بعد ثلاثة أعوام من التقدم السريع والارتفاع المستمر في أسعار الأسهم والسندات الأمريكية حققت خلالها الشركات الامريكية والمواطن الأمريكي العادي أرباحا غير عادية, تراجعت سوق المال والأسهم الأمريكية تحت وطأة موجة الذعر العالمية التي ولدتها الأزمة المالية الخطيرة التي تعصف بالأوضاع الاقتصادية في روسيا . فقد دخل معدل داو جونز الصناعي, الذي يعتبر المؤشر الرئيسي لحركة رأس المال في أمريكا, دورة مستمرة من الهبوط في الأسبوع الماضي أنزلته من المستويات الشاهقة التي كان قد حققها وأثارت موجة من التكهنات والتوجسات حول الآثار المحتملة للنكسات الاقتصادية في روسيا ومناطق التأزم الأخرى في العالم على السوق المالية الأمريكية وبالتالي على الاقتصاد الأمريكي ككل. كان وول ستريت بمدينة نيويورك, عصب رأس المال في أمريكا, قد صمد طيلة الأشهر الماضية في وجه الأزمة المالية التي أخذت تجتاح مناطق متعددة من العالم من الأسواق الآسيوية الى أمريكا اللاتينية واوروبا الشرقية, وأخيرا جاء دور الأسواق الروسية. لكن تراكم النكسات العالمية في الآونة الأخيرة أثار بعض التخوف في سوق الأوراق المالية والأسهم الأمريكية وأثار فيها حالة من البلبلة والتوجس. ففي اليابان, انزلق سوق المال الى أدنى حد يصل اليه منذ اثني عشر عاما. وفي روسيا, انهار الروبل. وفي كندا, هوى الدولار الكندي الى أدنى مستوى له مقابل الدولار الأمريكي منذ 140 عاما. وعمت الأسواق النامية في أمريكا اللاتينية واوروبا الشرقية حالة من التراجع والبلبلة. وعليه عمد بعض المستثمرين الأمريكيين إلى سحب استثماراتهم في روسيا وغيرها, مما أدى الى الهبوط الكبير الذي سجله معدل داو جونز في الأيام الماضية. ويستدل من تصريحات كثير من الخبراء والمحللين الماليين والاقتصاديين بأن الاقتصاد الأمريكي ليس في خطر من جراء التشنجات المالية الحالية في العالم. ففي رأي المسؤولين في الاحتياط الفدرالي, وهو بمثابة البنك المركزي, ان الاقتصاد الأمريكي لايزال بخير. وحتى الانخفاض الحاصل في سوق الاوراق المالية لا يدعو الى القلق, وكل ما فعله هو أنه أرجع أسعار العملات الى ما كانت عليه في مطلع هذا العام. ويتفق محللون ماليون مستقلون مع هذا التقييم للوضع الراهن ويؤكدون أن الاقتصاد الأمريكي في وضع قوي يمكنه من الثبات في وجه العواصف القادمة من الخارج. ولكنهم يسلمون بأن الأزمة المالية العالمية ستؤدي لا محالة الى الابطاء من معدل النمو الأمريكي بتخفيض حجم الطلب على السلع الامريكية. وفي الوقت ذاته, وعلى صعيد إيجابي, فإن بطء عملية النمو في العالم وهبوط أسعار كثير من السلع وارتفاع سعر الدولار سيظل يخفض من أسعار الواردات الأمريكية, وهو ما من شأنه أن يقلل الضغط على معدل التضخم في الولايات المتحدة. أحداث روسيا والأزمة العالمية وإشارة الى أحداث روسيا, يتفق كثير من المحللين الماليين على أن الخسائر الكبيرة التي تحملها المستثمرون الأمريكيون في روسيا وعدم قيام الحكومة الروسية بتطبيق إصلاحات مالية بما في ذلك وضع ميزانية سليمة وسياسات اقتصادية فعالة تعني ان روسيا لن تستطيع دخول أسواق المال العالمية لمدة طويلة. ويشيرون كذلك الى ان تجربة المستثمرين الأمريكيين الفاشلة في روسيا دفعتهم ليس فقط الى سحب استثماراتهم من هناك بل وكذلك من عدد من البلدان التي تعرف بالاسواق النامية