يسود الشارع السوري اعتقاد بأن العلاقات مع العراق ستحقق خلال الفترة المقبلة قفزات على أكثر من صعيد ومستوى وخاصة على الصعيد الاقتصادي من خلال زيادة حجم التجارة واتساع حركة السياحة وانتقال الأفراد من رجال أعمال ومسؤولين في المؤسسات الاقتصادية والنفطية . ورغم ما لعودة العلاقات الدبلوماسية من دلالة على حجم الاختراق الذي يمكن أن يتحقق على صعيد العلاقات السورية العراقية, الا انه من الواضح أن دمشق القيادة وحتى المواطن العادي لا يعلق عليها آمالا كبيرة. ويأتي ذلك من منطلق القناعة بأن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية هي الأرضية الصالحة لنمو العلاقات ما بين دمشق وبغداد في الوقت الحاضر نظرا لحساسية القضايا السياسية التي تحمل تراكمات من التوتر والخلافات الكبيرة التي تشكلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة. المعارضة السورية من مختلف تياراتها وكذلك بعض الفصائل الفلسطينية المختلفة مع سوريا وقدم لهم كل أشكال الدعم والمساندة المالية والعسكرية والاعلامية وتحالف مع الملك حسين وأقام علاقات جيدة مع تركيا تمثلت في مد خط أنابيب نقل النفط العراقي عبر الأراضي التركية بطول ألف كيلو متر وعلى نفقة العراق عوضا عن خط التابلاين الذي توقف عن نقل نفط آبار كركوك إلى ميناء بانياس عام 1981. وعبر حدود الدول الثلاث (العراق والأردن وتركيا) بدأ العراق يرسل الأفراد والمجموعات للقيام بأعمال قتل وتفجير في المدن السورية أسفرت عن مئات القتلى والجرحى عدا الخسائر المادية, واعتقلت السلطات السورية أعدادا منهم اعترفوا بارتباطهم بالسلطة العراقية وبتدربهم على تنفيذ أعمال تخريبية في سوريا. الخلاف بشأن إيران وكان قيام الثورة الإيرانية وحرب العراق ضدها عاملا جديدا أضيف إلى عوامل الخلاف والنزاع بين بغداد ودمشق حيث أعلنت سوريا منذ اليوم الأول لانتصار الخميني على حكم الشاه في إيران انها مع الثورة الإيرانية وعلى العرب اقامة أفضل العلاقات معها كقوة مساندة للحق والصراع العربي مع اسرائيل. كما أدانت سوريا التضامن السلبي العربي مع صدام حسين في حربه مع ايران ووقفت وحيدة من بين الدول العربية تساند إيران وتندد بالحرب ضدها واعترف عدد من زعماء العرب للرئيس السوري حافظ الأسد انهم كانوا على خطأ بوقوفهم إلى جانب العراق ضد إيران وثمنوا مواقفه من الحرب العراقية الايرانية عندما دخل الجيش العراقي واحتل الكويت. محاولة لفهم الخلاف والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هو جوهر الخلاف القائم بين سوريا والعراق؟ البعض يرى ان أسباب الخلاف تعود إلى قضايا عقائدية متعلقة بالمضمون الفكري الحاكم في كلا البلدين فقد أخذ الجانب العراقي على الجانب السوري تعامله السلبي مع الشخصيات والقيادات المؤسسة لحزب البعث أمثال ميشيل عفلق واكرم الحوراني ومنيف الرزاز وصلاح البيطار وقد احتضن العراق هذه القيادات وتعامل معها على أساس انها قيادة شرعية لحزب البعث. والبعض الآخر يرى ان هناك قضية استراتيجية في غاية الأهمية تفسر استمرار الخلاف السوري العراقي وتتمثل في وجود موقف دولي استعماري يمنع حدوث أي لقاء أو تقارب وجدوى بين سوريا والعراق خوفا من حدوث تبدلات جذرية في أوضاع المنطقة تعرض مصالح هذه القوى بما فيها اسرائيل للخطر الدائم. التقارب غير مسموح ويؤكد أصحاب هذا الرأي بأن هذه النقطة تفسر الكثير من الحروب والمغامرات العسكرية التي أقدم عليها صدام في المنطقة بدءا بحربه المباشرة ضد إيران ومرورا بحروبه المحلية في الشمال والجنوب وانتهاء باجتياحه للكويت. وكان المقصود من هذه الحروب استنزاف قدرات العراق العسكرية وابعاده عن سوريا واشغاله في معارك جانبية كانت تتم على حساب المعركة الأساسية مع اسرائيل. ويضيف أصحاب هذا الرأي بأن عودة سريعة إلى تاريخ العلاقات بين البلدين تكشف بسهولة عن ان الخلاف السوري العراقي لم يكن مرتبطا بموضوع الخلاف الايديولوجي لحزب البعث ولكنه ارتبط على الدوام بموقف القوى الاستعمارية وفي طليعتها اسرائيل من مسألة التقارب السوري العراقي. ففي الأربعينات ومطلع الخمسينات لم يكن حزب البعث قد وصل إلـى السلطة في كلا البلدين ومع ذلك فقد كان الخلاف قائما بسبب وجود الموقف الدولي الذي يسعى لمنع حدوث أي تفاهم أو تقارب بين سوريا والعراق ويورد أصحاب هذا الرأي مثالا صارخا على ذلك وهو قيام حلف بغداد الذي كان موجها ضد كل أشكال العمل الوحدودي في المنطقة ومن أجل محاصرة سوريا وعزلها عن محيطها العربي. وحتى الخلاف العقائدي الذي ظهر في الستينات ومستمر حتى الآن لم يكن معزولا عن المشروع الاستعماري الصهيوني المعارض لحدوث أي تقارب بين سوريا والعراق والذي يسعى إلى أن يظل البلدين في حالة عداء دائمة منعا لقيام دولة أو قوة تجمع سوريا والعراق. فبالنسبة للولايات المتحدة فإن قيام دولة كهذه سيعرض مصالحها الحيوية في المنطقة ولا سيما المصالح النفطية للخطر وبالتالي فهي تحارب أي مشروع للتقارب بين سوريا والعراق. وأما اسرائيل فهي إلى جانب هذه الأهداف الأمريكية لها أهدافها الخاصة المتمثلة بابعاد الخطر السوري العراقي عن كيانها حيث ترى قيادة الحركة الصهيونية والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ان توحيد القوتين السورية والعراقية في قوة عسكرية واحدة معناه القضاء على اسرائيل. وهم يتذكرون جيدا قمة نبوخذ نصر الذي قدم من العراق ودخل القدس وهدم دولتهم وهيكل سليمان ولذا يخشون باستمرار الخطر القادم من الشمال حيث تحول الأمر إلى ما يشبه العقدة لهم. وبين هذين الرؤيتين هناك من يقول ان الخلاف بين سوريا والعراق والعلاقات المتوترة بينهما هي جزء من الخلافات العربية التي أصبحت السمة الغالبة على العلاقات بين العرب في العقود الخمسة الأخيرة. هذه الأسباب وغيرها تقف وراء حالة التنافر التي خيمت على العلاقات السورية العراقية حتى يومنا الحاضر. صفحة جديدة وفي منتصف العام الماضي ظهرت بوادر انفراج تمثلت في فتح الحدود البرية بين البلدين ومنذ ذلك التاريخ بدأت الوفود تعبر في الاتجاهين من رجال أعمال ومسؤولين كبار تهدف إلى توقيع صفقات تجارية تقوم بموجبها سوريا بتصدير السلع الغذائية والدوائية والاستهلاكية إلى العراق بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء وصدرت جهات القطاع العام والخاص بكميات كبيرة من السلع السورية زادت خلال عام واحد على المئتي مليون دولار. وزار عدد من المسؤولين العراقيين دمشق وأجروا محادثات مع نظرائهم السوريين وكان طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ومحمد سعيد الصحاف وزير الخارجية وعامر رشيد وزير النفط أبرز الشخصيات العراقية التي زارت سوريا منذ بداية العام الحالي لكن الزيارة الأهم من حيث النتائج كانت لوزير النفط العراقي الذي أجرى محادثات نفطية في دمشق أسفرت عن توقيع اتفاق لاعادة ضخ النفط العراقي عبر أنبوب التابلاين من آبار كركوك إلى ميناء بانياس على الساحل. كما تضمن الاتفاق تمديد خط جديد لنقل النفط العراقي بقيمة 160 مليون دولار تدفع مناصفة بين البلدين اضافة إلى انشاء مصفاة لتكرير النفط في بانياس بطاقة 140 ألف برميل يوميا برأسمال سوري عراقي, واعتبر محللون وخبراء في شؤون المنطقة ان اتفاق سوريا والعراق على اعادة تشغيل خط النفط المغلق منذ عام 1982 قد وضع العلاقات بين البلدين على مسار جديد يمهد الطريق أمام تقارب محتمل وبالتالي اعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما. ويعتقد البعض منهم ان توتر علاقات سوريا مع تركيا بسبب تحالف الأخيرة مع اسرائيل سيعجل في تحقيق المصالحة مع بغداد. واشنطن وتل أبيب تعارضان وقد اثار اتفاق النفط السوري العراقي معارضة كل من واشنطن وتل أبيب واعتبرتاه خارج اتفاق الأمم المتحدة النفط مقابل الغذاء, وانه يحتاج إلى موافقة مجلس الأمن. وعندما سئل الرئيس حافظ الأسد في المؤتمر الصحفي أثناء زيارته لفرنسا حول معارضة واشنطن لاستخدام أنبوب النفط رد