قضية عربية : اوسلو خمس سنوات خارج المسار القومي

رغم ان الحديث عن اتفاق اوسلو يتناول واقعا معاصرا, الا ان فتح ملف كامل لتناوله بمناسبة مرور خمس سنوات على توقيعه , وتقليبه ذات اليمين وذات الشمال قد يمثل نكأ لجراح يحاول البعض ان يستشعر انها تندمل بحكم ما تثيره من الم ومرارة في النفس وشجون على آمال ضاعت وتبددت في زحمة التسابق الفلسطيني على تنفيذ استراتيجية (وضع القدم ) فكان ما نراه من حصاد مر يراه البعض في مرارة العلقم من الصعب ان نتجرعه ولكننا لا يمكننا غير التجرع! واذا كان الظرف الذي تفاوض فيه الجانب الفلسطيني جاء انعكاسا لطبيعة علاقات وموازين القوى, ما انعكس على نصوص الاتفاقات والزاميتها, فان ذلك لاينفي ان جزءا من الازمة التي نعيشها كان بسبب جوانب خلل عديدة في نهج التفاوض. وقد يرى البعض ان جردة شاملة لحصاد اوسلو يمكن ان تؤدي الى الحديث ليس عن حسابات الربح والخسارة وانما عن حسابات الخسارة والخسارة باعتبار ما تحقق من ربح ليس سوى (فتات) لايمكن او لايجب ان يدرج في الحساب, غير اننا في محاولة نتمنى ان تكون موضوعية سنقوم على مدى حلقات عدة على هذه الصفحة بتقديم رؤية نتوخى فيها الشمولية والتكامل حول مسيرة اوسلو. ومن خلال نظرة شاملة نسعى لرصد كافة المتغيرات والابعاد التي القت بتأثيراتها في اتجاه جعل اوسلو حقيقة واقعة, ومساعي اسرائىل لتفريغها من مضمونها, ورسم سيناريوهات مستقبلية لمسار الازمة يستشرف امكانيات تحقق الهدف الحيوي الا وهو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة, وموقف الاطراف المختلفة حول شكلها وضرورتها في ظل الشروط التي ستقوم في اطارها وعلى اساسها. اسرائيل تجني الثمار الاقتصادية لتسوية لم تتحقق رغم كل ما يمكن ان يشهده اتفاق اوسلو من اختلاف في التقييم الا ان التقييم العربي له لن يكون ايجابيا بأي حال من الاحوال. حتى اولئك المبالغين في التفاؤل قد يرون ان الاتفاق بحد ذاته كان ايجابيا غير ان عملية التطبيق وما وصل اليه حال المسار الفلسطيني الان تنطق بان المحصلة النهائية للاتفاق سلبية للغاية. وقد مكن الاتفاق بشكل عام اسرائيل من جني العديد من الثمار والمكاسب سواء على صعيد اوضاعها وعلاقاتها الاقتصادية او على صعيد العالم الخارجي حيث استطاعت اختراق عدة جبهات كان من الصعب عليها اختراقها في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. اما على المستوى الفلسطيني فقد فاقت اثاره السلبية الحدود فتراجع الناتج المحلي الاجمالي للضفة وغزة فيما لم تسترد السلطة الفلسطينية سوى6.8% من جملة مساحة الاراضي المحتلة بعد 67. وبصفة عامة يمكن القول ان الايجابيات التي تحققت لاسرائيل في زمن التسوية وحسب التقارير والاحصاءات الصادرة عن الادارة العامة للشؤون الاقتصادية بالجامعة العربية والتي ادت بالضرورة الى انعكاسات سلبية على الواقع تمتد من مستوى نمو الاقتصاد والدخل في اسرائيل مرورا بتطور السياحة وقطاعات الزراعة والصناعة والبناء انتهاء بقدرتها على استيعاب نصف مليون مستوطن ورغم ذلك فقد نجحت في خفض معدلات البطالة من 9.5% في الثمانينات الى 5% فقط في النصف الاول من التسعينات. تراجع عربي وتقدم اسرائيلي تقول المؤشرات الاحصائية انه في ظل التراجع والتدهور في عملية التسوية السلمية حقق الاقتصاد الاسرائيلي مكاسب عديدة وانعكس ذلك بوضوح في انخفاض العجز التجاري والذي كان قد انخفض منذ بداية عام 1997 بنسبة 25% ويأتي هذا التحسن في الميزان التجاري معبرا عن زيادة ملحوظة في الصادرات بنسبة 7% وذلك بعد ان طورت اسرائيل علاقاتها السياسية والدبلوماسية بدول آسيوية ولاتينية وافريقية عديدة وساهم هذا التطوير في ايجاد فرص ذهبية للمنتجات والسلع الاسرائيلية للدخول بل والمنافسة في اسواق هذه البلدان. والظاهرة السلبية والمؤسفة في آن واحد ان العلاقات السياسية والاقتصادية العربية مع هذه البلدان ظلت دون طفرة حقيقية في المجالات التجارية والاستثمارات المشتركة على العكس تماما من اسرائيل التي تبدو وكأنها احتلت المكان الذي كان من المفترض والممكن ان تحتله الاستثمارات والصادرات العربية في هذه البلدان, وبصفه خاصة مع وجود رصيد تاريخي وسياسي قديم لعلاقات عربية قوية مع الدول الافريقية والاسيوية يتمثل في الدعم العربي الكبير لهذه الشعوب لنيل تحررها واستقلالها ثم استمرار الدعم الانمائي والانساني العربي لها في سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات... لكن كل ذلك لم يسفر بشكل عملي عن فتح اسواق للمنتجات والصادرات العربية, ولم يؤد الى تقليص التواجد الاسرائيلي في آسيا وافريقيا والادهى من ذلك ان علاقات اسرائيل ببعض البلدان الافريقية وصلت الى حالة من التطور تهدد بالفعل الامن القومي العربي وتتجه الى تنفيذ مخططات اسرائيلية لاضعاف العلاقات العربية الافريقية والاسيوية ودخول اسرائيل كطرف صاحب مصلحة في تأليب دول الجوار ضد الدول العربية. زيادة الصادرات الاسرائيلية وطبقا لمؤشر زيادة الصادرات الاسرائيلية في ظل مباحثات ومفاوضات التسوية السلمية فان الصادرات الاسرائيلية زادت بنسبة 10% العام الماضي وفي المقابل انخفضت نسبة الواردات بأكثر من 20% من النصف الاول من نفس العام. وحسب الارقام الصادرة عن الحكومة الاسرائيلية فان صادرات الماس من اسرائيل الى الاسواق الخارجية زادت بنسبة 8.5% وبلغت حوالي 1.8 مليار دولار تقريبا وبلغ مجمل الصادرات الاسرائيلية من يناير حتى اغسطس 1997 اكثر من 12.1 مليار دولار امريكي اي بارتفاع قدره 11% عن نفس الفترة الموازية من العام السابق ويلاحظ ان الزيادة في الصادرات الاسرائيلية تركزت على المعدات التكنولوجية والصناعات الاليكترونية والمنتجات الكيماوية والزراعية والاجهزة العلمية واجهزة الاتصالات والمعادن. واذا انتقلنا الى ميزان المدفوعات الاسرائيلي وفي ظل السنتين الاخيرتين ورغم ما تشهده عملية التسوية السلمية من تعثر وتراجع ملحوظين نجد انه شهد تحسنا... حيث بلغ العجز عام 1997 حوالي 2.3 مليار دولار فقط وهو ما يمثل تراجعا بنسبة وصلت الى 26% مقارنة مع العجز في الفترة المقابلة من العام الماضي حيث بلغت 3.6 مليارات دولار. استغلال الورقة الامريكية واتجهت اسرائيل الى بعض البلدان الاوروبية الجديدة مثل كرواتيا لاغلاق الباب ايضا امام ايجاد علاقات عربية متطورة معها... حيث اتفقت اسرائيل وكرواتيا على اقامة علاقات دبلوماسية بينهما وذلك بعد اجراء سلسلة من الاتصالات السرية دامت اشهرعديدة. ونجحت اسرائيل كالعادة في ان يصدر عن حكومة كرواتيا بيان يؤكد اعتذار كرواتيا عن جرائمها ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية. وتأكيدا للتنامي والتطور المفاجيء في العلاقات