والتي تقع في أمريكا اللاتينية واوروبا الشرقية, بعد ان أعادوا النظر في سلامة استثماراتهم في تلك الاسواق. والى أن تتضح الصورة في الأيام المقبلة, يواصل المسؤولون ورجال المال الأمريكيون مراقبة التشنجات العنيفة التي تصيب أسواق المال في العالم لدراسة آثارها وتفاعلاتها المستقبلية. ويدور الجدل حاليا في أوساط الخبراء الماليين والاقتصاديين حول أنجع السبل الكفيلة بمعالجة تلك النكسات أو على الأقل تحجيمها والتخفيف من حدتها. ويرى الخبير المالي الأمريكي ريتشارد ميدلي أن انهيار سعر البات في تايلاند في نهاية يونيو الماضي كان إيذانا ببداية تلك السلسلة من التفاعلات في اوساط السياسة واسواق المال في العالم التي أوصلتنا اليوم الى نقطة تأزم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ويضيف بأن الأزمات المالية التي تكتسح روسيا وآسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية تهدد بتقويض الانتصار الذي حققته ايديولوجية السوق الحرة تحت زعامة الولايات المتحدة بعد انهيار الشيوعية في أواخر الثمانينات. وفي رأي الخبير الامريكي أن إصرار الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى على أن نظام السوق الحرة يصلح لجميع الدول بغض النظر عن أوضاعها وخلفياتها التاريخية ساهم في خلق الأزمات المالية الأخيرة. ولذلك يتعين على الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى أن تعمد منذ الآن الى مساعدة زعماء الدول المتضررة اقتصاديا على اعادة النظام الى اسواقهم والى تغيير الأطر التنظيمية لأسواق المال العالمية وأخيرا الى إعادة الثقة لدى دول العالم بأن فوائد الرأسمالية أكثر من مضارها. وإلى أن يتحقق ذلك, فإن التدهور في أسواق المال العالمية واقتصاديات دول العالم سيستمر. وتسلط الأضواء حاليا على الأزمة المالية في روسيا التي كانت بلا شك المحرك الرئيسي وراء موجة الذعر الحالية التي تجتاح اسواق المال في العالم. وفي رأي المراقبين الأمريكيين أن الأزمة الحالية تعود الى عدة أسباب, أهمها أن الحكومة الروسية سلمت بالهزيمة في معركتها الطويلة مع المضاربين بالعملات فأعلنت عجزها عن سداد ديونها الداخلية وخفضت سعر الروبل وأوقفت التداول في سوق الاموال والاسهم. ثم أن البنك المركزي الروسي أخذ يفقد احتياطياته (بسرعة مخيفة) , على حد وصف خبير الشؤون الروسية البارز ديمتري سايمز, مما يوحي بأن قدرة روسيا على سداد ديونها الخارجية الهائلة أصبحت موضع شك في الاوساط الأمريكية والدولية. وفي الصدد ذاته, تشير الاحصائيات التي نشرتها مصادر أمريكية الى أن حجم الفائدة على الديون الدولية المستحق على روسيا دفعه في العام القادم بالدولار الأمريكي وغيره من العملات الصعبة يبلغ 17 مليار دولار, وهو مبلغ يستحيل على روسيا توفيره في ظل الظروف المالية القاسية التي تحيق بها. وجاء في بيان أصدرته مؤسسة مالية أمريكية بارزة هي برونزويك ووربيرج أن روسيا ربما تعجز تماما عن سداد ديونها الدولية وأن الفرصة الوحيدة للحيلولة دون ذلك هي أن تتلقى روسيا دفعة جديدة من وسائل الانقاذ والعون من الخارج. ويشكل انهيار الاقتصاد الروسي مشكلة عويصة بالنسبة للولايات المتحدة بالذات. فلقد كانت واشنطن هي التي دعمت بوريس يلتسين ورأت فيه الزعيم القادر على السير بروسيا الى عصر جديد من التغيير والديمقراطية, كما