تبدو السيدات العراقيات بعباءاتهن السود في لحظات الصباح الباكر حالة خاصة لكون طقس الحياة اليومية القاسية في العاصمة الاردنية . وفي اسواق عمان العتيقة تؤكد العراقيات بائعات لنثريات وسجائر سومر العراقية ان الحياة تستحق رحلة المعاناة, وان لدى البشر قدرة استثنائية على التحدي وكسر الحصار. وتقول احداهن.. ام كاظم العراقية.. ياولدي أنا من البصرة واعيش في عمان منذ ثلاث سنوات واعيش من بيع السجائر وادوات الزينة والاقلام. الناس تعاملنا بشكل جيد, حتى الشرطة تعرف اننا نقيم بشكل غير شرعي, الا ان رجال الشرطة يتركوننا في حالنا ويتعاطفون معنا دائما. وعلى إثر حرب الخليج هرع الآلاف من العراقيين الى الاردن ومعظمهم غادر اما عائدا الى العراق, او سافر بعضهم الى روسيا والمملكة المتحدة وتركيا وقبرص وغيرها من دول العالم, بحثا عن لحظة استقرار, في حين برزت ظاهرة العراقيات اللواتي يلبسن العباءة العراقية السوداء التقليدية, وهن يتوزعن بكثرة في وسط المدينة القديمة, ويعشن على بيع النثريات, ومازالت هذه الظاهرة ماثلة حتى اليوم واصبحت جزءا من فجر عّمان ونهارها. وفي زاوية اخرى تجلس أمرأة عراقية معروفة لدى أهل عّمان وتلقب بأم الفتوح وهي شهيرة بقدرتها على قراءة الكف, ويأتي أحد الاردنيين لميازحها قائلا.. (ياحاجة ليتك تذهبين الى البيت الابيض لتقرأي لنا كف كلينتون.. وهل هناك بادرة امل في اليد الامريكية ونيتها بغسل أثم العراقيين من باطنها) . ولا ترد ام الفتوح الا بابتسامة وتقول بصوت مبحوح ومسموع يخدش الاذن ويكوي القلب (اليد الامريكية بحاجة لقطع) رد هذه السيدة يثير جوا ضاحكا بين الاردنيين المتحلقين حولها, باعتبارها تمارس الشجاعة حتى اشتقاقا من عملها كقارئة كف معروفة. وعند المسجد الحسيني وهو أقدم مساجد عّمان, تجتمع العراقيات بكثرة هناك وفي ايديهن عددا كبيرا من المسابح وخواتم الفضة المنقوش عليها اسما من اسماء الله, ويأتي الاردنيون اليهن ليسألوهن احيانا عن خاتم عتيق بجلب الحظ, ولا يعودوا عادة الا بخواتم عادية دون حظ, في عالم غابت فيه العدالة وولت فيه شمس الرحمة على غير صعيد. ويقول حميد منصور وهو مهندس عراقي يبلغ الثلاثين من العمر ويتجول في السوق الشعبي يقول لـ (البيان) .. هناك مايزيد على الف امرأة عراقية موجودة في اسواق عّمان, ومايلفت نظري امرين اولهما, ان الناس لا يحاولون التحرش بالعراقيات, بل العكس يحترمونهن باعتبارهن من ضحايا الحرب, وثانيهما انني لاحظت مرارا ان الاردنيين حين يحاولون شراء شيء ما يحاولون الدفع بشكل زائد عن سعر السلعة, في محاولة لمساعدة العراقية بشكل غير مباشر, وغالبا ما يتعرض هؤلاء للصد عبر رد اي مبلغ زائد لصاحبه الاردني. وفي لحظات الظهيرة في عّمان تتجمع العراقيات في مجموعات, وفقا للمذهب او المدينة, فهذه هي مجموعة البغداديات, وتلك مجموعة البصراويات, وهكذا, ويأتي التجمع عند ساعات الظهيرة بهدف تناول طعام الغداء, والمجموعة تساعد في التقشف وتقليل المصاريف, وقد يبدو مفهوما اقدام العراقيات على تناول وجبات ليست من المطبخ العراقي التقليدي, فالحاجة ام الاختراع, والعيش بين الاردنيين اورث الكثير من العادات. وتتراوح أعمار السيدات العراقيات عادة مابين الاربعين والخامسة والستين ونادرا ما تشاهد فتيات عراقيات يقمن بالبيع بشكل منفرد, خصوصا, ان تصرفات العراقيات في عّمان متحفظة ومعظمهن يقمن باداء الصلاة في اوقاتها مما اكسبهن هيبة اضافية وسط جموع الرجال المرتادين للاسواق. وتواصل العراقيات في عّمان مشوار الشقاء والجد, وعند ساعات الغروب, يغيب كذلك هذا المشهد الانساني المؤثر, عندما تبدأ العراقيات.. بجمع اغراضهن والرحيل نحو اماكن السكن, وغالبا ما تقيم كل خمس عراقيات في غرفة واحدة في ظروف صعبة, كذات الغرفة الضيقة التي يعيش فيها الشعب العراقي, بانتظار فسحة قد تأتي قريبا وقد تتأخر حتى اشعار آخر.