يبدو واضحا اننا نشهد الآن الفصل الاخير من دراما الازمة الليبية(ازمة لوكيربي)الأزمة التي افتعلتها كل من امريكا وبريطانيا , مخالفة القانون الدولي, ومستخدمة مجلس الأمن والبند السابع في ميثاق الأمم المتحدة لفرض حصار ظالم على ليبيا . وقعت حادثة (لوكيربي) اي سقوط الطائرة الامريكية بان امريكان على قرية لوكيربي في اسكتنلدا عام 1986 ثم بدأت العقوبات بالحصار التجاري في ,1988 وبعد اربع سنوات وبالتحديد في 1992 الحظر الجوي الشامل على الجماهيرية الليبية. ورغم الرفض الدولي للعقوبات انصاعت كثير من الدول لقرارات مجلس الأمن, ويوما بعد يوم تكشف خطأ الوضع القانوني للعقوبات على ليبيا بهدف اجبارها على تسليم اثنين من مواطنيها تشتبه فيهما امريكا وبريطانيا, وفي فبراير الماضي اصدرت محكمة العدل الدولية حكمها باختصاصها في نظر القضية مسقطة بذلك غطاء الشرعية عن قرار مجلس الأمن بالتصدي للقضية وعن كل ماترتب عليه من اجراءات عقابية ضد ليبيا ... التي تحلت بدرجة كبيرة من المرونة, وبذلت دبلوماسيتها جهودا مضنية لكشف زيف الدعاوى الامريكية - البريطانية ودأبها على الالتفاف على القانون الدولي لكي تنفذ سياستها المكابرة. وفي شهر يونيو الماضي اتخذت منظمة الوحدة الافريقية قرارا بامهال كل من بريطانيا وامريكا حتى الاول من سبتمبر الحالي لكي تقبلا مبادرة (الحل الوسط) محاكمة المتهمين في بلد محايد حلا للازمة - والا لن تلتزم دول المنظمة التي يقارب عددها الخمسين بقرارات مجلس الأمن العقابية ضد ليبيا ... وتلاحمت جهود جامعة الدول العربية مع عدد كبير من دول منظمة المؤتمر الاسلامي, ومجموعة دول عدم الانحياز - واصبح مطروحا امام المنظمات الاقليمية خيار اللحاق بقرار منظمة الوحدة الافريقية ... وتسارع ايقاع الموقف, واعلنت كل من امريكا وبريطانيا مبادرة تقضي برفع العقوبات في حال تسليم المشتبه بهما الى هولندا لمحاكمتهما على ارضها وبقضاة اسكتلنديين وقبلت ليبيا بالمبادرة (بعد ان سبق لها طرح المحاكمة في بلد ثالث) ... وهنا تبقى اسئلة مهمة فالولايات المتحدة وبريطانيا تطالبان بالقبول الكامل او الرفض الكامل للمبادرة, وتطالبان بالتنفيذ الفوري للقبول المبدئي .. والجماهيرية الليبية تريد - وهذا حقها - ضمانات معينة - ترى ماهي الضمانات التي تريدها ليبيا على وجه التحديد؟ وكيف ستتم المحاكمة (بقضاء اسكتلندي على ارض هولندية) وهل تتوفر محاكمة عادلة؟ وأين سيقضي المشتبه فيهما العقوبة اذا ما ادينا؟ وما اسباب المبادرة الامريكية - البريطانية ؟ وما سر الاستعجال والالحاح الامريكي على التنفيذ الفوري؟ هذه الاسئلة وغيرها عرضناها على الامين المساعد للشؤون العربية بجامعة الدول العربية احمد بن حلي وأحد المسؤولين عن ملف قضية (لوكيربي) واثنين من كبار اساتذة القانون الدولي في مصر, د. ابراهيم العناني عميد حقوق جامعة عين شمس, ود. مصطفى سلامة عميد كلية الحقوق بجامعة الاسكندرية. محاولة لفرض شروط عن دور جامعة الدول العربية في المرحلة السابقة والايام القليلة القادمة يقول احمد بن حلي الامين المساعد للشؤون العربية في الجامعة . بداية ان المبادرة الامريكية البريطانية هي في الاصل اقتراح من قبل جامعة الدول العربية وتبنته بقية المنظمات الاقليمية, مثل منظمة الوحدة الافريقية ومنظمة دول عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الآسلامي , وتم تطويره الى ان وصل للصيغة الحالية, وقبلت به الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا, اي بمحاكمة المشتبه فيهما في بلد محايد وتم الاتفاق على ان يكون هولندا, ومن المهم التأكيد على ان القرارات المتعلقة بقضية لوكيربي تعطي للأمين العام للامم المتحدة دورا معينا, وهو انه المنوط بابلاغ مجلس الأمن ان المشتبه فيهما قد تم تسليمهما ... هذا الاختصاص اتاح من قبل الاتصالات المكثفة بين الامين العام للامم المتحدة والامين العام للجامعة العربية وتبادل الرسائل المتعلقة بالقضية . وقد سبق مناقشة هذه الجزئية (كيفية تسليم المشتبه فيهما الى الامم المتحدة) والمطلوب الآن بعد تبلور مبادرة امريكية - بريطانية - وقبول ليبيا المبدئي بها هو وضع الضوابط وتوفير كل الضمانات القانونية التي تكفل للمتهمين محاكمة عادلة ونزيهة والاتفاق على اجراءات التسليم الى البلد المحايد (هولندا) وايضا رفع العقوبات المفروضة على ليبيا ... اي ان الموضوع برمته في طور الانجاز والتنفيذ, ولكن الولايات المتحدة وبريطانيا تحاولان استباق الامور والتعجيل بالتسليم رغبة منها في فرض شروط على ليبيا, والضغط عليها بطرح قبول المبادرة كاملة, او رفضها كاملة, والتلويح بتصعيد العقوبات! وقد لاحظنا والكلام مازال على لسان احمد بن حلي - في الرسالة الاخيرة الموجهة الى الأمين العام للجامعة العربية محاولة فرض شروط على ليبيا, وحاليا تجري الاتصالات لازالة العراقيل الاجرائية, واعطاء الجماهيرية الليبية الفرصة لتتخذ اجراءاتها وتحصل على التوضيحات الكافية, حتى تضمن رفع العقوبات ومحاكمة عادلة. مخاوف وعن المخاوف والمحاذير الليبية قبل تسليم المشتبه فيهما, يحددها احمد بن حلي في امرين اساسين هما رفع الحظر عن ليبيا بمجرد تسليم المشتبه فيهما, ثم ان تقتصر المحاكمة على موضوع لوكيربي , وتوفير ضمانات محاكمة عادلة ونزيهة, ففي حالة الاسئناف مثلا هل يتم في نفس المكان وامام نفس المحكمة ام ان هناك مستوى آخر!, وهي امور قانونية لابد ان توضح ... ايضا مسألة (تعليق العقوبات) فليبيا تريد رفع العقوبات وليس تعليقها, لان التعليق معناة عدم تسوية الموقف , ومن حق ليبيا ان تستوضح ذلك, وان تحصل على ضمانات كاملة بخصوصة فهي قد تنازلت عن ولايتها في محاكمة مواطنيها المشتبه فيهما في بلد ثالث, وحسب القانون الدولي واتفاقية مونتريال 1971 تعتبر ليبيا في قبولها بالمحاكمة في بلد غيرها قد تنازلت عن حق أصيل لها, وبالتالي يحق لها الحصول على ضمانات كافية لاجراء محاكمة عادلة وفي الوقت نفسه رفع العقوبات بشكل نهائي, وهو الامر الذي تؤيدها فيه جامعة الدول العربية والمنظمات الاقليمية الاخرى, بينما تصر امريكا وبريطانيا - حسب - تصريحاتهما - على تنفيذ المبادرة بدون مناقشة وفورا وهو كلام يفتقر الى المنطق السليم, فما دمنا نحرص على حقوق الانسان في اطار التعاون الدولي لابد من وجود حوار للاتفاق على المسائل الاجرائية والقانونية. الدوافع وعن دوافع المبادرة الامريكية - البريطانية الآن - وان كان لها علاقة بقرار منظمة الوحدة الافريقية خرق العقوبات من جانبها في اول سبتمبر اذا لم تستجب امريكا وبريطانيا للمرونة الليبية ويضغط الرأي العام داخل امريكا وفي العالم كله, يرى احمد بن حلي انه لاشك في ان الولايات المتحدة وبريطانيا اصبحتا معزولتين عالميا في هذا الموضوع فقد اتخذت منظمة الوحدة الافريقية في (بوركينافاسو) يوم 10 يونيو 1998 قرارا بان آخر أجل لقبول الاقتراح الذي تقدمت به كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية هو اول سبتمبر والا تعتبر نفسها غير معنية به, وهو قرار مهم, وهو نفس القرار المعروض على دول عدم الانحياز في مؤتمرها الحالي بجنوب افريقيا, وتتابعه جامعة الدول العربية من خلال امينها المساعد للشؤون السياسية الدولية زكريا قاسم للتنسيق مع مجموعة عدم الانحياز والجانب الافريقي والجانب الاسلامي ايضا ومن الواضح ايضا بالنسبة لامريكا وبريطانيا القرار الذي يمكن ان يصدر عن مجلس وزراء الخارجية العرب, كل هذه الامور والضغوط, الى جانب الضغط من قبل اسر الضحايا وبالذات في بريطانيا في اتجاه قبول هذا الاقتراح, وضعت كل من بريطانيا وامريكا في موقف حرج, وعزلتهما عالميا فيما يتعلق بقضية لوكيربي وتداعياتها, وظهر ذلك واضحا خلال الجلسة العلنية لمجلس الأمن يوم 22 مارس الماضي , وكل من تكلم في هذه الجلسة حوالي 50 شخصا, اكدوا على ضرورة التجارب مع المرونة التي ابدتها ليبيا, الى جانب قرار محكمة العدل الدولية الصادر في فبراير الماضي, وكان له تأثير كبير على مجريات الاحداث, لهذا كان لزاما على الولايات المتحدة وبريطانيا ان تقبلا بالمبادرة, ولكن قبولهما يفتقد الى المرونة الكافية .. على سبيل المثال, تريد امريكا وبريطانيا ان يكون دور الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان نجرد حامل رسالة الى ليبيا , بينما الامين العام للامم المتحدة له دور عملي في تسليم المشتبه فيهما, وضمان عملية التليسم وامنهما وسلامتهما, وضمان محاكمة عادلة ونزيهة, لابد ان يكون للامين العام دورا بارزا كما حدده قرار مجلس الامن رقم 883 الصادر في 1993. عقبات وعراقيل وعما اذا كانت الازمة قد وصلت الى مرحلتها الاخيرة يقول احمد بن حلي ان هذا املنا فقد وصلنا اليوم الى نهاية لحل الازمة الليبية واذا كانت هناك بعض العقبات والعراقيل فلابد من تكريس كل الجهود للتغلب عليها, وهذا ما يسعى اليه الامين العام للجامعة العربية من خلال الجهود المكثفة مع امريكا وبريطانيا , لان الهدف الاساسي هو انهاء الازمة بشكل مشرف, يضع حدا لمعاناة الشعب الليبي, ويحافظ على كرامته وسيادته. اما د. ابراهيم العناني , عميد حقوق عين شمس واستاذ القانون الدولي فيحدد الضمانات التي تريدها ليبيا في عدة نقاط. اولا ان ذهاب المشتبه فيهما الى هولندا ليس معناه ان ليبيا سلمت مواطنيها للولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا, بل هما وديعة لدى السلطات الهولندية لمتطلبات المحاكمة, بمعنى انه حين تنتهي المحاكمة الى اي نتيجة لابد من تحديد الوضع القانوني للمتهمين اذا كانا مدانين او بريئين, فيما يتعلق بعودتهما الى ليبيا او تنفيذ الحكم عليهما, وهذا يقتضي الاتفاق بين ليبيا من جهة وبريطانيا وامريكا من جهة اخرى. ثانيا انه ينبغي ان يكفل للمتهمين الحق الكامل في الدفاع بمعنى ان تتوافر مقومات كفالة حق الدفاع التي تقضي بها كافة النظم القانونية وتقضي بها المواثيق الدولية المتعلقة بضمانات المتهمين اثناء فترة المحاكمة . ثالثا ان يتحقق شرط الموضوعية في المحاكمة من خلال اعمال ما تضمنه قرار مجلس الأمن من اجراء المحاكمة تحت رقابة دولية, اي حضور مراقبين دوليين اجراءات المحاكمة. رابعا ان تكفل الحصانة الكاملة لهيئة الدفاع عن المتهمين, بمعنى عدم ممارسة اية ضغوط عليهم, وان تكفل لهم كل الامكانيات لتقديم ادلة النفي وغير ذلك من مسائل الدفاع. خامسا ان يجري تحقيق موضوعي لملابسات الاتهام, وهل هو مؤسس من الناحية القانونية ام لا, وبالرغم