قضية عربية: سوريا وجاراتها العربيات: زيارة الأسد لبيروت قائمة وتدشن لمصالحة تاريخية مع مسيحيي لبنان

تتابع الاوساط الرسمية والسياسية في لبنان باهتمام ما يمكن ان يحصل من تطورات في العلاقات اللبنانية - السورية في المرحلة المقبلة . وتتوقف عند اربع مؤشرات اساسية صدرت من دمشق او على لسان كبار المسؤولين السوريين: 1- اعلان الرئيس حافظ الأسد عن احتمال زيارته الى لبنان اواخر الصيف الجاري, او الخريف المقبل. 2- كلام نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام انه لا مشكلة بيننا وبين البطريرك الماروني نصر الله صفير الامر الذي يعزز احتمال انفراج العلاقات المسيحية ( وخاصة المارونية اللبنانية) مع سوريا, مع ما يكتسبه هذا الامر من اهمية على صعيد التحضيرات و (الطبخات) الجارية حول الاستحقاق الرئاسي المقبل. 3- مبادرة سوريا قبل اشهر قليلة الى اطلاق عدد كبير من الاسرى اللبنانيين في سجونها, ونقلتهم بحافلات كبيرة الى لبنان, لكن (قضية الاسرى) مازالت عالقة من وجهة نظر تجمع: اهالي المعتقلين في السجون السورية والذي تهدد رئيسته صونيا عطية باللجوء الى المحاكم الدولية في حال لم يتم اطلاق الاسرى اللبنانيين في سوريا. 4- اما النقطة الرابعة اللافتة فكانت ما نقله الزائرون اللبنانيون الى مكتب نائب الرئيس خدام لجهة تشديده أمامهم على وجوب تغيير الذهنية السياسية والعامة في العهد الرئاسي الجديد في لبنان. ويقول وزير الخارجية السابق فؤاد بطرس (وهو احد اركان سياسة المسيحيين في لبنان) في ذلك الاطار: ان النقمة على الطبقة الحاكمة والطاقم السياسي, وعلى اداء السلطات اللبنانية تنسحب ايضا على سوريا, اذا يحملها الرأي العام وزر الانحراف والتجاوزات, فيما الحذر يتملك النفوس. زيارة الأسد غير مؤكدة بالنسبة للزياراة المحتملة للاسد الى لبنان فانها غير مؤكدة حتى الآن خاصة في ظل انحسار الحديث عنها رغم تأكيده في قمة الاسكندرية الشهر الماضي بما لايحتمل التأويل انه ذاهب اليهم وان كان لا توجد بروتوكولات بين لبنان وسوريا ولا اشياء رسمية. لكن المراقبين يلاحظون ان ثمة التباسا قد شاب ذلك الموقف عندما استخدم الرئيس السوري خلال زيارته الاخيرة الى باريس كلمة (صحيح) ردا على سؤال لاحد الصحافيين عن صحة تصريحات اعلنت زيارة له للبنان هذه السنة. يقول احد المراقبين ان البعض فسر ذلك الرد بانه تأكيد: لكن مصادر مرافقة له اعتبرت عبارته تأكيدا لسماعه هو (الاسد) ذلك الكلام وتلك التصريحات, فهل كانت ثمة زيارة محتملة ام ان اغراضا اخرى كانت وراء اعلانها؟ وثالثا هل ان حصولها ممكن؟ وفي اية ظروف؟ وهل من عوائق محددة تحول دونها؟ توضح مصادر في القصر الجمهوري في بعبدا ان الرئيس الياس الهراوي تمنى على الرئيس السوري, خلال القمة اللبنانية - السورية الاخيرة, ان يستقبله في لبنان قريبا. فرد الرئيس السوري (لامانع ان شاء الله) لكنه لم يحدد موعد الزيارة. تضيف المصادر ان الهراوي اطلع رئيس الحكومة رفيق الحريري على الامر, فاستنتج الاخير ما اعلنه للمرة الاولى, اثناء زيارته الى واشنطن, عن زيارة مرتقبة للاسد الى لبنان في الخريف المقبل, الامر الذي ارفق باجتهادات تقول ان الاسد سيزور بعبدا لوداع الهراوي قبل انتهاء ولايته الممددة. ولم تعلق دمشق على ماذكره الحريري وتوافق كبار المسؤولين السوريين على ان اي نفي للامر سيحمل الكثير من التفسيرات التي لن تصب في صالح البلدين ومصالحهما. فكان ان اكد الرئيس السوري في الاسكندرية حصول الزيارة, لكن من دون الاشارة الى موعد محدد لها ايضا. واذا كان اللانفي لا يؤكد