أنها لم تتخل عن دعمها له وسط المشاكل والتحديات التي واجهها يلتسين منذ توليه السلطة وحتى الآن. كذلك كانت واشنطن وراء تشجيع وتقوية قوى الاصلاح الاقتصادي في روسيا وحثها على نبذ النظم والممارسات السوفييتية في إدارة الاقتصاد التي تقوم على مبدأ المركزية وسيطرة الدولة والاستعاضة عنها بنظام الاقتصاد اللامركزي والسوق الحرة. وقبل تفجر الأزمة الأخيرة في روسيا بقليل كانت الولايات المتحدة هي التي أقنعت صندوق النقد الدولي بتقديم صفقة قيمتها حوالي 23 مليار دولار من القروض الجديدة الى موسكو شرط أن تقوم الحكومة الروسية بتحسين وسائل جمع الضرائب ووضع ميزانية أشد حزما من سابقتها وإصلاح النظام المصرفي وضمان استقرار الروبل ومحاربة الفساد المستشري في روسيا. غير أن الأحداث الأخيرة في روسيا قلبت التوقعات الأمريكية رأسا على عقب. فقد تبخرت ثقة سوق المال العالمية بروسيا رغم القروض المقدمة من صندوق النقد الدولي وانهار الروبل الروسي ومعه سوق الأسهم والسندات وتفجرت في موسكو أزمة حكومية عندما أقال يلتسين رئيس وزرائه الشاب سيرجي كيريينكو وأعاد رئيس الوزراء السابق فيكتور تشيرنوميردين. وإذ تخشى واشنطن وأوساط المال الأمريكية أن تؤدي مشاكل روسيا المتفاقمة الى زيادة الاضطراب وتقوية عملية الهبوط والانحدار في الاقتصاد العالمي, فإن أكثر ما يقلقها هو مصير حركة الاصلاح والديمقراطية في روسيا. ذلك أن تردي الاوضاع الاقتصادية ربما يقوي شوكة الشيوعيين, الذين يسيطرون على البرلمان الروسي, أو يؤدي الى ظهور قوى رجعية أو قومية متطرفة تتحكم في الترسانة النووية الهائلة الموجودة لدى روسيا وبعض جاراتها. وما يزيد من القلق الأمريكي في هذا الصدد أن قطاعا واسعا من الروس يلومون الولايات المتحدة ويعتبرونها مسؤولة بشكل أو بآخر عما حل بهم من ويلات باعتبار أنها التي أوحت بالسياسات التي انتهجها يلتسين. ومع أن هذا العداء نحو الولايات المتحدة محصور في شريحة ضيقة من الناس, إلا أن تردي الاحوال الاقتصادية الى مستويات خطرة في المستقبل قد يشجع مزيدا من الروس على اعتبار أمريكا كبش الفداء ويغذي جذوة التطرف في روسيا. خيارات واشنطن في ضوء هذه الاعتبارات, تعتبر واشنطن أن من مصلحتها أن تساعد قوى الاصلاح والتغيير الديمقراطي في روسيا, بما في ذلك الرئيس يلتسين على الرغم من ضعفه وتأرجح وضعه السياسي. لكن أليكسي ارباتوف, عضو البرلمان الروسي وخبير الشؤون الروسية الأمريكية, يقول إن يلتسين فقد القدرة على القيام بالدور الذي كانت الولايات المتحدة تتوقعه وتأمل فيه. وفي رأي أرباتوف وغيره أن يلتسين فقد السيطرة تقريبا على العملية السياسية في روسيا ولم يعد في مقدوره أن يتحكم في الضغوط المتصاعدة التي تطالب بتغيير السياسات الاقتصادية في روسيا وبالعودة الى سياسات تعتبرها الولايات المتحدة والغرب إجمالا معبرا الى كارثة جديدة. غير أن الاتفاق الأخير بين الاطراف السياسية المتصارعة في روسيا قد يعطي يلتسين وتشيرنوميردين متنفسا من الوقت وفرصة جديدة تأمل واشنطن أن تجمد على المدى القصير على الأقل الضغوط التي تواجه يلتسين وحكومته وتمكن تشيرنوميردين من تركيز سلطته. وفي غضون ذلك يدور الجدل في الأوساط السياسية الأمريكية حول الكيفية التي يجب على الولايات المتحدة ان ترد فيها على أحداث روسيا. يقول نائب وزير الخزانة الأمريكي