الاسرائيلية الكرواتية فقد صرح وزير الخارجية الكرواتي مانا عزينس في مؤتمر صحافي خاص عقده مع المراسلين الاسرائيليين في كرواتيا (انه توجد لكل من اسرائيل وكرواتيا مصلحة مشتركة في تطوير وتعزيز العلاقات بينهما وكرواتيا تريد ان تصبح حليفة للولايات المتحدة ولذا سوف تفتح كرواتيا في الفترة المقبلة سفارة لها في اسرائيل) . فاسرائيل توظف علاقاتها الايجابية المتطورة مع الولايات المتحدة في الضغط على بلدان اوروبية واسيوية وغيرها لاقامة علاقات مع هذه الدول... بحيث تلعب تل ابيب دورا وسيطا في تنمية علاقات هذه البلدان مع الولايات المتحدة ذاتها وكأن تنمية هذه العلاقات شرط لايجاد تعاون مع اسرائيل. اختراق المقاطعة واللافت للانظار ان عددا من الدول الاجنبية التي ترتبط بعلاقات تعاون مع اسرائيل هي نفسها الدول التي قررت شركاتها وبواخرها ــ حسب تقرير للجامعة العربية ــ اختراق قرارات واحكام ومبادىء المقاطعة العربية لاسرائيل وهو ما يعني بشكل او بآخر ان هذه الدول ليست احرص على علاقاتها مع العرب بقدر حرصها على تنمية وتطوير علاقاتها مع اسرائيل ومنها على سبيل المثال بولندا والمجر وبالنسبة للاولى فقد وقع وزير الصناعة والتجارة الاسرائيلي شرانسكي مع نظيره البولندي في وارسو على اتفاق لانشاء منطقة تجارة حرة بينهما وتزامن ذلك مع وجود مؤشرات لابرام اتفاق بين بولندا واسرائيل لتصدير صفقة اسلحة من الاولى للثانية قيمتها تصل الى 600 مليون دولار لكن تنفيذ الصفقة تأجل بسبب الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية على بولندا بحجة انها لم تنضم الى حلف الناتو الا منذ عدة اشهر قليلة ومن غير المعقول ان يمنح الجيش الاسرائيلي بالذات الافضلية بالصفقة. ومن اوروبا الى امريكا الشمالية وبالتحديد المكسيك حيث طورت اسرائيل علاقاتها مع المكسيك حيث قام وزير الصناعة والتجارة الاسرائيلي بزيارة الى المكسيك العام الماضي التقى خلالها بنظيره المكسيكي دينو بلانكو وقع خلالها على مذكرة تفاهم لمواصلة النشاط المشترك لدفع اتفاق منطقة التجارة الحرة بينهما الى الامام كما تم الاتفاق على اقامة لجنة عليا اقتصادية مشتركة تتعلق بموضوع التجارة بينهما. اختراق دول اسلامية الادهى والاخطر في سلسلة تراجع العلاقات العربية مع الدول النامية والاسيوية والافريقية لصالح اقامة علاقات اسرائيلية اقوى مع هذه البلدان ان اسرائيل نجحت وفي عهد التسوية خاصة بعد اوسلو في اقامة علاقات مع دول اسلامية او على الاقل ذات اغلبية مسلمة في عدد من البلدان الاسيوية والاوروبية والافريقية والمفاجأة السلبية التي لا يتوقعها احد ان النفوذ الخارجي الاسرائيلي وصل الى دولة البوسنة المسلمة ذاتها في حين كانت تل ابيب لا تتورع عن تقديم شتى اشكال الدعم العسكري للصرب في عدوانهم لمدة سنوات ضد شعب البوسنة والهرسك. والاغرب في هذا السياق ان وزيري الخارجية الاسرائيلي والبوسني وقعا خلال مشاركتهما العام الماضي في مؤتمر لوزراء الخارجية في نيويورك علي اتفاق لاقامة علاقات دبلوماسية بينهما, الامر الذي يمهد بالضرورة لاقامة علاقات في بقية المجالات الاخرى... بينما ــ وهذا من المؤسف ــ تكتفي الدول العربية بمجرد تقديم مساعدات انسانية ومواد اغاثة طبية وغذائية للبوسنة دون ان تواصل ذلك باقامة استثمارات كبيرة وفتح الباب للصادرات العربية والاتفاق