عكسه, فان الزيارة تبقى واردة حسب اعتقاد الكثير من السياسيين الذين يرون في زيارة الاسد الى قصر بعبدا بعدا جديدا في الاحترام السوري لسيادة لبنان وملفاته الساخنة, وهو الذي يتابعها منذ زيارته الاخيرة الى لبنان حيث التقى الرئيس الراحل سليمان فرنجية, في شتورا بالبقاع في 7 يناير من العام 1975 تلبية لدعوة لبنانية رسمية. لكن هؤلاء السياسيين يستبعدون حصول الزيارة المحتملة لسببين اساسيين. - اولهما: ان المناخات التي كانت سائدة في السبعينات جعلت زيارة العام 1975 تأتي في اطار حركة وقائية بدأها الاسد ازاء التغييرات الاقليمية التي كانت تعيشها المنطقة , ونتج عنها اتفاق سيناء الثاني, الذي اعقبته بعد سنوات معاهدة كامب ديفيد بين اسرائيل ومصر. - اما السبب الثاني فهو المناخ اللبناني المحلي باعتباره غير ملائم لان تأتي زيارة الاسد الى لبنان في اطار يجعلها من (الزيارات التاريخية) حسب تعبير المسؤولين السوريين. ويعود ذلك الى استمرار التباين اللبناني - اللبناني حول الدور السوري (وازمة الثقة بين المسيحيين وسوريا) وعدم التمكن من (ترميم العلاقات بين هذين الطرفين حتى الآن) . دعوة لتعديل اتفاق (الطائف) ماذا يريد المسيحيون اللبنانيون من خلال (اللاثقة) بسوريا ودورها في لبنان؟ يجيب رئيس اللجنة السياسية في (الرابطة المارونية) حارث شهاب بتأكيده على وجوب فصل العلاقات اللبنانية السورية عن : الوجود المرحلي للقوات السورية على الاراضي اللبنانية , لانها اعمق من ذلك بكثير ... وهي اكبر من ان تدخل سوق السياسة اللبنانية الضيقة ... كما انها يجب ان تصب في مساعدة سوريا لبنان على قيام الدولة المتوازنة العادلة بمؤسساتها فيه. ويقول شهاب في ذلك الاطار: (يكثر الحديث, وتتصاعد وتيرته بين وقت وآخر عن حوار بين سوريا والمسيحيين (اللبنانيين) وتحديدا مع بكركي, وعما قد يبغيه المسيحيون من مطالب منها, لابد هنا من ان نقول انه ليس للمسيحيين اي مطلب من منطلق طائفي , مقاربتهم للعلاقة مع سوريا هي نابعة من منطلق وطني , ينبع من ايمانهم بان لبنان دولة عربية مستقلة يجب ان تحكمها مؤسسات تطبق العدالة والمساواة بين المواطنين وتوحد صفوفهم تمتلك حرية القرار, وتقيم اوثق العلاقات مع سوريا, او اي حكم قوي وموحد المسيحيه ومسلميه سويا, ومتصل بقوى الشعب الحية, هو وحده القادر ان يكون السند والظهير الحقيقي لسوريا التي يجب ان تساعد لقيام هذا الحكم المنشود. يتابع مسؤول (الرابطة المارونية) التي تتمتع بتأثير سياسي وعام فاعل في الحياة السياسية المحلية منذ عشرات السنوات: ان العلاقات بين لبنان وسوريا يجب الا تكون مرتبطة بالوجود المرحلي للقوات السورية في الاراضي اللبنانية لانها اعمق من ذلك بكثير, ان بين الدولتين علاقات تاريخية وجغرافية, وبينهما مصالح مشتركة وامن مشترك وهي اكبر من ان تدخل في سوق السياسة اللبنانية الضيقة على يدي من توصل الى دور مؤقت يلعبه من دون ان يمتلك صدقية وطنية او صدقية في علاقته بسوريا, يجب تحصين هذه العلاقات, فلا توظف في خانه استقواء فريق على اخر, بل توضع في المستوى الاستراتيجي الذي يجب ان تكون فعلا عليه, لذا فانه علينا ان نبني معا جوا من الثقة يحل محل الحذر الذي استمت به هذه العلاقات على مدى سنوات عدة. * وحول ماهو المطلوب من سوريا لتحقيق ذلك, يقول المسؤول في الرابطة المارونية هناك امور عدة مطلوب من سوريا تحقيقها لانها الاكثر قدرة وكلها تصب في خانة المساعدة على قيام الدولة المتوازنة العادلة لمؤسساتها وهنا لا يمكن الا التذكير باستحقاق مهم وهو انتخابات رئاسة الجمهورية اذا ما عكست نتائج هذا الاستحقاق ارادة الشعب الحقيقية فقد يساعد كثيرا في اتجاه عودة المسيحيين الى الدولة - فتتبدد غيوم الحذر الذي يشعر به المسيحيون, تجاه سوريا فلا يعود انذاك الموقف السلبي منها. عقدتا الخوف والغبن ماهي القضايا الابرز التي تطرحها الرابطة المارونية على سوريا في هذه المرحلة بالتحديد؟ - يجيب حارث شهاب قائلا: (المسألة تتعدى حتى العلاقة مع سوريا لان هناك عددا من القضايا المهمة تتطلب تفاهما وطنيا لبنانيا حولها, منها مستقبل الوجود الفلسطيني الذي كان السبب المباشر لاندلاع الحرب في لبنان, والذي يبقى عقدة اساسية في وجه اي حل ثابت لمعضلاتنا, وهو يتطلب تصورا وآلية ابعد من الاكتفاء برفض هذا الوجود وعلى الدول العربية والمجموعة الدولية مسؤولية في ايجاد حل له فلا يعقل ان يتحمل لبنان وحده نتيجة الظلم الذي حل بالشعب الفلسطيني. وهناك ايضا موضوع المواجهة مع اسرائيل والذي يرتبط به موضوع المقاومة, كذلك الاستراتيجية المتعلقة بدور لبنان في محيطه العربي, وبالتالي محيطه الشرق اوسطي, ومن ثم العالمي, وذلك في زمن التغيرات الكبرى, والتي لايمكن ان نتصور بناء مستقبلنا بمعزل عنها. ويختتم شهاب قائلا: ان اية نظرة استراتيجية لبنانية يجب ان تأخذ بعين الاعتبار نوعين من العناصر منها ما يتعلق بالشأن الداخلي كمستقبل الطائفية, واصلاح الخلل الدستوري والاداري, وممارسة السلطة وقوانين الانتخاب وتوزيع الصلاحيات واعادة رئاسة الجمهورية الى السلطة الاجرائية, والشأن الاقتصادي الذي اصبح في الملح وضع خطة بديلة له) . رأي مسيحي آخر من جهته يرى وزير الخارجية السابق فؤاد بطرس والذي لعب دورا اساسيا, بالتفاهم مع رئيس الحكومة رفيق الحريري, في انعاش المشاركة المسيحية في الانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت مؤخرا انه : (كان على وثيقة (اتفاق) الطائف ان تضع حدا للتقلبات في العلاقات اللبنانية السورية والتي اعترتها مدى سنوات لكن الامر جاء مخيبا للآمال. ويتابع الوزير بطرس قائلا: ان التعامل مع سوريا بات احد الارقام الصعبة في المعادلة السياسية, فمن الشائع لدى القاصي والداني, ان السلطة اللبنانية تقتصر مهمتها على تنفيذ قرارات تتخذ بمعزل عنها, وان المؤسسات مجرد هيكل الامر الذي ينال مما تبقى من هيبة الحكم وثقة المواطنين به, فضلا عن هزال تمثيل المجتمع في مجالس الدولة وهيئاتها, وعن غياب الوفاق الوطني, مع انه كما جاء في وثيقة الطائف حجر الزاوية للكيان والسيادة والعمود الفقري للدستور ولشرعية الحكم, اي حكم. ويختم الوزير بطرس قائلا: ان التعاون الوثيق والتقارب بين لبنان وسوريا ليسا من قبيل الترف. او تعبيرا عن نزوة طارئة, بل هما ضرورة حيوية, ايا تكن الفوارق في مزاج كل من الشعبين ونظام كل من البلدين, وربما بسببها الى حد ما. فمثل هذا الهدف جدير بان نحصنه ضد ما يمكن ان يهدده من تسلط ومواربة وتخاذل, لان الشرط الاساسي لجدوى الاتفاقات بين الدول, اسوة بالعقود بين الافراد , وهو ان يتطابق المعلن من النيات والاهداف مع المضمور في النفوس والخلفيات, وفي اختصار ان يتجلى الفرقاء بالاخلاص والمصارحة. ثم يخلص الى القول: في ضوء ما يتقدم يتبدى ان من اولى السلطتين اللبنانية والسورية, ومن مصلحة البلدين تقويم نهج الممارسة وتنقية العلاقات المميزة من كل شائبه واعادة التوازن اليها, الامر الذي لا يمكن ان تتولاه في لبنان الا حكومة تحوز ثقة فئات وشرائح واسعة من المجتمع بعضها محكوم عليه بالاقصاء في الوقت الحاضر. بيروت - وليد زهر الدين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات