بالمفهوم العام فان سوريا ولبنان يعدان عضوان لجسد واحد. ولاشك ان ذاكرة كبار السن تذكر كيف وسع الفرنسيون منطقة الحكم الذاتي لجبل لبنان موطن المسيحيين الموارنة والدروز ليخلقوا من جمهورية لبنان عن طريق اقتطاع شرائح كبيرة من سوريا كان سكانها من المسلمين السنة والشيعة ... فالمدن الساحلية ... طرابلس والاراضي الداخلية المحيطة بها وبيروت نفسها وصور وصيدا - وكذلك وادي البقاع والجنوب كلها كانت سورية قبل ان تصبح لبنانية .فالسوريون واللبنانيون كانوا من طينة واحدة في ثقافتهم وتنوع مذاهبهم الدينية وخلفيتهم العرقية ولهجتهم العامة المحلية وحتى في مأكلهم ومشربهم. وكان سكان البلدين مختلطين متمازجين بشكل كامل مع وجود عوائل واسر لاحصر لها تمتد فروعها عبر خط الحدود المصطنع الذي رسمه الفرنسيون. ولم يمنع مثل هذا الالتصاق الحكيم من وجود بعض الشك والتنافس فكان المسيحيون اللبنانيون يخشون النزعة السورية لاسترجاع الاراضي التي اقتطعها الفرنسيون , كما كان السوريون يخشون بدورهم الارتباط التقليدي لمسيحيي لبنان بالضرب وعدم التزامهم بالقضية العربية, ولكن ذلك كله لم يحول دون ادراك السوريين واللبنانيين ان كلا منهم ينتمي الى الآخر. تأثير وتأثر وكان امتداد التأثير والتأثر في اي اتجاه مباشرا, فان كلا من السوريين واللبنانيين كانوا شديدي الحساسية لما يحدث في البلد الآخر. اما خط الحدود الجبلي فكان منفذا معروفا للمهربين واللاجئين السياسيين والعصابات المسلحة والمشاغبين , وكان اي انقلاب في دمشق موضوعا لتكهنات وتنبؤات قلقة في بيروت بينما كانت دمشق تحاول دوما ان يكون لها رأي مسموع في تركيب الحكومات اللبنانية. وكان البلدان مثل الاوعية الدموية الناقلة المتصلة بحيث ان درجة الحرارة السياسية في اي واحد منهما تؤثر حتما على الآخر. وكانت الحرب الاهلية في لبنان ربيع 1975 نقطة تحول فاصلة في علاقات الدولتين. فقد راحت نيران الحرب تمشي وتتسع بقفزات كبيرة وابتلعت الآف الضحايا عند نهاية العام واوقعت خسائر مادية كثيفة وقسمت البلدين الى عصابات مسلحة وحطمت سلطة الدولة. ومثلت الحرب في لبنان اولا وقبل كل شيء مشكلة امنية لسوريا التي بذلت محاولات متكررة لوقف القتال ووقف الانجراف نحو التقسيم. وفي قلب النزاع الذي تسبب في اشتعال الحرب كان الفلسطينيون فقد لجأ اكثر من مائة وخمسين الفا منهم الى لبنان بعد حرب 48 وتضخم عددهم حتى زاد مجموعهم على اربعمائة الف عند منتصف السبعينات وكان السبب الاساسي لذلك هو التكاثر الطبيعي, وكان هذا الوجود الفلسطيني سببا في اتساع الانقسام الاسلامي المسيحي في لبنان, هذا فضلا عن الانشقاقات والمنافسات والعداوات داخل كل من المعسكرين الاسلامي والمسيحي. اسرائيل ونفخ النار فردا على اية عمليات فلسطينية في اي مكان في العالم, وليس انطلاقا من لبنان فقط راحت اسرائيل تضرب لبنان لمجرد انه مأوى للفدائيين , وبدا ان هدف الانتقام الاسرائيلي تعدى معاقبة او ردع العدو الفلسطيني واصبح واضحا انه مبيت ومقصود لاثارة النزاع والشقاق في لبنان, وجعلت هذه الاعتداءات اللبنانيين يقفون ضد بعضهم البعض والمسيحيين ضد الفدائيين. وازاء اتساع نطاق الحرب كان تحليل سوريا للموقف ان الحرب الاهلية ينفخ فيها النار حتى تشتعل لصرف انتباه العالم العربي وجعلها غطاء لاتفاقية سيناء الثانية لاغراقها في الدم, وانها مؤامرة لجر المقاومة الفلسطينية اليها لتدميرها وتقسيم لبنان, وعلى ذلك قرر الرئيس الأسد ان يتدخل وحاول ان يقنع الاطراف المتناحرة في لبنان بالموافقة على ادخال اصلاحات فشجع في فبراير 1976 الرئيس فرنجية على اصدار وثيقة دستورية تعطي المسلمين بعض المكاسب التي كانوا يشنون حملاتهم للمطالبة بها مثل التمثيل البرلماني المتساوي مع المسيحيين وسلطات اكثر لرئيس الوزراء السني, غير انه يبدو ان محاولات الاصلاح هذه جاءت متأخرة فاستمر التناحر حتى جاءت الضربة القاضية للدولة اللبنانية ممثلة في تفتت الجيش وانقسامه الى مكوناته الطائفية في مارس 1976 وكأنه مأزق دمشق, ان اولئك المصممين اكثر من الجميع على متابعة القتال كانوا اولئك المفترض فيهم انهم اصدقاؤها والمحسوبون عليها وهم اتباع كمال جنبلاط المتشددون الذين تدعمهم القوة الفلسطينية وشعر الاسد انه مضطر للتدخل العسكري في الحرب الاهلية . وازاء فشل جهود الاسد الاصلاحية من خلال الوثيقة الدستورية سعت دمشق لانتخاب الياس سركيس في مايو 76 في وقت مبكر قبل موعد انهاء ولاية فرنجية على امل ان يتمكن رئيس جديد من تهدئة الوضع واعادة الاستقرار. فك وحصار وتعزيزا لجهود اعادة هذا الاستقرار ارسلت سوريا جيشا الى لبنان (ليعلم الفلسطينين التعقل وليبقى المسيحيين عربا) وفي ليلة 31 مايو - 1 يونيو 76 عبرت الطوابير السورية المدرعة الحدود وعلى الفور فكت حصار الفلسطينيين اليساريين عن المعاقل المسيحية ولا سيما مدينة زحلة الهامة في وادي البقاع, وكانت تلك اول مرة تستخدم فيها دمشق القوة منذ حرب يونيو 67 وقد اسىء فهم التدخل السوري في لبنان على نطاق واسع وكان مكروها على المستوى الشعبي كرها عميقا وكان على وجه العموم مغامرة خطرة قدر لها ان تفقد اصدقاء في الخارج وان تولد في الداخل ازمة كبيرة. ومكن التدخل السوري المسيحيين من التحول الى الهجوم فارتكب جيش كميل شمعون بقيادة ولده داني مذبحة مخيم تل الزعتر في 12 اغسطس 76 قتل فيها ثلاثة الاف مدني فزادت الانتقادات لتدخل سوريا التي كانت عينها لدى اتخاذ هذا القرار على اسرائيل ومحاولة تفويت الفرصة على اي جهد او عمل يشتت القدرات العربية في مواجهة اسرائيل خاصة في ظل ما بدا من سياسات مصرية تصالحية اشارت اليها اتفاقية فك القوات الثانية, فضلا عن الذريعة على اسرائىل للتدخل في الازمة اللبنانية. وفي 16 اكتوبر 76 قبل الرئيس الاسد دعوة سعودية الى مؤتمر قمة للمصالحة في الرياض فاضفيت الشرعية على وجوده في لبنان وتم الاعتراف بالقوات السورية على انها العمود الفقري لقوة اقترح تشكيلها باسم قوات الردع العربية, واعيد الفلسطينيون الى مخيماتهم وفي منتصف نوفمبر دخلت القوات السورية الى غرب بيروت فاختفت الجيوش اليسارية من الشوارع غير ان كل هذه الجهود السورية لم تحقق هدفها الاساسي وهو حرمان اسرائىل من حجة التدخل ... ففي نهاية 76 بدا ان تدخلها كان عميقا وكانت تستعرض بشيء من المباهاة علاقاتها الحميمة مع الموارنة .. وراحت الاموال والاسلحة والخبراء تتدفق من اسرائىل الى داخل لبنان للموارنة عن طريق ميناء جونيه, ونجحت في انشاء ميلشيا موالية لها في اكتوبر 76 يقودها سعد حداد تعمل كجهاز انذار مبكر على طول الحدود كلها. ورغم ذلك فقد استطاعت دمشق المحافظة على علاقة خاصة مع بيروت وايجاد نوع من التحالف المشترك عززه استقرار الاوضاع في لبنان بمقتضى اتفاق الطائف 1990.