أينما ذهبت يقول لك المسؤولون السوريون: اننا نعمل من أجل المصالحة العربية وتنقية الاجواء العربية . تسائلهم: كيف تعملون وما خطواتكم في هذا الصدد؟ هل أجواء التفاؤل في العلاقات العراقية السورية هي الخطوة الاولى في هذا الاتجاه, وهل نبرة الدفء في الاعلام الرسمي, رغم الاستثناءات, خطوة ثانية في هذا الاتجاه وأية مصالحة عربية تريدون. هل يمكن لدول الخليج, على سبيل المثال وليس الحصر, والكويت في المقدمة ان تستوعب ضرورات ومبررات تحسين العلاقات بين دمشق وبغداد, فالعلاقة بين عاصمة الأمويين وعاصمة العباسيين كانت عبر التاريخ, عداء مستحكما أو حبا وغزلا تحسده عليهما باقي العواصم في الاطراف, هل تسير الأمور نحو الحب الكامل بعد فترة من العداء المستحكم, هل ثمة قراءة جديدة للوضع في العراق وهل تغير التقييم للنظام العراقي ورئيسه صدام حسين, وكان الرئيس السوري حافظ الاسد قدم جوابا ردا على سؤال حول أوجه الشبه بينه وبين صدام حسين اذ قال: أما حول أوجه الشبه فلا توجد وأما اوجه الاختلاف فهي في كل شيء. هل تغير هذا التوصيف الرهيب مع ملاحظة ان الفرق بين الرجلين شاسع, فالرئيس الأسد يؤمن بأن آخر الدواء الكي ولهذا يتحرك ببطء وحذر لا حدود له, وهو على استعداد للاستماع عدة ساعات بتهذيب شديد دون اشعار مضيفيه بالضجر فاجتماعاته تمتد لبضع ساعات حتى ان وزير الخارجية الامريكية السابق وارن كريستوفر تحدث عن (دبلوماسية المثانة) حيث تمتد الاجتماعات مع القائد السوري عدة ساعات يضطر الكهول من أمثال كريستوفر حيث لا تعمل (البروستاتا) جيدا ان يذهب للحمام لقضاء حاجته وهو أمر لا يستطيع القيام به في حضرة زعيم دولة لذلك يضطر, احيانا, لإعطاء موافقة على امور تحتاج لمزيد من النقاش. اما الرئيس العراقي فهو من المؤمنين, كما يبدو من سياسته, ان أول الدواء الكي حيث يندفع لفتح معارك عسكرية, تارة مع ايران, وتارة مع الكويت, وقبلهما مع الاكراد قبل استنفاد الوسائل السياسية. حملت هذه الاسئلة وأسئلة اخرى غيرها وقذفت بها على مائدة الحوار مع نائب الرئيس عبدالحليم خدام الذي صقلته التجارب والمعارك التي خاضتها سوريا, مختارة أو مكرهة, وقذفت بها ايضا على مائدة الحوار مع وزير الاعلام د. محمد سلمان الذي بدا لي اكثر انفتاحا من لقائي السابق وأكثر تزودا بالمعلومات وأكثر اطلاعا على (التفاصيل) في الصحافة العربية وخاصة أولئك الذين يوجهون سهام النقد والتجريح لمواقف دمشق, دون وجه حق, حسب تقديرات الوزير الذي استنكر ما قيل ان سوريا اشترطت عدم حضور عرفات أو العاهل الاردني لأية قمة مصغرة. قائلا من أين يأتون بهذا الكلام؟ لقد كنت موجودا اثناء لقاء الاسد بالرئيس المصري حسني مبارك وأكد رئيسنا اننا نريد قمة موسعة يحضرها الجميع دون استثناء بمن في ذلك العراق. سأله مبارك للتأكيد ان كان لديه اعتراض على فلان أو علان وأجاب الاسد: لا أعترض على أحد, نريد قمة تنفذ قرارات القمة السابقة: قمة القاهرة عام 1996, التي اتخذت قرارا بالعودة للاجتماع على ضوء مسيرة السلام وكان البعض يومها يرى امكانية ان يكون نتانياهو في السلطة مختلفا عما كان عليه في المعارضة, واليوم فإن أكثر المعتدلين اعتدالا لا يستطيع القول الا ان نتانياهو اثبت تطرفا وخداعات وعداء لمسيرة السلام بأكثر من كل التصورات. لماذا الانتظار اذن وكيف يمكن لنا ان نطالب أوروبا والولايات المتحدة الامريكية والعالم بأسره بمواقف ضاغطة على هذه