازلات العربية في الوقت ذاته. رغم ذلك يقول السفير بن حلي: ان الدول العربية اصبحت الان اكثر رغبة في التنسيق والتعاون فيما بينها لبلورة موقف عربي موحد من العملية السلمية والربط بين اي علاقات تعاون مع اسرائيل وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية, كما تحرص الدول العربية على عدم تقديم اي تنازلات جديدة وتتحرك باتجاه التمسك بمقررات القمة العربية في 96 والشرعية الدولية ومجلس الامن. قتل الفلسطينيين وضمن الحصاد السياسي لاتفاق اوسلو يأتي احدث تقرير حول حقوق الانسان في فلسطين للمنظمة العربية لحقوق الانسان ليرصد العشرات من التجاوزات والانتهاكات الاسرائيلية في سنوات اوسلو (93 ـ 98) ويقول التقرير: في ظل اوسلو ظلت اعمال قتل الفلسطينيين متواصلة نتيجة استمرار قوات الاحتلال الاسرائيلية في اطلاق النار على كل من يعبر عن رفضه لهذا الاحتلال. وترصد تقارير المنظمة في سنوات 94,95,96,97 قتل اكثر من 148 فلسطينيا عام 1994 و40 اخرين عام 1995 و 85 اخرين عام 1996 فضلا عن وقوع العديد من المذابح التي تعرض لها الفلسطينيون منذ مذبحة الحرم الابراهيمي في الخليل في 25 فبراير 1994 والتي ترتب عليها سقوط 30 شهيدا وعدد كبير من المصابين يتراوح من 200 ـ 300 جريح نتيجة اطلاق ضابط احتياط اسرائيلي يدعى باروخ جولدشتاين النار عليهم خلال صلاة الفجر وقد حدثت هذه المذبحة في ظل وجود قوات الاحتلال الاسرائيلي المكلفة بحراسة الحرم الابراهيمي ولكنها لم تتدخل الا بعد انتهائها وقد اصبحت مقبرة جولد شتاين مزارا للمتطرفين اليهود الذين يحتفلون بذكرى جريمته وفي ظل اوسلو ايضا حدثت مذبحة نفق البراق التي وقعت بين 24 ــ 27 سبتمبر 1996 بسبب افتتاح اسرائيل للنفق الموازي للمسجد الاقصى في اطار اعمالها المتواصلة لتهويد القدس حيث حصدت القوات الاسرائيلية مايزيد على 60 قتيلا نتيجة الاستخدام الرصاص الحي في فض المظاهرات واثبتت التقارير الميدانية ان بعضها كان متعمدا وان الاصابة كانت من الخلف. وحسب المنظمة العربية لحقوق الانسان فان السلطات الاسرائيلية مسؤولة عن اعمال القتل ضد الفلسطينيين سواء بالتقاعس عن حماية المدنيين او الافراط في استخدام السلاح والقوة او بتسهيل افلات الجناة الاسرائيليين من العقوبة, فضلا عن التورط المباشر من اعمال الاغتيالات وقتل المدنيين على ايدي (فرق الموت) التي كشف النقاب عنها رسميا والتي قتلت 193 مواطنا فلسطينيا في السنوات الست الاخيرة فقط. وفي سنوات اوسلو وطبقاً لاعترافات القادة الاسرائيليين انفسهم وبينهم ايهود ياتوم المسؤول البارز في جهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي (الشين بيت) ارتكبت اسرائيل مذابح جماعية ضد الفلسطينيين المعتقلين وهو ما كشفت عنه صحيفة (يديعوت أحرونوت) الاسرائيلية في 26/7/1996 بقتل اسرى فلسطينيين اثر اعتقالهم بعد هجوم على حافلة ركاب اسرائيلية. المعتقلون في (أوسلو) اللافت للانظار استمرار ظاهرة اعتقال آلاف الفلسطينيين بعد توقيع اتفاق اوسلو وحسب الاحصائية التي اعدتها مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الانسان فقد بلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين منذ التوصل الى اتفاق اوسلو وحتى بدايات العام الحالي 12500 معتقل بينهم 6000 منذ اتفاق طابا الموقع في عام 1995, وقد مات 114 فلسطينياً اثناء الاعتقال بسبب التعذيب وسوء المعاملة خلال التحقيقات او الاضراب عن الطعام او نتيجة للاهمال الطبي المتعمد. ومن بين هذه الاعداد الجسيمة لايزال حوالي 4000 معتقل فلسطيني وعربي في سجون ومعتقلات اسرائيل