قائلا: موضوع الانبوب حسب معلوماتي لا صلة بين الانبوب وبين قرارات الأمم المتحدة. وفي رده على سؤال آخر يتعلق بالعراق حول امكانية اقامة علاقات دبلوماسية أشار الرئيس الأسد إلى ان هناك عدد من الدول العربية ليس بينها علاقات دبلوماسية والامور جيدة بينهما مشيرا بذلك إلى سوريا ولبنان التي يجمع بينهما علاقات ممتازة تفوق أية علاقة دبلوماسية وقال: لا أعلق كثيرا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدان العربية وأعتبر هذا غير عملي وهذا الموضوع ليس ذا أهمية بالنسبة لنا. إذن جميع المؤشرات تدل على ان العلاقات السورية العراقية تسير نحو التحسن والتقارب وقد تفضي إلى اعلان اعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما وان كان هذا الجانب في نظر العراقيين ليس أساسيا في الظرف الحالي ليكون مؤشرا على العلاقات الحسنة. ويبدو ان هذا الرأي صائبا إذا ما قارناه بالعلاقات السورية اللبنانية في الجانب الايجابي وفي الجانب السلبي بالعلاقات بين إيران والعراق حيث خاض البلدان حربا شرسة لمدة ثماني سنوات ولم تقطع العلاقات الدبلوماسية بينهما. ازدحام طريق دمشق ــ بغداد ومن هنا فإن النظر إلى العلاقات السورية العراقية لا يكون دقيقا أو مقياسا لتحسن في العلاقات أو من عدمها فالمتتبع لحركة العبور على طريق دمشق بغداد يرى بسهولة ازدحامها اقتصاديا وتجاريا وبشكل أقل سياحيا. فالصادرات السورية تمر يوميا من نقطة التنف من مختلف السلع الاستهلاكية من غذائية ودوائية ومنظفات كيميائية وتعود السيارات إلى سوريا محملة ببعض السلع العراقية مثل التمور والجلود والزيوت وكمية محدودة من المحروقات وخاصة البنزين حيث يلجأ بعض السائقين إلى اصطحاب مئات الليترات من البنزين العراقي وبيعه فور وصولهم إلى زبائن بنصف ثمنه في سوريا. وتتوافد يوميا إلى بلدة السيدة زينب على بعد عشرة كيلو مترات من دمشق اعدد من التجار الصغار لشراء ما تحمله السيارات القادمة من العراق التي تتجمع في سوق هذه البلدة التي تحتضن مقام السيدة زينب والتي تعج بالزوار من مختلف أنحاء العالم وخاصة من إيران والعراق ولبنان وباكستان للزيارة ويحمل هؤلاء معهم أنواعا من السلع الرخيصة في بلادهم ويبيعونها في دمشق للاستفادة من فروق الأسعار. كما نشطت بين البلدين حركة السياحة باتجاه واحد نحو العراق باستقدام سياح أجانب من سوريا لزيارة الأماكن الأثرية والدينية العراقية ويزور دمشق بين حين وآخر مدراء وأصحاب مكاتب سياحية عراقية بهدف تنظيم رحلات سياحية عن طريق البر إلى العراق. وبالمقابل تنظم مكاتب السفر والسياحة السورية رحلات إلى العراق وتعلن عن برامجها وأسعارها في الصحف اليومية بأسعار مقبولة ضمن مجموعات سياحية. وتصل يوميا عشرات الأسر من العراق إلى سوريا لزيارة أقاربهم وذويهم وأصبح مألوفا رؤية سيارات في شوارع دمشق تحمل لوحات عراقية وهو أمر كان غير قائم معدوما قبل فتح حدود البلدين. منذ ان اصبح صدام حسين رئيسا للجمهورية وأحكم قبضته على العراق من خلال مؤسسات وقوى شكلها على طريقته اكمل حربه الشرسة ضد الشيوعيين الذين كانوا يسيطرون على الشارع العراقي ودخل في معركة تصفية حسابات في الداخل والخارج مع معارضيه ومؤيديه فلم تكاد تمر بضعة اشهر على توليه رئاسة الجمهورية حتى اعدم حوالي خمسين قياديا من السلطة بحجة انهم تعاطفوا مع مشروع التقارب مع سوريا في اطار ما عرف بالميثاق القومي الذي ابرم عام 1979 وبعدها خاض معركة قصيرة مع منظمة التحرير الفلسطينية وتبنى (ابو نضال) المنشق عن حركة فتح الذي قام باغتيال عدد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية وفي نفس الوقت كان صدام حسين يقوم بعمليات تطهير ضد القوى القومية والديمقراطية والدينية وزاد من بطشه ضد القوى الدينية اثر قيام الثورة الايرانية بقيادة الخميني تحسبا لأية امتدادات للثورة في اوساط الشيعة العراقيين الى ان دخل في حرب طاحنة مع ايران استمرت ثمانية اعوام. دمشق ــ يوسف البجيرمي