الحكومة الاسرائيلية التي لا مثيل لها في تاريخ الحكومات الاسرائيلية دون ان يكون للعرب موقف. هذه حدود وشروط المصالحة العربية التي تطالب بها سوريا. لا فيتو على احد وكل ما هو مطلوب تنفيذ قرارات وافق عليها القادة العرب انفسهم, ولا شيء آخر. قلت: هل تؤيدون قمة مصغرة تضم الدول المعنية مباشرة بالتسوية السياسية (وكانت تسمى سابقا دول الطوق) والدول الرئيسية الفاعلة في النظام العربي. ... ولماذا لا تكون هناك قمة عربية كاملة مرة واحدة تنفذ قرارات رؤساء العرب, أين الخطأ في هذا المطلب وأين التشدد الذي يتهموننا به؟ نحن لا نطالب احدا ان يلغي اتفاقاته مع اسرائيل فلقد أصبحت اتفاقات قائمة وقانونية ومعترفا بها من العالم دون ان يعني ذلك اننا موافقون عليها. نريد وقف التطبيع ووقف تسارعه وإلغاء المكاتب التمثيلية في عواصم عربية بعيدة أقامتها أساسا لدعم واستمرار العملية السلمية وحين تتوقف هذه العملية وترتد للوراء فما مبرر استمرار عمل هذه المكاتب في دول بعيدة عن التماس المباشر مع اسرائيل وليست مكبلة باتفاقات رسمية مع اسرائيل. نريد اعادة الاعتبار لمرجعية السلام كما أقرها مؤتمر مدريد. التقطت الخيط لأسأل الوزير عن موقف سوريا من المبادرة المصرية, فأجاب: كنت أود الحوار بشكل مفصل حول التحركات الدولية المطلوبة لإنعاش مسيرة السلام مع الاستاذ فاروق الشرع وزير الخارجية ولكن خطأ ما جعل هناك تضارب في المواعيد وسافر الشرع في اليوم التالي وبشكل مفاجىء الى باريس دون ان يكون الامر مرتبطا, كما اعتقد, بقصة المبادرة الفرنسية المصرية كان الرئيس حافظ الاسد الذي أقام علاقات متميزة مع الرئيس مبارك قد قال بعد لقائه الاخير به في القاهرة ان المبادرة الفرنسية المصرية تحتاج لمزيد من الدراسة وهو جواب سلبي لمن يتقنون فك شيفرة تصريحات الرئيس السوري الذي رأى في اتفاق أوسلو ضربة لسوريا وفي التعليق العلني اكتفى بالقول: انه اتفاق فضفاض, كل بند فيه يحتاج لاتفاق. هذا جزء من الادبيات الرئاسية للسياسة واللغة السورية. حين يقول الدبلوماسي ربما فهو يعني الرفض, وحين يقول (لا) فهو ليس دبلوماسيا على الاطلاق. استنتاجي الشخصي طالما ان الحوارات خارج التسجيل, هو ان دمشق ليست متحمسة للمبادرة الفرنسية المصرية ولما يسمى بمؤتمر انقاذ عملية السلام, فهي تخشى ان يرسي هذا المؤتمر مرجعية جديدة بما يساهم في تقادم وإلغاء الحركة لملء الفراغ السياسي, وأوروبا تصرح صباح مساء انها لا تملك أكثر من دور يكمل دور الولايات المتحدة الامريكية ولا شيء آخر. ولكن دمشق التي تتمتع بعلاقات متميزة مع باريس ورئيسها جاك شيراك الذي ذهب اليه الاسد في عرينه وهو الذي يأتيه القادة من كل أنحاء العالم دون ان يسعى اليهم, والتي تتمتع بعلاقات متميزة مع القاهرة تذهب اليها لتنسيق المواقف واحتواء التوترات ونقل الرسائل في كل الاتجاهات لا يمكن ان تلجأ لشن حرب اعلامية ضد هذه المبادرة التي ما زالت في بدايات تحركاتها. في أواخر عهد حكومة حزب العمل طالبت دمشق عبر صفحاتها وبشكل غير رسمي بانعقاد مؤتمر مدريد ,2 لإعادة تدفق الدماء في شرايين العملية السلمية وإعادة تأكيد مرجعيات السلام التي لفها الضباب السياسي بعد أوسلو والاتفاق الاردني الاسرائيلي, ولكنها توقفت عن هذه الدعوة حين صعد نتانياهو للسلطة لأن مثل تلك الدعوة في عهده ستعطيه مجالا لمحاولة فرض مرجعيات جديدة وقد طالب بذلك علنا. قلت للقادة السوريين الذين قابلتهم: هل دمشق شامتة فيما وصلت اليه الامور من تدهور على المسار التفاوضي الفلسطيني لأنه قد يعني صحة السياسات والتقييمات التي تنبأت بها منذ البدء وماذا تريدون من ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية. وقد تلقيت اجابات عديدة وسمعت تفاصيل مؤلمة بلا حدود, كنت أجهل البعض منها بالفعل وليس هذا مجال الحديث فيها. أكثر الاجابات ذكاء سمعتها من عبدالحليم خدام رغم انها لا تبدو مرتبطة بالمرافقة التي تقدمت بها. قال لي: لقد تابعت بشغف حواراتك مع (القناة الثانية في الاوربت) : هل كان السادات على حق؟ والتي بثوها في حلقتين متكاملتين. كانت وسائل الاعلام قد نقلت عن قادة فلسطينيين قولهم ان فاروق الشرع أبلغ واحدا منهم هو ياسر عبدربه بقوله: (ليقلع كل طرف شوكه بيديه) . كنت قد ناقشت الوزير في الامر ورأى في تلك العبارة اخراجا عن السياق الذي كان يتحدث فيه هو رأى انه اذا استمر تعثر التنسيق بين الاطراف (وكان ذلك قبل أوسلو) واستمر اصرار الفلسطينيين على العودة لطاولة المفاوضات فليقلع اذن كل طرف شوكه بيديه. ورغم ذلك فإن استنتاجي الشخصي والذي أتحمل وحدي مسؤولية الوصول اليه, هو ان سوريا على استعداد للقاء القيادة الفلسطينية والتنسيق معها اذا وافقت ان تعيد الترابط للمسارات وإذا امتنعت عن دخول مفاوضات المرحلة النهائية الا بانطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية (من النقطة التي وصلت اليها), وإذا وافقت ان تصل للسلام النهائي في نفس اللحظة التي تصل فيها دمشق ليوقعا معا ويدا بيد. ربما كان الاندفاع الفلسطيني للتوصل لاتفاق أوسلو, ولإنقاذ ما يمكن انقاذه ولتوفير بدايات فوق الارض للكيان الوطني, اندفاعا مفهوما, سواء أكان مبررا أم لا, وسواء أكان هدف القيادة انقاذ ما يمكن انقاذه أم انقاذ رقابهم من الحبال التي التفت حولها بعد حرب الخليج الثانية. لقد وصف فيصل الحسيني وهو الرجل الطيب والمباشر والبعيد عن التنظير وفي لقاء مع التلفزيون السوري الأمر بقوله: (كنا مع الاخوة السوريين في قارب واحد وقفزنا فجأة حين شعرنا بالخطر, لكن الاخوة السوريين تفاجأوا لأنهم لم يشعروا بنفس الخطر) . الوضع الآن مختلف تماما فقد تحقق الوجود الفلسطيني فوق جزء من الارض, وعودة ناقصة أفضل من شتات كامل, والخوف من المساس باستقلال القرار الوطني الفلسطيني, هذا الرعب الذي عاشته القيادة الفلسطينية عقودا من الزمن, لم يعد قائما على الاطلاق فاسرائيل تفاوض سدنة القرار المستقل وتتعامل معهم وانعدمت كافة (البدائل) وانتهى الأمر. اليوم لم تعد الطاقة الوطنية الفلسطينية وبكل تحالفاتها قادرة على انتزاع أي حلول عادلة لقضايا المرحلة النهائية فلماذا لا تبحث عن بدائل وعن اعادة صياغة المواقف والتحالفات. كان رأيي المنشور, ولم يزل, ان هناك قضايا مثل اللاجئين لا تملك القيادة الفلسطينية حق التوصل لحلول لها مع اسرائيل لفرضها على العرب. كيف تستطيع قيادة المنظمة التوصل لحل حول اللاجئين في سوريا ولبنان ومصر, على سبيل المثال, لتقوم بفرضها على هذه الدول. وفي بدايات التحفظ الاردني على أوسلو, قال الاردن (وهو على حق) ان المنظمة لا تملك حق الاتفاق مع اسرائيل على تشكيل لجنة رباعية تضم الاردن دون علمه ودون موافقته لبحث موضوع النازحين. كيف سيكون الأمر حين نأتي للعرب باتفاقية حول اللاجئين لن يتضمن في ظل موازين القوى الحالية, قرارا اسرائيليا مفاجئا في صحوة