بينهم 200 معتقل تقل أعمارهم عن 18 عاما, ويتوزع المعتقلون بين سجون مجدو ونفحة, وعسقلان, وبئر السبع .. وشطة والدامون وأيلون والرملة بالاضافة الى عشرات المحتجزين في مراكز التحقيق في الجليمة والمسكوبية وبتاح تكسفيا. ويعاني هؤلاء المعتقلون من ظروف بالغة السوء من حيث الاكتظاظ وسوء التغذية وسوء التهوية والرطوبة وتدني الخدمات الصحية وفي ذات الوقت يواجه اكثر من 500 معتقل يعانون من الأمراض المزمنة التي تحتاج رعاية صحية مستمرة ورغم ان اتفاق اوسلو ينص على الافراج بسرعة عن المعتقلين المرضى من الفلسطينيين والعرب, الا ان ذلك وبعد مرور خمس سنوات على توقيع الاتفاق لم يتحقق, والادهى أن الامر وصل الى تقديم وجبات فاسدة للمعتقلين الفلسطينيين ادت الى تسمم 150 معتقلاً, نقل خمسون منهم للمستشفيات في اجازة عيد الاضحى 1997 وهو ما ادى لاندلاع مواجهات بين المعتقلين وادارة السجون الاسرائيلية. الحصاد المر هذا الوصف للسفير طه الفرنواني مدير ادارة فلسطين الأسبق بوزارة الخارجية المصرية وخبير الشؤون الفلسطينية البارز حيث يقول: خلال خمس سنوات من أوسلو حصد الاسرائيليون كل شيء ولم يبق من حقوق الشعب الفلسطيني سوى (الفتات) وتمكنت اسرائيل من التنكر والالتفاف حتى على هذا القليل الذي التزمت بمنحه للفلسطينيين في اطار اتفاق اعلان المبادىء الموقع قبل خمس سنوات) . ويدلل السفير الفرنواني في رصده وتحليله للحصاد السياسي (المر) لاتفاق اوسلو من خلال عدة مؤشرات وبراهين يلخصها فيما يلي: 1ــ ان الاتفاق لم ينص صراحة بالنص ولا حتى ضمنياً على عودة او استعادة القدس واعتبارها مسألة خاضعة للتفاوض لا يعني التسليم الاسرائيلي بأي حقوق للفلسطينيين فيها, بمعنى ان أوسلو لم يرتب اي حقوق للفلسطينيين في القدس وهو ما تستند عليه كل الترتيبات والاجراءات التوسعية والاستيطانية غير المسبوقة التي جرت في المدينة المقدسة منذ توقيع الاتفاق وحتى الآن وكأن اسرائيل في سباق مع الزمن للتوسع وبناء المزيد من المستعمرات ومن ثم استطاعت اسرائيل مع (ميوعة وضبابية) وضع القدس في المفاوضات ان تنفذ سياسة الامر الواقع باقامة المئات من المستوطنات التي يقدر لها ان تستوعب مليون يهودي خلال المرحلة المقبلة وبالتالي جعلت اسرائيل وضع القدس شديد الصعوبة والتعقيد تفاوضياً, فضلاً عن انها وبعد أوسلو اعتبرت القدس عاصمة موحدة ونجحت في كسب التأييد الامريكي لذلك ويعتبر قادتها ان القدس عاصمتهم الأبدية وليست خاضعة للتفاوض ولا سيما انه لا يوجد نص او بند في أوسلو ينص صراحة على ذلك. 2ـ ايضاً يتمثل الحصاد السياسي (المر) في عدم عودة اكثر من أربعة ملايين لاجىء فلسطيني يعيشون في مناطق وبلدان عديدة حيث لم تسمح لهم سلطات الاحتلال الاسرائيلي بالعودة, ناهيك عن عدم الافراج عن الآلاف من السجناء والمعتقلين الاسرائيليين وبالتالي سوف تبقى قضية اللاجئين دون حل تتلاعب بها اسرائيل كيف تشاء باعتبارها تتحكم عملياً من ناحية وطبقاً لاتفاق أوسلو من ناحية أخرى في دخول أو خروج اي من ابناء الشعب الفلسطيني, واقصد من ذلك انه اذا كان اتفاق اوسلو اعطى اسرائيل حقوقاً سيادية وأمنية وعسكرية واستيطانية فهو بالتالي خول لاسرائيل كل الصلاحيات التي تجعلها تسيطر عملياً على كل الأراضي الفلسطينية, تلاحق من تشاء وتعتقل من تشاء وهذا ما حدث ولا يزال طوال السنوات الخمس اللاحقة على اتفاق اوسلو. 