من ان القانون الاسكتلندي والقضاء الاسكتلندي هو الذي سيطبق فان ذلك لايمنع من تقديم الضمانات الموضوعية فيما يتعلق باجراءات التحقيق ... وحين تنتهي المحاكمة الى قرار نفترض جدلا انه الادانة, ينبغي ان تتبع الاجراءات اللازمة لتأمين المتهمين, لان تسليم ليبيا للمتهمين الى الامم المتحدة او السلطات الهولندية لايعني تسليمهما الى بريطانيا او الولايات المتحدة الامريكية. مقر المحكمة ... والقانون الدولي وعن مدى اتساق المبادرة الاخيرة والمحاكمة على ارض هولندا بقضاة اسكتلنديين مع القانون الدولي , يقرر د. ابراهيم العناني ان القانون الدولي يقول في هذا الخصوص ان المحاكمة في الجرائم الدولية التي تمس امن وسلامة الطيران المدني, وفقا لاتفاقية مونتريال ,1971 تتم امام محكمة الدولة التي وقعت على ارضها الجريمة. او محكمة الدولة التي اضيرت من الجريمة, او محكمة الدولة التي يوجد على ارضها المتهمين , او محكمة الدولة التي ينتمي اليها المتهمون ... وهذه الجهات المختلفة صاحبة الاختصاص في المحاكمة ليست جهات على سبيل الحصر, بل يمكن للدولتين المعنيتين او الدول المعنية ان تتفق على محكمة اخرى, ويمكن ان يتفقا على تطبيق اي قانون, سواء كان قانون الدولة المتضررة او قانون دولة المتهمين, او قانون الدولة التي حدثت الجريمة على ارضها او في اطار سيادتها الجغرافية, هذه مسألة متروكة لاتفاق الدولة المعنية, وهنا عندما تعلن امريكا وبريطانيا قبولهما بمحكمة على الارض الهولندية وبقضاة اسكتلنديين وقضاء اسكتلندي وتقبل ليبيا ذلك يعتبر ما تم اتفاقا دوليا لا غبار عليه من الناحية القانونية الدولية. وعما تردد من ضرورة تعديل القانون الهولندي والقانون الاسكتلندي لكي تجري المحاكمة بشكلها المقترح يرى د. ابراهيم العناني ان المسألة لا تحتاج الى أية تعديلات , لانها تخضع لاتفاق دولي, مادامت لاطراف ليبيا والولايات المتحدة وبريطانيا قبلت, ومادامت هولندا قد قبلت وهي الدولة المضيفة للمحاكمة ويقع عليها التزام ان تكفل الحصانة والضمانات الكفيلة بالحماية للمتهمين ولهيئة الدفاع ولهيئة المحكمة ايضا, فليست هناك اي حاجة للتعديل للقانون المحلي سواء القانون الهولندي او الاسكتلندي او الامريكي, او حتى القانون الليبي. حالة الادانة وفي حالة ادنة المتهمين ماذا يمكن ان يحدث؟ عن ذلك التساؤل يجيب د. ابراهيم العناني بانها مسألة تحتاج الى اتفاق بين ليبيا وبريطانيا وامريكا سواء كان الاتفاق حول تحديد اجراءات تنفيذ الحكم والعقوبة التي ستطبق او ما اذا كان التنفيذ سيتم على الارض الهولندية, لو افترضنا ان الحكم سيكون بالسجن, أوفي اي مكان آخر يتفق عليه, اي ان الاساس في كل ذلك هو الاتفاق , على ان يكون سابقا للحكم. ومن الممكن ان يجلس الاطراف الثلاثة بعد مرحلة القبول بالمحاكمة حاليا, ليتفاوضوا بشأن كيفية تطبيق الحكم, ويرى د. إبراهيم العناني انه ليس من الضروري الاتفاق على هذه الجزئية الآن, ولكن من الضروري الاتفاق عليها قبل صدور الحكم. وعن أسباب المبادرة الأمريكية ــ البريطانية, والاستعجال الواضح لديهما في قبولها يعطي د. إبراهيم العناني أهمية كبيرة لصدور حكم محكمة العدل الدولية في فبراير الماضي باختصاصها نظر القضية, لانه أفاد صراحة أن كل الاجراءات التي اتخذها مجلس الأمن لم يكن لها أساس قانوني وان مجلس الأمن كان ينبغي ــ اعمالا للقانون الدولي ــ ألا يتصدى للموضوع وأن يحيله بداية إلى محكمة العدل الدولية, لان المسألة