لورنس سامرز إنه من السابق لأوانه التحدث عما ينبغي عمله في مواجهة الأزمة الروسية, بما في ذلك احتمال قيام صندوق النقد الدولي بتقديم دفعة جديدة من القروض والمساعدات الى روسيا. ولكنه وغيره من المسؤولين الأمريكيين لم يخفوا قلقهم من احتمال عودة روسيا الى سياسات سوفييتية تنفي الاصلاحات التي دأبت الولايات المتحدة على تشجيعها ورعايتها في روسيا. بل إن مايكل كامديسو, مدير صندوق النقد الدولي, حذر روسيا من أن العودة الى نظام اقتصادي قائم على سلطة الدولة المركزية سيؤدي الى كارثة وشدد على أنه يتعين على موسكو ان تتمسك بالاصلاحات المستمدة من نظام السوق الحرة قبل أن يقدم الصندوق القسط التالي من صفقة الدعم المالي البالغة حوالي 23 مليار دولار. وردا على ذلك وعملا منه على تطمين الغرب, قال: تشيرنوميردين إنه (لن تكون هناك عودة إلى الماضي) وإلى السياسات الاقتصادية السوفييتية. لكن كثيرين من المعلقين الأمريكيين يتساءلون عما إذا كان من الممكن الاعتماد على وعود تشيرنوميردين في وجه المأزق السياسي والضغوط الهائلة التي يتعرض لها. ووسط هذه الشكوك في قدرات يلتسين وتشيرنوميردين السياسية, يراقب المسؤولون الأمريكيون عن كثب الصراع السياسي الحالي في روسيا والدور المؤثر الذي يلعبه الشيوعيون. وما تخشاه واشنطن هو أن يتمكن الشيوعيون من انتزاع تنازلات من يلتسين وتشيرنوميردين بحكم سيطرتهم على البرلمان الروسي الذي يجب أن يصدر التشريعات التي يحتاج اليها تشيرنوميردين لإجراء الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي. وليس هناك من يضمن أنه سيكون بمقدور زعيمين ضعيفين سياسيا مثل يلتسين وتشيرنوميردين أن يصمدا في وجه الهجمة الشيوعية القوية. ومن الناحية الاقتصادية يخشى المسؤولون الأمريكيون من أن تشيرنوميردين قد يضطر الى الرضوخ للدعوات التي تطالب بصك كميات إضافية من الروبلات لإعادة تعويم القطاع الصناعي ودفع مرتبات العمال, وهو ما سيدفع بالتضخم الى مستويات عالية ويقوض قيمة الروبل من جديد, مما سيزيد من حدة الأزمة الروسية. وإذ تدرك واشنطن كل ذلك فإن ما يبدو جليا للمراقبين السياسيين والاقتصاديين الامريكيين أنه لا توجد هناك خيارات حقيقية أمام واشنطن بالنسبة لما ينبغي عليها عمله إزاء الأزمة الروسية. ولذلك اتخذت واشنطن موقف رسميا حياديا قبل سفر الرئيس كلينتون الى روسيا لعقد مؤتمر قمة مع يلتسين. ماذا تعني قمة يلتسين ــ كلينتون؟ ومع ذلك, فإن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قرر المضي قدما في زيارته الى موسكو لعقد مؤتمر القمة مع الرئيس الروسي بوريس يلتسين رغم الازمة الاقتصادية والسياسية الخانقة التي يواجهها الرئيس الروسي وحكومته الجديدة التي لم تعلن برامجها الاقتصادية والسياسية بعد. ويجمع المراقبون السياسيون في واشنطن على أن الرئيس الأمريكي كلينتون قرر أن يقوم بتلك الزيارة لمافيها من مغاز مهمة الى علاقة واشنطن والغرب عموما بالرئيس الروسي الذي لا يعيش أفضل ايامه حاليا. لكن هؤلاء يجمعون أيضا على أن الرئيس كلينتون نفسه ذاهب الى موسكو وهو ليس في أفضل أيامه على الصعيد السياسي في أعقاب شهادته في قضية مونيكا لوينسكي والاحتمالات التي ما زالت تلوح في الأفق بصدد مستقبله السياسي. ويطرح المراقبون السياسيون هنا سؤالا مركزيا واحدا هو: من سيساعد من؟ هل سيكون بمقدور أي من الرئيسين الأمريكي أو الروسي مساعدة الآخر؟ أم أن الحال, وكما يقول مثلنا العربي القديم, لا يزيد عن كونه أن متعوسا التف على خائب الرجاء؟ لكن من الواضح أن الرئيس كلينتون اتجه الى روسيا الاثنين الماضي آملا من جهة في أن يعيد تأهيل نفسه للرئاسة من جهة, كما فعل حين زار الصين بعد انتشار أخبار فضيحة لوينسكي لأول مرة في مطلع العام, كما ليقدم للرئيس يلتسين المواساة والتضامن معه من جهة اخرى. غير أن الواضح أيضا أن الرئيس الأمريكي لا يستطيع تقديم أكثر من مجرد التضامن والمواساة, فهو عاجز عن تقديم المساعدات الاقتصادية التي هي الكفيلة بانقاذ بلاده من الفوضى والاضطراب اللذين يعصفان بها بعد ثماني سنوات على انهيار الاتحاد السوفييتي. كما أنه عاجز عن تقديم الدعم السياسي في ضوء التخبط الذي يبدو أن الرئيس الروسي يعيشه بدليل طرده رئيس وزرائه تشيرنوميردين قبل اشهر فقط وكاد يحارب البرلمان الروسي من أجل اقناعه بالموافقة على رئيس وزرائه الجديد ليعود الى طرده مرة اخرى ويستبدله برئيس وزرائه السابق. ومن الثابت أيضا أنه لم يقم أي رئيس أمريكي بزيارة الى موسكو وهو بهذا الضعف محليا من عام 1974 فقد اجتمع الرئيس نيكسون, الذي كان يعاني من فضيحة ووترجيت, مع الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف في أواخر شهر يونيو من ذلك العام فيما كان آخر مشهد من مشاهد رئاسته قبل استقالته وخروجه من البيت الأبيض بسبب تلك الفضيحة. وقد أعطت تلك الزيارة الانطباع بأن نيكسون ما زال رئيسا ناشطا في الشؤون الخارجية وأنه لم يتأثر بتطورات الفضيحة ولا يزال يمارس عمله في البيت الأبيض وكأن شيئا لم يكن. غير أنه بعد خمسة أسابيع من ذلك التاريخ, عاد نيكسون واستقال من منصبه وغادر البيت الأبيض في شكل مذل. وحيث أن الرئيس كلينتون ما زال يعاني من آثار فضيحة لوينسكي التي لم تنته بعد ويهدد الكونجرس بتقديمه الى محاكمة قضائية, وبسبب أن الرئيس يلتسين هو الآخر يعاني من المشاكل الداخلية السياسية والاقتصادية المستفحلة في بلاده, فإن لا أحد يتوقع هنا أن تثمر القمة القادمة أي تقدم مهم في اي من القضايا المطروحة على جدول أعمالهما, وأن الرئيسين سيستغلان القمة أساسا لأغراضهما السياسية الخاصة. ومن أهم القضايا المطروحة على جدول أعمالهما قضايا ضبط التسلح والارهاب الذي اكتسب أهمية جديدة في ضوء تفجيري السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا والقصف الصاروخي الامريكي لأفغانستان ومصنع الدواء في السودان ورد يلتسين الغاضب على ذلك, فضلا عن قضايا الصراعات الاقليمية والاقتصاد الكوني. وكان المسؤولون الأمريكيون قد بحثوا جديا امكانات تأجيل أو حتى الغاء القمة بين كلينتون ويلتسين هذا الاسبوع, الى أنهم قرروا يوم الجمعة الماضي فقط السير قدما بها على أساس أنها مهمة للولايات المتحدة ولروسيا معا. ونقل عن الرئيس الأمريكي قوله في الاسبوع الماضي انه (مدين لصديقه يلتسين بأن يقدم له دعما معنويا على الاقل في ساعات الظلمة السياسية الحالكة) التي تحيق ببلاده وبمستقبله السياسي. وقال كلينتون, ربما ملمحا الى أزماته القضائية والسياسية هو الآخر, ان بوسع أيّا كان زيارتك وأنت في أوجك, ولكن زيارتك وأنت تعاني من المشاكل هي الزيارة المهمة فعلا. ويعتقد المراقبون السياسيون أن زيارة الرئيس كلينتون