على مناطق تجارة حرة مع البوسنة وغيرها... لاسيما اذا اخذنا بالاعتبار خصوصية العلاقات التاريخية والدينية بين البوسنة والبلدان العربية. ومن هنا يأخذ الخبراء والمحللون السياسيون على السياسات الخارجية العربية تجاه الدول النامية والاسلامية انها ربما تكون ايجابية من الناحية الدبلوماسية والسياسية لكنها ضعيفة ,محدودة في بعدها الاقتصادي والتجاري الامر الذي يترك فراغا شاسعا في العلاقات العربية مع هذه الدول الاسلامية تسرع اسرائيل الى ملئه بكل ما تملك من امكانات وعوامل اغراء مثل تصدير التكنولوجيا والتقنيات المتطورة واستثمار علاقاتها مع واشنطن لتطوير علاقات هذه الدول بالولايات المتحدة... فضلا عن اجتذاب هذه الدول لاستخدام واستيراد الاسلحة والمعدات العسكرية من تل ابيب والتعاون والتدريب مع اسرائيل. شوكة في ظهر العرب وما دمنا نتحدث عن كيفية توظيف اسرائىل علاقاتها مع دول الجوار العربية في تهديد الامن القومي العربي والتأثير السلبي على التوازنات الاستراتيجية في المنطقة فان العلاقات الاسرائيلية/التركية في السنوات الثلاث الماضية تعتبر نموذجا خطيرا للتدليل على نجاح اسرائيل في اضعاف العلاقات العربية/التركية واقامة علاقات اسرائيلية تركية على اسس من التحالف الاستراتيجي والعسكري والتقني والاقتصادي اصبحت شوكة في الظهر العربي. وبغض النظر عن البنود والاتفاقات التي انتهى اليها التحالف الاستراتيجي بين الجانبين فان الاخطر في هذا التعاون تأثيراته على سوريا التي مازالت اسرائيل تحتل ارضها وتستخدم تحالفها مع انقرة كوسيلة ضغط مؤثرة لاجبار سوريا على تقديم تنازلات في اطار عملية التسوية تمكن اسرائيل من الحصول على مكاسب عسكرية واقتصادية وامنية وفي سبيل ذلك نجد ان التدريبات العسكرية المشتركة بين تركيا واسرائيل والصناعات العسكرية المتبادلة والخبرات التي يتم نقلها جزء لا يتجزأ من خدمة هذه الاهداف والمخططات الاستراتيجية الاسرائيلية. حسابات الربح والخسارة توجهت (البيان) بسؤال الى السفير عبدالرحمن السحيباني الامين العام المساعد للجامعة العربية للشؤون الاقتصادية مضمونه: ماذا كسب العرب من اتفاقات ومفاوضات السلام, وماذا خسروا؟ وماذا كسبت اسرائيل؟ فقال: قبل الاجابة على السؤال لابد من تصويب وتدقيق بعض التسميات خصوصا ان استخدام تعبير السلام قد اصبح شائعا لوصف مرحلة او اتفاقات اولية تشكل مجرد بدايات يؤمل ان تنجح في تسوية الصراع كي تتطور الى مرحلة سلام, كما ان مفهوم المكسب والخسارة لا يزال مفهوما نسبيا وليس مطلقا. ويضيف الامين المساعد للجامعة العربية ان المسار الراهن للتسوية للصراع الدامي والطويل بين العرب واسرائيل حتى وفق قرارات الشرعية الدولية تبقى مجحفة بالحقوق التاريخية الفلسطينية والعربية ورغم ذلك فان التسوية في حال نجاحها تعطي فرصة لجميع شعوب المنطقة لحياة افضل ففي السلام والبناء مجالا ارحب للجميع وفي الحرب دمار مؤكد بغض النظر عمن يفوز بمعاركها. ويقول السفير عبدالرحمن السحيباني: ان التسوية الجارية مازالت عاجزة عن تحقيق استعادة الارض العربية الفلسطينية كما لا تغطي كافة المسارات فلم يحدث اي تقدم على المسارين اللبناني والسوري ومازالت اسرائيل ترفض تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وتعلن تمسكها باحتلال الاراضي السورية ولا تقبل الانسحاب