تتعلق بتسليم متهمين وتتعلق باتفاقية مونتريال, وصدور هذا الحكم كان ولا بد أن يدفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تعديل موقفهما, وان يدفع مجلس الأمن إلى انهاء العقوبات المفروضة على ليبيا, لانها غير مؤسسة من الناحية القانونية وبالتالي كان متوقعا ان يصدر الموقف الأخير من الولايات المتحدة وبريطانيا. وربما تأخر عدة شهور بسبب المكابرة الأمريكية البريطانية.. أما موقف منظمة الوحدة الافريقية فهو ــ من وجهة نظر إبراهيم العناني ــ انعكاس للموقف القانوني والرأي العام العالمي, وكان من المفروض على كل الدول أن تتخذ مثل هذا الموقف بعدما انكشفت حقيقة الوضع, وتبين ان العقوبات غير مؤسسة من الناحية القانونية. وقد مثل موقف منظمة الوحدة الافريقية ضغطا على الولايات المتحدة وبريطانيا, إلى جانب الرأي العام العالمي, وفي تقديري ــ والكلام على لسان د. العناني ــ انه حتى لو لم يصدر قرار منظمة الوحدة الافريقية, كانت ستستجيب أمريكا وبريطانيا, ان عاجلا وآجلا لمستجدات الموقف الجديد. وعن دور جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي يرى العناني انه يقع على عاتقها التعاون مع الأمم المتحدة في كل ما يهم مقتضيات الأمن والسلم للمجتمع الدولي, والجامعة العربية تبنت منذ البداية فكرة المحاكمة في بلد محايد, وان كان موقفها مجرد اعلان رأي, ــ وفي تقديري الشخصي انه كان ينبغي أن يكون موقف الجامعة العربية أكثر حسما وأن تعلن صراحة انها لن تلتزم بالعقوبات المفروضة على ليبيا, لانها تفتقد إلى المشروعية القانونية, وبدلا من ان تبادر منظمة الوحدة الافريقية باتخاذ هذا الاجراء كان الأولى أن تتخذه الجامعة العربية.. لكن على أية حال فإن منظمة الجامعة العربية إلى جانب منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية ستشكل جميعا ثقلا كبيرا يدعم الموقف الليبي أمام الأمم المتحدة. قابلية الحكم للاستئناف أما د. مصطفى سلامة عميد حقوق الإسكندرية فيرى ان أهم الضمانات التي تحرص عليها ليبيا, أو ينبغي أن تحرص عليها هي قابلية الحكم للاستئناف, وأين سيتم تنفيذ الحكم لو صدر بالادانة, وكيف سيتم تسليم المتهمين إلى هولندا, إلى جانب ضمان الرفع الفوري للعقوبات عند تسليم المتهمين وكيفية تعويض ليبيا عن فترة العقوبات.. هذه هي النقاط الجوهرية بالنسبة لليبيا والتي تسعى لاستيضاحها والتأكيد عليها قبل تسليم المتهمين.. وعن وجود مخاوف من محاكمة المتهمين الليبين أمام قضاء اسكتلندي وما تردد عن استبدال المحلفين بقضاة بينهم قاض عربي أو مسلم يرى د. مصطفى سلامة ان هذا الكلام سابق لأوانه, ولا يمكن القطع به الا بعد أن تتقدم السلطات الهولندية للبرلمان الهولندي بمشروع قانون ينظم المحاكمة, ولكن المطلوب الآن أن يكون القضاة وهيئة المحكمة والدفاع بمنأى عن أي ضغوط خارجية.. والثابت حتى الآن ان من سيباشر القضية قاض اسكتلندي مع وجود مراقبين دوليين, ومسألة استبدال المحلفين بقضاة بينهم عربي أو مسلم فهي غير واضحة إلى الآن... وعما تردد من ضرورة تعديل القانون الاسكتلندي والهولندي, واختلاف الرأي بشأنها, يرى د. مصطفى سلامة ان التعديل في الجانب الهولندي هو الأساس, وانه لابد أن تتقدم السلطات الهولندية إلى البرلمان الهولندي بمشروع قانون, لأنه من المعروف ان لكل دولة قضائها الوطني وله السلطة القضائية على أرضه, ودخول قضاة غير وطنيين (اسكتلنديين) وممارستهم للمحاكمة يقتضي تعديلا في القانون