3ــ الأدهى والأخطر بعد مرور خمس سنوات على أوسلو هي نسبة الانسحاب الاسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة وهي نسبة هزيلة لا تفي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وهنا يذكر السفير طه الفرنواني بمجموعة من الحقائق: ان مساحة قطاع غزة 360 كم مربعاً, ومساحة الضفة الغربية 5633 كم مربعاً, ومساحة الضفة والقطاع معاً تشكل فقط 23% من مساحة فلسطين الاجمالية او الكلية ولكن في ظل اتفاق اوسلو تنازلت السلطة الفلسطينية عن نحو 40% من قطاع غزة من اجل حماية ومعيشة واستقرار 5000 مستوطن اسرائيلي وهو ما يعني ان اوسلو منح فقط 60% من غزة للفلسطينيين وهي بالطبع منزوعة السيادة والصلاحيات العسكرية والأمنية التي ستبقى في أيدي الاسرائيليين. في حالة قبول اسرائيل الانسحاب او اعادة الانتشار من الضفة الغربية وحسب المبادرة الامريكية من 13% من مساحة الضفة فإن اسرائيل ستكون حققت مكسباً هائلاً لأن اتفاق أوسلو نفسه كان يشير الى عودة نحو 90% من الضفة وغزة للفلسطينيين وبالتالي فان المحصلة هنا هي اعطاء اسرائيل وحدها حق تحديد نسب اي انسحابات او اعادة انتشار مستقبلية لقواتها من الاراضي الفلسطينية المحتلة, وحق فرض شروطها واعتباراتها الأمنية وبخاصة ان حكومة الليكود بزعامة نتانياهو تعطي كل الأولوية والاسبقية لهذه الاعتبارات قبل اي حديث عن السلام. ان معظم التقديرات والتوقعات تشير الى ان المحصلة النهائية لاتفاق أوسلو لن تؤدي الى تمكين السلطة الفلسطينية سوى من 5% من جملة الاراضي الفلسطينية وهو ما يعني خسارة فادحة للحقوق التاريخية والسياسية الثابتة للشعب الفلسطيني, وبالتالي عدم تحقيق ما يطلق عليه الحد الأدنى لهذه الحقوق باستعادة كل الضفة والقطاع والقدس العربية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عليها. مشروعية (الوسيط) ؟! ومن الخسائر التي افرزتها مرحلة (اوسلو) على حد تعبير السفير بهي الدين الرشيدي السفير السابق بالخارجية المصرية وخبير الشؤون العربية ان المرجعية الدولية, وما يسمى بثوابت القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لم يعد لها وجود حقيقي بعد اتفاق اعلان المبادىء (أوسلو) بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي, وطبقاً لهذا الاتفاق الذي لم تنفذه اسرائيل اصبحت المرجعية ليس ما انتهت اليه الامم المتحدة من القرارات 242 و338 و425 وكافة القرارات الرافضة لتهويد القدس وتغيير هويتها والتوسع والاستيطان فيها, وانما المرجعية هي ما ينتهي اليه اطراف التفاوض, فيصح على سبيل المثال اتفاق (طابا) وهو اتفاق فرعي منبثق عن اتفاق أوسلو يستهدف تحقيق بعض المكاسب الفلسطينية وبعض التنازلات الفلسطينية لصالح اسرائيل يصبح مرجعية يستند اليها المفاوضون الفلسطينيون. وسط هذا المناخ الذي غابت فيه المرجعية الدولية سعت اسرائيل منذ السنوات الاولى بعد مؤتمر مدريد في اكتوبر عام 1991 ثم بعد توقيع اتفاق أوسلو الى الغاء هذه القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي ــ الاسرائيلي واعتبارها غير ذات صفة. من هذه الزاوية يرى السفير بهي الدين الرشيدي ان من ابرز خسائر الحصاد السياسي لاتفاق اوسلو سقوط مرجعية القرارات الدولية بالنسبة للمسار الفلسطيني ويدلل على هذه الحقيقة ان الحد الادنى للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يتمثل في تطبيق قرارات الشرعية الدولية, وهي جميعاً ملزمة لاسرائيل بالانسحاب الكامل وغير المشروط من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 وهذه تشمل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة, وبما ان اتفاق اوسلو لم يعتمد هذه المرجعية ولم ينطلق منها حتى وان قال بعض المسؤولين الفلسطينيين عكس ذلك فان المحصلة هي مزيد من التنازلات