منها, حتى على المسار الاردني لم تنفذ اسرائيل بعد الاستحقاقات التي يمليها الاتفاق الاردني الاسرائيلي في كثير من الجوانب المتعلقة بالمياه والحدود ومازالت اسرائيل وفي اصداراتها الرسمية تعتبر حدودها مع الاردن في الشمال والجنوب خطوط معاهدة وليست حدودا دولية كما هو الحال مع مصر. استمرار السياسات المتعنته ومن بين سلبيات وخسائر التسوية عربيا توقف اسرائيل عن تنفيذ التزاماتها المبرمة على المسار الفلسطيني سواء فيما يتعلق باستكمال المرحلتين الثانية والثالثة من اعادة الانتشار او حل الادارة المدنية وانسحاب الحكومة العسكرية الاسرائيلية او فتح الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة او الميناء او المطار او اطلاق سراح المعتقلين او تنفيذ بنود الاتفاق الاقتصادي... وكذلك التوقف عن التغيير الجغرافي والديمغرافي للاراضي الفلسطينية لخلق الوقائع واستباق مفاوضات الحل النهائي. وضمن خسائرنا والحديث للسحيباني, ان اسرائيل عادت مؤخرا الى ممارسة سياساتها الاحتلالية والاستيطانية والاجلائية واستمرت في مصادرة الاراضي الفلسطينية واقامة المستعمرات الاستيطانية وشق الطرق الالتفافية لربطها بالعمق الاسرائيلي وتمزيق اوصال الوطن الفلسطيني وتهويد مدينة القدس وتشويه معالمها الحضارية الاسلامية والمسيحية, وفي المقابل لم تزد المساحة التي يتكون منها الحكم الذاتي الفلسطيني عن 6.8% من اجمالي الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 والتي تمثل بدورها خمس مساحة فلسطين التاريخية واقل من نصف ما خصصته الشرعية الدولية للدولة الفلسطينية في قرار التقسيم رقم 181 المنشىء لدولة اسرائىل ذاتها. وفي ظل التسوية والمفاوضات بلغ مجموع ايام الحصار والاغلاق لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية التي يعيش بها نحو 94% من اجمالي الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة نحو 554 يوما خلال الفترة من الرابع من مايو 1994 وحتى 31 ديسمبر 1997 وهي نفس الفترة التي كانت تجرى فيها مفاوضات المسار الفلسطيني والمتجمدة الان بفعل التعنت الاسرائيلي. هذا الوضع كما يشير الامين العام المساعد للجامعة العربية جعل اسرائيل تحصد وتجني ثمار التسوية دون ان تقدم شيئا لاعادة الحق العربي واصبحت تحصد هذه الثمار فقط لمجرد انها قبلت الدخول في التسوية والمفاوضات رغم انها لم توف بالتزاماتها ومن ناحية اخرى كان على الاطراف العربية لاسيما الفلسطينيين ان يجنوا الاثار السلبية للتسوية والتي الحقت بالجانب الفلسطيني على وجه الخصوص خسائر بالغة واذا شئنا التعبير بالارقام والاحصائيات عن المكاسب التي حققتها اسرائيل في زمن التسوية فان هذه الارقام تقول ان قوة العمل المدنية الاسرائيلية زادت بمعدل سنوي بلغ متوسطه 4.9% مقابل 2.3% في عقد الثمانينات و2.8% في عقد السبعينات وهو ما يعني نموا كبيرا للعمالة منذ بدأت عملية التسوية في مدريد عام 1991 وحتي السنوات الاخيرة وينطبق نفس التطور على انخفاض معدل البطالة من معدل متوسط مقداره 9.5% في عقد الثمانينات الى اقل من 5% خلال النصف الاول من التسعينات وذلك رغم هجرة اكثر من نصف مليون يهودي من الاتحاد السوفييتي السابق واوروبا الشرقية لاسرائيل 65% منهم على الاقل في سن العمل. وفي ظل التسوية والمفاوضات نما نصيب الفرد الاسرائيلي من الناتج