في أخطر مأزق تتعرض له منذ عام 1990وصلت الصحافة اليمنية الى طريق مسدودة في مواجهة الاجراءات الحكومية في التشريع واصدار القوانين واللوائح لتقييد حديثها فضلا عن الاجراءات والممارسات اليومية التي تعيق حرية الصحافة . ويحدد المراقبون اربعة عوامل قد تراكمت حتى اصبحت حواجز منيعة امام تقدم وتطور الصحافة من حيث عدد النسخ المطبوعة او نوعية المادة المقدمة للقراء وتتلخص تلك العوامل في: أولا: اصدار وزارة الاعلام للائحة المالية للصحافة بقرار من وزير الاعلام قبل عام وتضمنت وضع القيود على حرية الاصدار للصحف المستقلة ورفع رأس المال لكل صحيفة مستقلة تعتزم الصدور ورفع الرسوم على المكاتب للمراسلات الصحافية وجملة من القيود التي تحد من حركة الصحافي وحركة تدفق المعلومات وفرض القيود على المطابع من عدم طبع اي صحيفة او مطبوعة قبل الرجوع الى وزارة الاعلام. ثانيا: اقتياد الصحف الحزبية وكوكبة من الصحافيين الى المحاكم عند ظهور اي بوادر جادة لتناولات صحافية نقدية للاوضاع المتدهورة والمطالبة بالمصالحة الوطنية والاصلاحات السياسية, وازالة ما خلفته حرب صيف 94 من تراكمات سلبية واثار نفسية عند ابناء اليمن, وتحديدا في المحافظات الشرقية والجنوبية وجميع القضايا التي دخلت المحاكم بهذا الاتجاه رفعتها وزارة الاعلام. ثالثا: التضارب وعدم التنسيق في القضايا بين صحف المعارضة وتحديدا احزاب المعارضة ومجلس التنسيق (الثوري) الاشتراكي (والوحدي) الوحدوي الناصري, و(راي) رابطة ابناء اليمن و(التجمع) حزب التجمع الوحدوي اليمني, و(الامة) حزب الحق وهذه الصحف الحزبية رغم انضواء احزابها في اطار المجلس الاعلى لتنسيق احزاب المعارضة فانها اكثر الصحف تنافرا فيما بينها تجاه القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وجرجرة الصحف الى المحاكم. رابعا: عجز الاحزاب المعارضة حتى الآن عن تبني المواقف الايجابية تجاه الاجراءات والممارسات الحكومية للحد من حرية الصحافة والتعبير وعدم امساك احزاب المعارضة بزمام المبادرة لمواجهة الاجراءات التشريعية والقانونية التي تتخذها وزارة الاعلام باصدار تشريعات جديدة مخالفة للدستور والقوانين النافذة, فحتى الآن لم تتقدم احزاب المعارضة بأي مشروع مضاد او يقنن لا قانونية الاجراءات التي تتخذها وزارة الاعلام والحكومة, ولم ترفع احزاب المعارضة أي قضية ضد الحكومة ووزارة الاعلام لالغاء اللوائح والقرارات الصادرة بهذا الخصوص والمخالفة للقوانين والمواد الدستورية, وحدث ان رفعت دعوى ضد وزير الاعلام عن اصدار اللائحة المالية في مارس الماضي وتعثر النظر اليها امام المحكمة بسبب خلافات داخل نقابة الصحافيين ومحاولات السلطة شق وحدة صف النقابة بتشكيل كيانات نقابية بديلة عن نقابة الصحافيين اليمنيين. وهذه الاربعة عوامل اضافة الى الوضح المتردي والغياب الكامل لدور نقابة الصحافيين اليمنيين جعلت من حالة مقاومة قيود حرية التعبير, ومعوقات تطور الصحافة اليمنية مسألة شبه معدومة. وولدت حالات اليأس والاحباط لدى الصحافيين والصحف معا, وفي استطلاع وحديث مع رؤساء التحرير ومحررين صحافيين من صحف المعارضة والصحف الاهلية حول القيود على حرية التعبير يتضح ان اجابات الجميع تركزت على ان الرقابة الذاتية غدت اقوى من كل رقابة واجراءات اخرى, اضافة الى ان تدفق المعلومات اصبح قضية شبه مستحيلة ولا يلتفت اليها بالنظر الى تراكم الاجراءات والقرارات واللوائح التي صدرت خلال العام الماضي والاشهر الماضية, واصبحت كالسيف المسلط على الرقاب عند ظهور اي بوادر لتحريك قضية الحريات والقيود المفروضة على الصحافيين, وغدت مسألة الحديث عن الصحافة وحريتها موسمية تقابل بسلسلة من القرارات واللوائح التي اصبحت نافذة وحبيسة ادراج وزارة الاعلام. في الاسبوع الماضي اقر مجلس الوزراء مشروع قانون هو الأول من نوعه قضى باعتماد وسائل الإعلام الرسمية على مصدر واحد (عمليا) هو وكالة الأنباء اليمنية (سباء) والزام الوزراء وكبار مسؤولي الدولة بالتعامل واعطاء الأولولية للصحف الرسمية ووسائل الإعلام الرسمية في التصريحات وتدفق المعلومات, كما قضى القرار بتحديد ناطق رسمي باسم الحكومة (لم يصدر قرار التعيين بعد) وجاء هذا القانون الذي أقره مجلس الوزراء الاسبوع الماضي كخطوة جديدة للحد من الحريات الصحافية, تقول قيادات صحافية انه شكل خطوة جديدة للانتقال الى تقييد وتمييع حركة الصحافيين العاملين بوسائل الاعلام الرسمية, ويؤكدون انه لم تبق قيود بيد الحكومة لاتخاذها ضد الصحف الحزبية والأهلية المستقلة, فقد اتخذت كل القيود, وحدت من حرية الاصدارات الصحافة, وعدد الصحف التي تصدر حاليا هي أقل من عدد الصحف التي كانت تصدر إبان حرب صيف 94 وبعدها بفترة قليلة, ولا توجد مقارنة بين عدد الصحف التي كانت تصدر في الفترة الانتقالية (90 - 1994) والصحف التي تصدر اليوم, ولم تمنح وزارة الاعلام اي ترخيص منذ يناير 799_ حتى اليوم باستثناء ثلاثة تراخيص لصحف لم تر طريقها الى النور (كصحف مستقلة). يؤكد مراقبون وقيادات اعلامية ان العوامل الاربعة المشار اليها والاجراء الذي اتخذه مجلس الوزراء, قد شكل باعلانه الجديد هراوة في وجه الصحافيين, لتعزيز عامل الرقابة الذاتية لديهم لعدم تناول أي ظواهر, وقضايا, يغتلي بها المجتمع, وتسود في الاجهزة الرسمية من فساد وافساد, وعبث ومخالفات وتدهور معيشي, اضافة الى تناول حقائق ليس بوسع حكومة د. عبد الكريم الارياني تحملها .. بهذه الفترة تحديدا. صنعاء ــ عبدالله الأسعد