الى موسكو هي مؤشر الى ان الولايات المتحدة والغرب لا يعتزمون التخلي عن روسيا والرئيس يلتسين خصوصا في هذه المحنة, وأن واشنطن والدول الغربية لن تتهرب من مسؤولياتها لمساعدة روسيا على الوقوف على قدميها مرة أخرى على اعتبار أن ذلك مهم لرفاه الولايات المتحدة والدول الغربية وللاستقرار العالمي. وأكد بيرجر أن لأمريكا مصلحة قوية في منع روسيا من الانهيار وفي نجاح محاولاتها الاصلاحية واستقرارها. وفضلا عن ذلك يشير المراقبون السياسيون هنا الى أن زيارة الرئيس كلينتون واجتماع القمة مع يلتسين سيكون بمثابة وسيلة مباشرة للحكم على أوضاع الرئيس يلتسين (السياسية والصحية) معا ورؤية احتمالات استمرار الرئيس الروسي في الحكم. ويقول هؤلاء إنه ليس هناك أفضل من أن يجلس الرئيس كلينتون قبالة نظيره الروسي للوقوف على (عافيته السياسية والصحية) . وقال مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي ساندي بيرجر ان من المهم للرئيس أن يقوم بزيارته هذه بالرغم من الأوضاع الحالية الصعبة في روسيا, بل ربما بسبب وجود هذه الأوضاع الآن. واشار بيرجر, الذي يعتبر المهندس الرئيسي لسياسة ادارة الرئيس كلينتون الخارجية في عهده الثاني الى قضيتين مهمتين يريد الرئيس كلينتون ان يتوصل الى نوع من التفاهم بشأنهما مع يلتسين وهما قضايا سلامة الأسلحة النووية الروسية وأزمتا العراق وكوسوفو. ويتوقع أن يتوصل الرئيسان الأمريكي والروسي الى اتفاق بشأن خفض البلوتونيوم الصالح للاستخدام في انتاج الأسلحة النووية في البلدين, فضلا عن اتفاق آخر بشأن تشاطر المعلومات حول اطلاق الصواريخ العابرة للقارات ضد اي منهما, خصوصا من منطقة ما يسمى بـ "القوس الخطر", وهي المنطقة الممتدة من ايران مرورا بجنوب آسيا الى كوريا الشمالية . غير أن الحقيقة المرة هي أن الرئيس كلينتون ذاهب الى موسكو حاملا رسالتين يعتقد انهما لن يستقبلا بحماس من مضيفيه الروسي: الأولى هي أن واشنطن لن تكون في وضع يسمح لها بتقديم مساعدات مباشرة الى موسكو من لدنها أو للضغط على صندوق النقد الدولي لتقديم قروض جديدة طويلة الأجل وميسرة قبل أن تتبنى حكومة تشيرنوميردين برنامجا اصلاحيا مؤلما يتضمن فيما يتضمنه رفع الضرائب ومحاربة الفساد وضبط التضخم في البلاد. والرسالة الثانية, وهي الأهم, هي أنه في حين أن الولايات المتحدة والغرب يريدان أن يواصلا التعاون مع يلتسين بصفته الرئيس الروسي المنتخب, فإن الرئيس كلينتون وبقية الزعماء الغربيين يطمحون الى تجاوز يلتسين وطاقم القيادة الروسية الحالية وصولا الى الجيل الجديد من القادة الاصلاحيين الروس المستعدين للتخلي عن ماضي روسيا الشيوعي ووضع البلاد على أقدام راسخة نحو الاقتصاد الحر وسياسات الأسواق . ويختلف أربعة من مستشاري الرؤساء الأمريكيين السابقين لشؤون الأمن القومي على أهمية قمة كلينتون ويلتسين وتوقيتها والفوائد التي ستعود بها على الغرب من جهة وروسيا من جهة أخرى. هنري كيسنجر, الذي كان مستشار الرئيس نيكسون للامن القومي ووزيرا للخارجية بعد ذلك, يعتقد أن عدم قيام الرئيس كلينتون بزيارة موسكو في هذا الوقت بالذات كان سيعني نوعا من الموت السياسي ليلتسين. أما مستشار الرئيس السابق جورج بوش لشؤون الأمن القومي برينت سكوكروفت فيعتقد أن (من الشائن أن يكون الرئيس كلينتون قد اتفق على هذه القمة مع يلتسين أصلا, ولكنه