ادى قيام روسيا وكازاخستان في يوليو الماضي بابرام اتفاقية لتقسيم القطاع الشمالي من بحر قزوين الى حدوث الكثير من ردود الافعال الاقليمية, التي كان من ابرزها تفاقم القلق الايراني خشية ان تخرج طهران خالية الوفاض من تقسيم ثروات المنطقة . لاسيما انه اضحى لدى الادارة الامريكية اكثر من ورقة في حوض بحر قزوين حيث احكمت قبضتها على اقتصاد وامن كازاخستان واذربيجان وتركمنستان وربما روسيا التي تبدو على درجة عالية من الهشاشة السياسية وتواجهها جملة من التحديات. ونجحت واشنطن في تقويض اتفاقيات سابقة توصلت اليها ايران مع هذه الدول. وهو ما يطرح معه مجموعة من التساؤلات والتخمينات والتوقعات البعيدة. وقد حرك هذا الاتفاق المواجع لدى طهران فهي وحدها الطرف المتضرر من تغيير المعادلة التقليدية السابقة وفي هذا السياق اكد علي ماجدي نائب وزير الغاز والنفط الايراني ان بلاده ستفعل كل شيء لاقناع جيرانها في بحر قزوين بآن عملية استغلال ثروات هذا البحر يجب ان تقنن.. وقال: (اننا بدأنا دراسة كافة الاحتمالات) ومع ذلك عاد ماجدي ليقول ان ايران على استعداد لاظهار مرونة شريطة ان يطبق وضع قانوني واحد على جميع الدول المحيطة بقزوين, وعلى جميع الاصعدة الملاحية والاعماق واستثمار واستغلال النفط والصيد وحماية البيئة والسيادة. وبرأي بعض المحللين ان ايران تدرك الاهداف البعيدة للمناورات والمساومات الامريكية لذلك عندما اعلنت وتركمنستان عدم جواز الرجوع عن مبدأ الاجماع بين الدول الخمس المطلة على بحر قزوين في جميع القرارات المتعلقة بالوضع القانوني للبحر فان الجانب الايراني وضع بين الاسطر ما يمكن فهمه من قبل واشنطن على ان طهران ستقاوم نقل المعركة من الخليج العربي الى بحر قزوين. وهناك اشكالية بحر قزوين بين الدول المطلة عليه وتقسيمها الى حصص متساوية لكل بلد من البلدان الخمسة. وهي الاشكالية التي استمرت فترة طويلة بين شد وجذب لدى معظم دول المنطقة وحدثت حولها خلافات وتجاذبات عديدة, القت بظلالها على آليات تنفيذ الكثير من المشروعات المقترحة. وفي ضوء هذه الاستنتاجات يرى بعض المراقبين لشؤون اسيا الوسطى وروسيا ان استغلال موارد بحر قزوين يجب ان يكون من خلال ادارة مشتركة وتحت سلطة مشتركة من جانب الدول الساحلية المطلة على البحر على ان يسمح للشركات بالعمل في اجواء تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار وتكون اقاليم اسيا الوسطى المتنازع عليها منزوعة السلاح. وقد يكون تأسيس هذه الادارة ممكنا في ظل التقارب الحاصل والتقليدي بين موسكو وطهران, وضرورة حتمية في ظل حقيقة سعي اذربيجان الى عقد صفقات مع (كونسورتيوم) مكون من شركات بترول دولية للكشف عن النفط في بحر قزوين. خاصة ان ايران كانت شريكا في (الكونسورتيوم) بنسبة خمسة في المائة, لكن في ابريل 1995 الغت حكومة باكو الاتفاق مع طهران بضغط ملحوظ من واشنطن. في حين ضاعفت باكو من حصة تركيا مما اشعل غضب الايرانيين لان ذلك يضفي على انقرة ميزة اضافية باعتبارها المنافس التقليدي لطهران في منطقة اسيا الوسطى وقد ادى هذا الالغاء الى وصف ايران للاتفاق الجديد بانه عمل (عدائي) وشككت في مشروعية (الكونسورتيوم) واكدت مجددا على ان الدول الساحلية ليس من حقها استغلال موارد منفردة وان حقوق ايران محفوظة في بحر قزوين لان حقول البترول تقع في بحيرة وليس في بحر. وفي خطوة نوعية دقيقة كانت روسيا قد اظهرت تأييدا واسعا للموقف الايراني الداعي لاقامة نظام قانوني لاستخدام موارد بحر قزوين واصدرت الدولتان في نوفمبر 1995 اعلانا مشتركا تعارضان فيه التصرف المنفرد من جانب اي من الدول الساحلية في موارد بحر قزوين. وعلى صعيد آخر توصلت ايران وتركمنستان الى اتفاق لتشييد خط انابيب غاز تقدر تكلفته بــ 190 مليون دولار بطول اربعة آلاف كيلو متر, لنقل الغاز الطبيعي من تركمنستان الى اوروبا عبر ايران وتركيا. وسيسمح هذا الخط في مرحلته الاولى بنقل 15 مليار متر مكعب الى اوروبا, على ان يصل حجم الغاز المنقول اليها في المرحلة الثانية الى 28 مليار متر مكعب. وقد عارضت الادارة الامريكية هذا الاتفاق, ورأت انه يمكن نقل البترول والغاز الطبيعي من تركمنستان عبر بحر قزوين من خلال جورجيا والشيشان, خاصة وان هناك بالفعل خطوط انابيب في الشيشان تحمل البترول والغاز من اذربيجان والشيشان الى مناطق في روسيا. لكن يعود تفضيل الطريق الايراني لدى تركمنستان لكونه الاكثر استقرارا. واشار التأييد الروسي للاتفاق بين البلدين الى ان موسكو وطهران لديهما مصالح مشتركة واضحة في اضعاف العلاقة المتنامية بين انقرة وجمهوريات آسيا الوسطى, غير ان الملابسات التي احاطت بتوقيع موسكو لاتفاقها مع كازاخستان وعدم تبلور الملامح النهائية لاتفاق طهران مع موسكو حول هياكل تقسيم ثروات بحر قزوين أثارت الكثير من الشكوك الايرانية نحو روسيا, التي بدت في بعض مواقف وتصريحات مسؤوليها انها تتبع سياسة برجماتية عالية, ومن الممكن تحت ضغوط امريكية متواصلة ان تبدل بعض قناعاتها المعروفة حيال ايران. وهو ماجعل طهران تتحسس خطاها جيدا في المنطقة, وتتصرف بحكمة, وسياسة تقوم على قواعد متحركة وفقا لمقتضيات الظروف المحيطة. وعلى ذلك لا يستبعد بعض الخبراء في الشؤون الايرانية حدوث تحولات نوعية في علاقة طهران بواشنطن في فضاء آسيا الوسطى. وهو ما يتعزز في ظل اجواء العواطف التي بدأت تظهر اجزاء من معالمها بينهما في الآونة الاخيرة. اسلام اباد ــ (البيان) : خدمة وكالة الاهرام للصحافة