الهولندي.. المسألة إذن لدى الجانب الهولندي,. ومسألة إدانة المتهمين وما يمكن أن يحدث بعدها من تنفيذ للحكم على أرض هولندا أو في مكان آخر, سيحدده أيضا مشروع القانون الذي سيعرض على البرلمان الهولندي. ورغم الغموض الحالي في امكانية الاتفاق بين الأطراف الثلاثة ليبيا وأمريكا وبريطانيا بشكل مباشر, أو اتفاق كل من أمريكا وبريطانيا مع الأمم المتحدة, واتفاق الأخيرة مع ليبيا, فإن الواضح تماما الآن انه سيتم محاكمة المتهمين خارج أمريكا وبريطانيا, في بلد ثالث هو هولندا, والمسائل المتبقية هي آلية تنفيذ هذا الاتفاق وهي في طريقها للحل. أما أسباب المبادرة الأمريكية البريطانية فيرتبها د. مصطفى سلامة على النحو التالي: أولا ضغوط أهالي ضحايا حادث لوكيربي. ثانيا ان أمريكا وبريطانيا وجدتا ان العقوبات بدأت تفقد معناها ومضمونها, بعد قرار منظمة الوحدة الافريقية, إلى جانب مؤتمر دول عدم الانحياز في جنوب افريقيا, والذي يبلغ أعضاؤه ضعف الدول الافريقية بما يشير إلى امكانية خرق الحظر المفروض على ليبيا من عدد كبير من الدول. مما سيؤثر على الدول الكبرى ومصداقية مجلس الأمن, خاصة وان قرار العقوبات على ليبيا تم وفق البند السابع لميثاق الأمم المتحدة, وبالتالي سيصبح خرق عدد كبير من دول العالم الثالث للعقوبات خروجا على (النظام الدولي الجديد) . أما مغزى ما حدث فهو ان تضامن وتضافر دول العالم الثالث من الممكن أن يجعلها قادرة على الوقوف في مواجهة الدول الكبرى, وهي نقطة أو تطور جديد على ما يسمى (النظام العالمي الجديد) بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, ولم يعد ممكنا ان تفرض الولايات المتحدة ما تشاء, فرغم تطبيق البند السابع ورغم تطبيق العقوبات شقت دول العالم الثالث عصا الطاعة على الولايات المتحدة الأمريكية ــ وبذلك نحن ـ في رأي د. مصطفى سلامة ــ مقدمون على فترة جديدة في العلاقات الدولية, ليس فيها حرب باردة أو مواجهة بين قوتين, وإنما تعدد الأدوار في العلاقات الدولية, وان هناك خريطة جديدة للعلاقات الدولية بدأت في الظهور. ويفسر د. مصطفى سلامة, الالحاح الأمريكي والبريطاني على انهاء المسألة بسرعة, من خلال تسليم المتهمين بأنه محاولة أمريكية بريطانية لحفظ ماء الوجه, ويتضح ذلك من عبارة (يجب التنفيذ فورا) رغم منطقية وضرورة ترتيبات بعينها, وهي ترتيبات فنية بالأساس ولا يمكن القفز عليها هكذا ببساطة.. وربما تشهد الفترة المقبلة درجة من التشدد في الموقف الليبي, وهو تشدد له ما يبرره من الناحية الفنية والمنطقية, ومن ناحية الاستفادة من الرأي العام الدولي المؤيد والداعم لموقفهما منذ البداية, والذي تبلور في الفترة الأخيرة. وعن دور جامعة الدول العربية في الفترة الماضية والفترة المقبلة يرى د. مصطفى سلامة انه رغم التحفظ النسبي على دور جامعة الدول, انطلاقا مما كان ينبغي عليها أن تقوم به من اتخاذ موقف حاسم, الا ان جهودها نجحت في النهاية, فالمبادرة الأمريكية هي اقتراح تبنته بالأساس جامعة الدول العربية, وأمانتها العامة وروجت له في المنظمات الاقليمية الأخرى, وساعدت في دفع منظمة الوحدة الافريقية في نفس الاتجاه.. ولم يكن يتخيل أحد في البداية. أن تكلل تلك الجهود بالنجاح وتتراجع أمريكا وبريطانيا عن تشددهما وفي الفترة المقبلة ستواصل جامعة الدول العربية جهودها, مدفوعة أيضا بالنجاح الذي حققته, والتأييد الواسع الذي يلقاه الموقف الليبي في التعاطي مع الأزمة. القاهرة - أيمن شرف