الآن لم يعد أمامه سوى ان يستقل الطائرة ويلتقي يلتسين ويتعايش مع نتائج هذه القمة لاحقا) . كولن باول, الذي عمل مستشارا لشؤون الأمن القومي في عهد ريجان ورئيسا لهيئة الأركان المشتركة في عهدي بوش وكلينتون, يعتقد أن الرئيسين سيجدان "وسيلة لاعلان نجاح قمتهما, بشرط ألا تنهار الحكومة الروسية أولا." أما مستشار رئيس الأمن القومي الاسبق للرئيس كارتر زبيجنيو بريجنسكي فيعتقد أنه كان على كلينتون (الا يقوم بهذه الزيارة والا يعقد قمة مع يلتسين في هذه المرحلة) . وقال بريجنسكي انه لا فائدة من القمة مع يلتسين الآن. وأردف أنه ليست هناك حكومة في روسيا حاليا. وقال: "ان كلينتون لن ينقذ يلتسين, من محنته ولن يساعد في انتشاله من الفيضان الذي يجتاح حكومته, والرئيسان ضعيفان كلاهما ولا يسيطران على الوضع في بلديهما كما يجب. لكن كيسنجر يشدد على ان عدم قيام كلينتون بهذه الزيارة في هذا الوقت بالذات كان "سيوجه الرسالة الخطأ الى القيادة الروسية والى العالم, بل ان ذلك كان سيكون المسمار الأخير في نعش الرئيس يلتسين." واضاف أن عدم القيام بتلك الزيارة كان سيعطي الانطباع لبقية زعماء العالم بأن الرئيس كلينتون "الذي هو أكثر الرؤساء العالميين ثقة في الرئيس يلتسين وحكمه قد فقد هذه الثقة." وأردف أنه لا يجب أن يكون "العذر الأخير الذي سيستخدمه الزعماء الآخرون لعدم التعاون مع يلتسين هو عدم قيام كلينتون بزيارته." لكن كيسنجر اعترف بأن الرئيس كلينتون "لا يحمل حبل الحياة السري معه الى يلتسين او الى نظامه, فالرئيس كلينتون غير قادر في الواقع على تقديم اية مساعدة ملموسة الى يلتسين الآن. هذه حقيقة. أما سكوكروفت فقال انه لو كان لا زال مستشارا للأمن القومي للرئيس كلينتون لنصح رئيسه بألا يتفق على عقد هذه القمة مع يلتسين لأن "ليس هناك ما يمكن لأي منهما أن يفيد منها في هذه المرحلة." غير أنه أضاف أن "الغاء القمة اليوم ستكون ضربة قاضية للرئيس يلتسين ونظام حكمه, وهو أمر خطر للبلدين. وقال سكوكروفت انه عندما يجلس الرئيسان قبالة أحدهما الآخر, ما الذي سيتحدثان عنه؟ ستكون تلك مجرد مناسبة للصحافة للكتابة عن رئيسين جريحين جراحا قاتلة في بلديهما يحاولان البحث عن طريقة تعيد لهما شعبيتهما في بلديهما وبين شعبيهما. وحتى لو توصل الرئيسان الى بعض الاتفاقات, فلا أعتقد أن أيا منهما قادر على الحصول على موافقة مجلسيهما التشريعيين لتطبيقها. كولن باول, الذي خدم مستشارا للأمن القومي في عهد ريجان ورئيسا لهيئة الأركان المشتركة في عهدي بوش وكلينتون, أعرب عن اعتقاده بأن على كلينتون أن يعقد هذا الاجتماع لمصلحة روسيا ولمصلحة الولايات المتحدة. بل قال انه يمكن "للرئيس كلينتون أن يدخل نوعامن الجدية الاضافية الى العلاقة بين واشنطن وموسكو في هذه المرحلة بالذات التي نواجه فيها الكثير من عدم اليقين بشأن العديد من القضايا الدولية, خصوصا قضايا العراق والبوسنة وكوسوفو. واتفق معه كيسنجر على ذلك حين قال انه يمكن تحويل هذه العلاقة من علاقة "سيكولوجية الى علاقة سياسية. غير أن كيسنجر شدد على أن الرئيس كلينتون أن يوصل الرسالة الى يلتسين وقيادته السياسية الحالية بأن واشنطن والغرب يريدان (اقامة علاقة دائمة مع موسكو تتجاوز يلتسين وقيادته الحالية, وأن على القيادة الروسية الحالية أن لا يزعجها ذلك) . واشنطن ــ مهند عطالله