ضمير بعودة جموع المشردين الذين استوطنوا الخيام أو ما يشبهها نصف قرن, في ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الانساني بأسره. والاسرائيليون بمن في ذلك أقصى المعتدلين يعرفون ان وجود قوة عربية تفاوضية حول اللاجئين والقدس سيغير النتائج, ولهذا يقول د. يوسي بيلين وهو في صفوف كبار المعتدلين ان اسرائيل سترفض التفاوض مع وفد عربي حول القدس أو اللاجئين, فذلك مخالف لاتفاق أوسلو. سوريا قوة رئيسية حين تدخل في التفاوض مع الفلسطينيين فهي تقوي مواقفهم, وتكتسب سوريا قوة في أية مفاوضات حين يعرف الطرف الآخر, المستعجل لانهاء الصراع التاريخي مع الفلسطينيين في هذه اللحظة المريضة من توازن القوى, بأنه لن يصل مع الفلسطينيين لأي شيء دون التوصل لحل مع دمشق. انني أرجو من اصدقائي في القيادة الفلسطينية ان يعيدوا بحث الامور على ضوء التعثر الحالي في المسيرة السياسية, وان يفتحوا الآفاق الرحبة للتفكير الاستراتيجي, دون الانشغال بأمور تفصيلية ليست هي جوهر الأزمة, ودون الخوف من المساس بالقرار الوطني وهو خوف لم يعد له من مبرر ودون مواقف ثأرية تتعلق بالماضي وآلامه (والتي تحتاج لدراسات متأنية لمعرفة المسؤول عنها وحدود مسؤولية كل طرف), ودون أوهام أرى في الأفق ــ وأرجو ان أكون على خطأ ــ ملامح مشكلات كبرى ستواجه اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية, إذ اقترب الدخول الفلسطيني في مفاوضات المرحلة النهائية حيث سيلوح شبح التوطين أكثر من أي وقت مضى, وستكون المجزرة الكبرى بعد المجازر التي حفل بها التاريخ الفلسطيني المعاصر. وفي النهاية أشير الى عدد من الملاحظات: مازال أمام دمشق طريق طويل يتعين انجازه لتحقيق انفتاح سياسي حقيقي وتعددية تترسخ جذورها وقبول للرأي والرأي الآخر, وذلك يقوي سوريا ويجعلها ركنا أساسيا من أركان الوضع الجديد في الشرق الأوسط في العصر العالمي الجديد. لا تستطيع دمشق ان تنأى بنفسها عن رياح التغيير ولا تستطيع في عصر الفضائيات والتدفق الاسطوري للمعلومات ان تبقى حبيسة الخوف من التغيير ومن استثمار التكنولوجيا الحديثة (كالانترنت والهاتف النقال). في دمشق نظام قوي راسخ لا تهدده أية قوى ويستطيع الانفتاح بأقل قدر من الحذر. رغم قناعتي الناتجة أساسا من الحقائق المنشورة في المذكرات قبل ان تكون من الحوارات التي أجريتها في العاصمة السورية بأن دمشق تريد السلام (ولكن ليس أي سلام), فإن الصحافة ووسائل الاعلام في ذلك البلد مازالت تتحدث بمنطق رفضاوي الى حد بعيد وربما يكون ذلك أحد عوامل الاعتقاد المغلوط بأن سوريا لا تريد السلام. وزير الخارجية السورية فاروق الشرع هو أحد أنشط وزراء الخارجية العرب ومن أقدرهم وأكثرهم كفاءة, فهو الرجل الذي خاطب مليارات من البشر في مدريد بشكل ارتجالي دون ان يتلعثم. كنت هناك ووضعت يدي على قلبي حين قلب الأوراق من أمامه وأخذ يتحدث ارتجالا, ومع ذلك فإنني لا أفهم اطلاقا كيف يقوم الكنيست الاسرائيلي باتخاذ قرارات علنية بعدم الانسحاب من الجولان الا بتصويت أغلبية مطلقة وباستفتاء شعبي دون ان تدعو دمشق الجامعة العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لاجتماعات فورية من أجل رفض ذلك التوجه.. لماذا لا يستثمرون هذه المنابر السياسية والاعلامية على الرغم من انني لم أتمكن من نقل هذه التساؤلات للوزير الشرع. دمشق ــ توفيق أبوبكر: مدير مركز جنين للدراسات الاستراتيجية*