التي تؤدي الى المزيد من اهدار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, وحتى اتفاق اوسلو الذي يشكل بحد ذاته اهداراً لهذه الحقوق لم يتم تنفيذه حسب مراحله وجداوله الزمنية حتى الآن. سقوط حق العودة وفي رأي الدكتور سلمان أبو ستة عضو المجلس الوطني الفلسطيني ان اخطر ما أرادت ولا تزال اسرائيل تحقيقه من خلال اتفاق اوسلو هو اسقاط حق العودة عن ابناء الشعب الفلسطيني في الخارج تحت زعم بقاء اسرائيل يهودية نقية وتهدف اسرائيل في المقابل الى عودة اعداد قليلة تسميهم (النازحين) أو غير اللاجئين الى الضفة وغزة اي من غير أراضيهم ومن المؤسف ان هذا الموقف يلقى استجابة من بعض الحكومات العربية التي لا تملك اصلاً حق التصرف بحقوق اللاجئين وكأننا نقول لهؤلاء اللاجئين (لا أمل في العودة وأن بعض التعويض احسن من لا شيء) . ويحذر ابو ستة من ان اسرائيل تخطط للتهرب من اي التزام في اطار اوسلو او العملية السلمية بحق العودة تماماً, وتسعى الى توقيع تسوية عن التعويضات يدفع تكاليفها المجتمع الدولي والدول العربية كما تسعى اسرائيل الى ربط حق العودة للاجئين والتعويض مع ما تدعيه من حقوق اليهود الذين نزحوا عن البلاد العربية, بل وتطالب اسرائيل بتعويض هؤلاء بأرقام فلكية تجاوز بكثير قيمة فلسطين الاقتصادية كلها. والمعروف ان هذا الادعاء لا يستند لأي اساس قانوني سليم لسببين: الأول: ان حق العودة للاجئين حق طبيعي غير قابل للتصرف صدرت به قرارات دولية واجبة التطبيق دون ان يكون له اي علاقة بأية قضية أخرى. الثاني: ان هذا الحق في العودة والتعويض حق قائم للفلسطينيين لدى اسرائيل مباشرة وليس لدى اية دولة عربية اخرى وكذلك ان خروج اليهود من البلاد العربية تم في تاريخ لاحق لهجرة اللاجئين ونظمته الهيئات الصهيونية اي تم باختيارهم لاسرائيل وطناً وتخليهم عن وطنهم الأصلي. سلطة ارض فلسطين وحتي لا تقع السلطة الفلسطينية في مستنقع جديد في عملية التسوية بسبب قضية اللاجئين ينصح د. ابو ستة ان تستعد القيادة الفلسطينية بكامل امكانياتها من الخبراء والمتخصصين لعمل سريع يستهدف حل قضية اللاجئين بشكل عادل ويقترح هنا انشاء سلطة اسمها (سلطة ارض فلسطين) اغراضها توثيق واسترجاع وصيانة وتطوير واستثمار املاك الشعب الفلسطيني الثابتة والمنقولة الموجودة تحت سيطرة اسرائيل واسترجاع الحقوق المترتبة عليها بما في ذلك حق العودة وما يتعلق به وتكون هذه السلطة هيئة مستقلة نابعة من ارادة الشعب الفلسطيني, وتبقى تابعة للمجلس الوطني الفلسطيني ما دام باقياً بهذه الصفة وتتعاون السلطة مع المستوى التنفيذي والسلطة الوطنية الفلسطينية كما يلزم لأغراضها. تجمع هذه السلطة الوثائق والمستندات المقدمة من الافراد والجهات وتوثق املاك الشعب الفلسطيني بكل الوسائل, وتحضر المطالبات والبيانات القانونية وتدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وأملاكه الأخرى, ويتم تمثيل هذه السلطة في جميع المفاوضات والاجتماعات والهيئات, ويجوز ان تملك السلطة اي جزء من أرض الشعب الفلسطيني او املاكه وتصونها وتستثمرها الى ان يتم تحديد المالك الفلسطيني او الجهة المستحقة فيعود اليه او اليها. ويشير د. أبو ستة الى ان 88% من مساحة اسرائيل قادرة على استيعاب اللاجئين وهو ما يمكن التركيز عليه في اي مفاوضات ضمن اتفاق اوسلو للرد على الادعاءات الاسرائيلية بعدم وجود اراض لاستيعابهم, لانه وبفحص ديموجرافية اسرائيل تبين فرص استيعابهم في مناطق ذات كثافة منخفضة ومعدومة وهي مساحات تقل قليلاً عن مساحة اراضيهم المسلوبة. القاهرة ــ (البيان) صلاح الشرقاوي