بالرغم من محاولات القيادة الحاكمة في السودان جعل الغارة الأمريكية على مصنع الدواء في الخرطوم شماعة تعلق فيها كل الفشل الذي صاحب النظام في مختلف الميادين وتتكسب بها عطف الجماهير السودانية , الا ان هناك بعض القادة الاسلاميين من المحسوبين على النظام فكروا في الأمر بصورة واقعية وتوصلوا الى نتائج غير تلك التي اعتمدها اخوانهم الذين يجلسون على قمة السلطة. فقد وصف د. الطيب زين العابدين القيادي البارز في الجبهة القومية الاسلامية واستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم الهجوم الأمريكي بأنه كشف عن العزلة التي يعانيها السودان, ودعا الى مراجعة العلاقات الخارجية على كافة المستويات الافريقية والعربية والاسلامية والعالمية. وخلص الى ان علاقات السودان الخارجية ضعيفة ومتأزمة مع معظم دول العالم وعلى رأسها أمريكا وعدد من دول الجوار الافريقي, ومتأزمة الى حد ما مع دول الخليج وهي كتل هامة ومؤثرة في السياسة السودانية, وضرب عدة أمثلة لتأكيد تلك العزلة منها ان السودان شكا ثلاث مرات لمجلس الأمن وفي كل المرات لا يستغرق النقاش أكثر من بضع دقائق, وتبحث الشكوى بصورة سريعة.. وركز على الشكوى الأخيرة فقال: لم يستغرق النقاش فيها أكثر من عشر دقائق بالرغم من حديثنا بأن لنا علاقات مع روسيا والصين وغيرها لم لتظهر أي من هذه الدول تأييدا للسودان, وان الدول التي كانت تقف مع السودان عبر عدد من السنوات لم تتعد أصابع اليد الواحدة, ومعظم الدول كانت تقف ضد السودان أو تمتنع عن التصويت. وفي ذات الندوة الصحفية المخصصة لمناقشات علاقات السودان الخارجية تحدث ايضا الدكتور حسن مكي القيادي الاسلامي البارز منتقدا تضارب وتعدد مراكز القرار في السياسة السودانية, وانتقد كذلك سياسات وزارة الخارجية قائلا ان الصفقة التي عقدها النظام مع كابيلا قد تصعد التوتر الى درجة الحرب بين البلدين طالما أدخل السودان نفسه في الحرب المندلعة أصلا في منطقة البحيرات وكان دخوله بالاساس يستهدف وقف مساعدات أو مشاركات أوغندا في تلك الحرب أو الحاق الهزيمة بها. وفي الوقت الذي يقدم فيه النظام السوداني على زج البلاد في أتون تلك الحرب يستضيف في الخرطوم مؤتمرا علنيا لحركة الجهاد الاسلامي الاريترية حضره ممثلون لكل الحركات الاسلامية بما فيها (حماس) والجهاد الفلسطينيتين والحركة الاسلامية الصومالية, وأشاد ممثلو تلك الحركات في الجلسة الافتتاحية بالجهاد الاريتري داعين فصائل المعارضة الاريترية الى الوحدة لاسقاط نظام الرئيس أفورقي. وامعانا في الاساءة لمصر نشرت (القدس) اللندنية الصديقة للنظام في عدد الاثنين الماضي ما نسبته الى مسؤول سوداني والى محللين سودانيين غربيين ما يؤكد اتهامات النظام الفجة لمصر وانتصارات النظام الوهمية التي حصدها وسيحصدها من الهجوم الأمريكي على مصنع الدواء. ومثل هذه الافتراءات لا تحتاج الى كبير عناء لدحضها, بل انها غاية في السخف, لأن مصر أصلا لا ترسل الدواء للسودان وعلاقاتها التجارية شبه مقطوعة مع السودان, والسودان يستجلب الدواء من الاردن وبعض الدول الآسيوية, وحتى ولو كان السودان يستورد الدواء من مصر فهل يعقل ان تحرض مصر أمريكا لضرب المصنع كي تضمن تصدير الدواء المصري للسودان؟.. وما هي مصلحة أمريكا في ذلك؟.. بل وكيف تقبل الدولة العظمى في العالم ان تنفذ رغبات الدولة المصرية, انه هراء يستحق الرثاء, فضلا عن كونه يلغي العقول. ويتواصل السيناريو المنشور في القدس فيقول عن الضربة الامريكية انها خلقت تعاطفا دوليا واقليميا مع الحكومة مكنها من ان تقوم بأكبر حملة اعلامية ودبلوماسية من نوعها على الرغم من العزلة التي تعانيها منذ وقوع الانقلاب.. أين هذا القول من ادراك حسن مكي والطيب زين العابدين. ومن جهة ثانية, استبعد خبراء غربيون ان يتمكن العقيد جون قرنق من استثمار العدوان الامريكي في تحقيق مكاسب على حساب الخرطوم, وذلك لأن مساعي قرنق للتودد الى الدول العربية محكم عليها بالاعدام بسبب كراهية العرب لسياساته ومواقفه. ويقفز التحليل المنشور الى القول: ان ما حصل أخيرا تزامن مع اندلاع الحرب التي يشهدها وسط القارة خصوصا الكونغو التي تحولت الى خصم لحليفتها السابقة أوغندا, ولا يستبعد ان تفتح كينشاسا الباب مجددا أمام قوات الحكومة السودانية للالتفاف على قوات قرنق وضربها من الخلف بطريقة مماثلة لما حصل في عهد موبوتو. وذهب بعض الخبراء الى حد قول (القدس) الى ان السودان قد يستفيد من النكسات التي واجهتها كمبالا في الكونغو ليقوم بهجوم ضار على القوات اليوغندية التي تحمي قوات قرنق, وانتهى الخبراء الى ان القصف الأمريكي حول الجبهة الى تنظيم عالمي. وبالطبع تلك هي النظرة التحليلية التي يعتمد عليها الجناح الحاكم والذي يعتقد ان العدوان الأمريكي زاد النظام قوة ومنعة وتحول بقدرة قادر من نظام مرفوض من الشعب الى محبوب! بل وأصبح قادرا حتى على اكتساح جيرانه كأوغندا مثلا, ولا شك ان نظاما بهذه الضبابية في رؤاه لن يفيق من الغيبوبة الى ان يسقط في النفق الذي حفره لنفسه, ولكن يكون ذلك بعيدا, وسيكتشف بسرعة ان ادانة الغارة الأمريكية لا تعني بأي حال تأييده, بل زيادة السخط عليه لأنه كان ولم يزل السبب في أسباب الضربة ولأنه يأوي الارهاب ولكونه ضعضع الاقتصاد وأذل العباد وعزلها عن العالم. ومن الغريب ان نظاما يتخلى عن كل مسؤولياته ازاء شعبه يتوهم انه قد كسب تعاطف الشعب لمجرد تعرض البلاد لغارة أمريكية, لو فكر وتدبر الامر لقاده التحليل السليم الى ما توصل اليه د. الطيب ود. حسن مكي واعاد قراءة خريطة الأوضاع وأدرك ان العالم يقف معه وانه لم يقدم شيئا لشعب السودان ليتمسك به, بل قدم كل ما يستدعي أبعاده عن السلطة بما في ذلك الضربة الأمريكية التي يحاول استثمارها. كاتب سوداني مقيم في لندن*