المحلي الاجمالي بمعدل سنوي بلغ متوسطه 2.2% خلال 1990 ــ 1996 مقابل 1.6% خلال عقد الثمانينات كما نما نصيب الفرد الاسرائيلي من الاستثمار الثابت بمعدل سنوي بلغ متوسطه 8.4% خلال الفترة من عام 1990 الى 1997 مقابل 1.5% خلال عقد الثمانينات و1% خلال عقد السبعينات. وباختصار فان اسرائيل شهدت ولا تزال في مرحلة التسوية فورة تنموية هائلة لم تعرفها منذ انشائها. ومازلنا مع الدلالات الرقمية لتطور الاقتصاد الاسرائيلي في سنوات التسعينات والتي بدأت بمفاوضات مدريد حيث زاد الانتاج الزراعي الاسرائيلي بمعدل سنوي بلغ متوسطه 7.4% خلال الفترة من 1990 الى 1997 مقابل 6.8% في عقد الثمانينات و6.5% في عقد السبعينات. ونما ناتج القطاع الصناعي بمعدل سنوي بلغ متوسطه 7.6% خلال الفترة من 1990 الى 1997 مقابل 2.8% فقط في عقد الثمانينات و5.2% في عقد السبعينات. ثمن التفريط وحينما ننتقل الى ثمن التسوية السياسية على مسارها الفلسطيني وبالذات في بعدها الاقتصادي والتنموي نجد تقريرا صدر حديثا عن الادارة العامة لشؤون فلسطين بالجامعة يكشف عن التدهور الكبير الذي شهدته مناطق الحكم الذاتي اقتصاديا في زمن (اوسلو) والتسوية... حيث تراجع الناتج المحلي الاجمالي للضفة الغربية وقطاع غزة بمقدار الخمس خلال الفترة من 1993 الى 1997 وانخفض نصيب الفرد الفلسطيني من الناتج المحلي الاجمالي بحوالي 25% كما انخفضت القدرة التشغيلية للاقتصاد المحلي للضفة الغربية وقطاع غزة حوالي 14% وذلك بالرغم من ارتفاع نسبة التوظيف الحكومي من 6% الى 20% وتراجعت في ذات الوقت نسبة التكوين الرأسمالي الى اجمالي الناتج المحلي من 26% الى 18.6% ونفس الامر تكرر في نسبة الاستثمار الخاص التي تراجعت بنسبة 20.7% الى 10.3% الى الناتج المحلي الاجمالي لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني. اما التجارة الخارجية الفلسطينية فانخفضت بنسبة 10% بعد توقيع اتفاق اوسلو وانخفضت الصادرات بنسبة 50%. خلافات عربية عربية على صعيد اخر فان الخسائر التي تحققت عربيا بسبب او في ظل العملية السلمية تمتد لتشمل وجود مساحات جديدة من الخلافات والحساسيات في العلاقات العربية/العربية بسبب العملية السلمية ذاتها... وذلك نتيجة خروج بعض الاطراف عن جماعية الموقف العربي والدخول في مفاوضات سرية انتهت الى اتفاقات هزيلة لا تفي بالحد الادنى من الحقوق العربية المشروعة الامر الذي اضعف الموقف التفاوضي العربي بشكل عام وادى في ذات الوقت الى تقوية الموقف الاسرائيلي من خلال التفاوض مع كل طرف عربي على حدة... وهو ما كانت تخطط له اسرائيل ونجحت في تحقيقه لتترك بذور التوتر والحساسيات بين الدول العربية الاطراف في العملية السلمية وتتمكن من ناحية اخرى من فرض شروطها والضغط لتنفيذها اعتمادا على موازين قوى استراتيجية مختلة وعلى غطاء امريكي يحميها من ادانة الشرعية الدولية وكذلك على خلافات عربية تفتح الباب لنفوذ تفاوض اسرائيلي تخدمه سياسات الامر الواقع التي تنتهجها اسرائيل لبناء المزيد من المستوطنات والتوسع في المستعمرات القائمة وتغيير الهوية العربية والاسلامية لمدينة القدس... فضلا عن رفض بناء اي مساكن فلسطينية وتنفيذ سياسات تهدف الى نزح الفلسطينيين عن ارضهم وديارهم. القاهرة ــ صلاح الشرقاوي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات