تضيف الأزمة الاقتصادية الروسية التي لم تنته فصولا جديدة الى الحديث الدائر حول الديمقراطية وسياسة الاصلاح الاقتصادي وعلاقة الملياردير اليهودي (جورج سورس) بنكبة روسيا وكما حدث بالأمس القريب لدول شرق آسيا فعلى طريقته الخاصة فجر (سورس) قنبلة ذرية من نوع اخر يوم الثالث عشر من اغسطس الماضي بتوصيته المريبة لخفض اسعار الروبل من 6 الى 9 روبلات للدولار الواحد لمواجهة التردي الاقتصادي في روسيا, بيد ان ذلك ان عمت الفوضى والخوف والهستيريا كل روسيا وكما وصلت ذبذباتها المدمرة الى الاسواق العالمية. وكان ان تفجر ازمة اوسع نطاق لاتزال بكل تفاعلاتها تثير العديد من المخاوف لانفجار اجتماعي يصعب السيطرة عليه جراء تدهور مريع للأوضاع المعيشية للسكان بلد يملك من الامكانيات الضخمة من حيث مصادر الطاقة والمواد الخام والاراضي الزراعية الشاسعة والأيدي العاملة وغيرها من المقومات التي تساعد على تحقيق معجزة اقتصادية جديدة بكل المقاييس. سقوط يلتسين ان الازمة المالية التي تعصف بروسيا النووية لاتزال تغرق العالم بنشرات التفاصيل واخبار التطورات السياسية المتسارعة التي طوحت بترسانة من رؤوس مهندسي (اقتصاد الظل) وفي المقدمة سيرجي كيريينكو وتسوبايس.. بل ان نار الازمة الطاحنة طالت هذه المرة الرئيس الروسي بوريس يلتسين نفسه ومستقبله السياسي بفعل نهجه المدمر الذي اوصله الى وضع حد خطير منذ حل الاتحاد السوفييتي السابق في 1992.. فلوحظ وجود هيمنة فوضية طاغية لادارة شؤون الدولة بنرجسية قادت البلاد الى اتون وضع متهالك شمل كل مناحي الحياة لتتحول من مشكلة اقتصادية الى أزمة سياسية تصاعدت حدتها بارتفاع اصوات عمال مناجم سيبيريا من مجرد المطالبة بصرف الرواتب المتأخرة الى الدعوة امام الكرملين بسقوط الرئيس يلتسين واركان حكمه لانه في نظر الروس السبب وراء هذه الكارثة العاصفة بهم منذ اقدام (بوريس) الى قصف البرلمان بالدبابات في اغسطس 93.. تبع ذلك بقصف الدستور القديم وايجاد (دستور جديد) نال بموجبه يلتسين من الصلاحيات المطلقة التي تفوق مهام وصلاحيات رئيس الولايات المتحدة بأربع مرات كما تفوق صلاحيات القيصر الروسي بمرتين وفقا لما اجمع عليه فقهاء القانون والتشريع. عقدة روسيا وفي اطار الصورة القاتمة السواد يكون التربص مستمر بين الرئيس يلتسين وخصومه من السياسيين والحزبيين واليساريين سواء داخل مجلس الدوما او خارجه فالأزمة الراهنة كشفت عن تبادل مراكز التناقضات والتلويح بحل البرلمان او باقالة الرئيس!! ومن معالم (الوفاق) او بالأحرى التحدي الجديد تخلى بوريس عن سياسة (اهانة) او (الاستهتار) بالبرلمان ويتمثل ذلك باعتراف (الرئيس) عن حالة اليأس وما وصلت اليه البلاد من جراء الاخطار والخطايا التي ارتكبت خلال السنوات السبع العجاف وفشل جهود الاصلاح الاقتصادي والاستسلام (لوصفة) صندوق النقد الدولي القاتلة ناهيكم عن خطورة الفساد المستشري في الجهاز الحكومي والذي اصبح احد ملامح الحياة الروسية المعاصرة بوجه عام. ومن المنطقي القول ان تراجع يلتسين امام خصومه يأتي من باب الخروج بأقل الخسائر خاصة مع تحالف شعبي وحزبي يهدد حاشيته.. فالبلاد لم تعد تحتمل المزيد من التسويف او التلويح بورقة (حل البرلمان) او (الماضي الشمولي) قد خول النظام المصرفي دائرة الانهيار يعني سقوط اخر الجدار الدفاعي الذي حاول يلتسين التمترس خلفه.. خاصة بعد رفض حلفاؤه من تقديم الــ 22 مليار دولار لانقاذ ما يمكن انقاذه. وبالرغم من الحديث عن توصل الكرملين والمعارضة الى اتفاق يضمن تجميد الصراع السياسي واعلان الهدنة لمدة عام ونصف العام بهدف اتاحة المجال امام الحكومة الجديدة برئاسة (تشيرنوميردين) لاخراج روسيا من ازمتها الطاحنة مقابل (حزمة) من التنازلات من جانب السلطة التنفيذية تعهد من خلالها الرئيس الروسي تعديل الدستور واعادة تقاسم الصلاحيات بين فروع السلطة المختلفة وعدم الاقدام على حل البرلمان في غضون الفترة التي تسبق اجراء الانتخابات البرلمانية في مايو المقبل الا ان هذا الاتفاق لن يكتب له النجاح وذلك بالنظر الى الموقف المتشدد للشيوعيين الذين يهيمنون على الدوما حاليا بالاضافة الى حلفائهم من الليبراليين وتكتل (يابلكا) (التفاحة) الاصلاحي الذين رفضوا (اتفاق الاحد الماضي) لانهم يرون في الوثيقة بمثابة خروج يلتسين من ورطته ثم يعود ليتنكر لها!!. نهاية القيصر والمراقب من الخارج لما يجري في روسيا يلاحظ ان هناك العديد من المؤشرات الدالة على ان يلتسين لن يصمد طويلا في مواجهة زحف الازمة التي اتسمت بضراوتها ومرارتها وهي تسقط يوميا على رؤوس الروس فقيادة موسكو تآكلت واصبحت مكشوفة امام الرأي العام ولا يوجد في الشارع الروسي من يدافع عنها الامر الذي يصب (الدعم) لصالح المعارضة.. ولذلك فانه ليس من المبالغة في شيء القول بان الامزجة العميقة التي تعد الاخطر في تاريخ روسيا الحديث كونها ادت الى الانهيار الشامل وتدهور الانتاج هي في الواقع اكبر من بقاء او رحيل يلتسين من الكرملين.. لذا لا يستبعد المراقبون دخول روسيا مرحلة تحول مهمة قد تؤدي الى سقوط يلتسين عبر حدوث انقلاب برلماني يسند من المؤسسة العسكرية او بدعم ثورة شعبية.. ويرتكز اصحاب هذا الرأي على تواصل الدعوات في موسكو لتقديم يلتسين لاستقالته طواعية مع وجود ضمانات فعلية له ولأسرته.. وفي هذا السياق ايضا دعا الشيوعيون الى تنظيم اضرابات واسعة جدا في عموم روسيا في السابع من أكتوبر المقبل لحمل الرئيس يلتسين على تقديم استقالته من منصبه في حالة عدم تقديمها طواعية.. زد على ذلك وقع الشيوعيون وحلفاؤهم على وثيقة عزل الرئيس يلتسين من منصبه, ويعزز هذا التوجه ما تردد الاسبوع الماضي بعد لقاء المستشار الاعلامي للكرملين (سرجي يفلنسكي) مع زعيم المعارضة البرلمانية (زوجاتوف) حيث ترددت اشاعات قوية حول قرب استقالة يلتسين, وكما قيل حول هذا اللقاء تم مناقشة الضمانات الحقيقية والفعلية للرئيس الروسي واسرته في حالة اعتزاله العمل السياسي منها منحه الحصانة البرلمانية والعضوية داخل مجلس الشيوخ الروسي والمخصصات الحكومية لضمان الحياة الكريمة له وكذا التعهد بعدم ملاحقته او محاكمته على الاتهامات الموجهة له من قبل الشيوعيين. وتوضح التصريحات المرصودة والقادمة من موسكو لخصوم يلتسين ان ما يحدث اليوم في روسيا قد وضع (الرجل) امام حقيقة مفادها انه بات يقترب من نهاية لحكم القيصر بوريس البالغ من العمر 67 عاما. ويقول النائب الشيوعي (فالنتين كوبستوف) (كلما رحل يلتسين سريعا كلما كان ذلك أفضل) . وأضاف الملياردير بوريس (بير بزوفسكي) الذي اسقط كيريينكو ويقف وراء (تشيرندميردين) لصحيفة (سيفودينا) (اليوم) من المستحيل ان يستمر يلتسين في السلطة واستقالته آتية رغم تمسكه بها حتى عام 2000. ويرى الخبير السياسي (سيرجي ماركوف) (ان الازمة اضعفت يلتسين كثيرا) ,, ومن التصريحات المثيرة في هذا الجانب ما قاله الجنرال (الكسندر ليبيد) حاكم مقاطعة (كرسنيسرسيك) وعضو مجلس الشيوخ الطامح بالفوز بالانتخابات الرئاسية ان يلتسين لم يعد في وعيه وغير قادر على تسيير امور الدولة التي هي اصبحت خارج قراره فطالب بدوره الى تنحي الرئيس يلتسين عن قيادة البلاد داعيا الى سرعة اعادة الانضباط الى الشارع الروسي وتفويض الذين تضرروا من الاجراءات الاقتصادية الراهنة.. وفي الوقت نفسه عاد الجنرال ليبيد محذرا من مخاطر انهيار الكيان الفيدرالي الروسي جراء اندلاع حرب اهلية اذا لم يتم وضع حل عاجل لأزمة البلاد الطاحنة. وعاد نيكولاي ريجكوف رئيس الكتلة (السلطة للشعب) من جديد يحمّل يلتسين مسؤولية انهيار روسيا وما وصل اليه الوضع من تردي مخيف شمل كل اوجه الحياة ووصف يلتسين بأنه (شخص مزاجي ومتقلب بل وسادي النزعة وانه يتعامل مع المعارضة بسخرية لا حدود لها) مشيرا الى ان يلتسين (لم يعد يحكم روسيا وقد تجاهل الشعب والملايين التي تعاني من شظف العيش وتواصل عملها بدون اجور ولا مرتبات) !!. اما زوجانوف الزعيم الشيوعي والعدو اللدود ليلتسين فنجده يمطر خصمه بوابل من القذائف بقوله: (لقد ساد روسيا جو من الهيمنة والغطرسة خلال السنوات السبع الماضية.. وان مرحلة عهد يلتسين هي اقل ما يمكن ان يقال عنها انها (جريمة كبرى لا مثيل لها في تاريخ روسيا) .. وزاد يقول (ان يلتسين اذل روسيا التي انتصرت في اعنف حرب في القرن العشرين.. وحققت مآثر في ريادة الفضاء, ولقد فصّل يلتسين في عام 1993 دستورا عليلا على مقاسه فضلا عن انه غير لائق وقادر على العمل..) . عوامل الانهيار والسؤال الان لماذا كل هذا التردي؟ للاجابة عن هذا السؤال يمكن رصد العديد من العوامل كما يؤكدها العديد من خبراء الاقتصاد منها ان سوء الادارة هو العقبة الكبرى التي عرقلت الاقتصاد الروسي خاصة مع تفشي الفساد في القطاع الحكومي وانهيار ثقة المواطنين وهروب المستثمرين وتهريب ما يقرب من 22 مليار دولار سنويا من روسيا اي ما يعادل القروض التي وعدت بها الدول الصناعية لتقديمها الى موسكو والمشروطة ايضا بالاستمرار في اجراء الاصلاحات الاقتصادية وهي في الواقع التي خلقت المناخ لاستشراء الفساد بشكل لم يسبق له مثيل منذ بداية التحول الى اقتصاد السوق حيث حقق الكثيرون الملايين من وراء الانشطة غير المشروعة من الرشاوي والعمولات.. ومن اسباب الازمة الراهنة ان النشاط الاقتصادي يسير بدون تدخل الدولة او هيمنتها مما خلق ما يسمى باللغة الروسية كلمة (تينفيكي) اي (رجل الظل) وهذا الوقع قاد الى التلاعب بموارد الدولة وعدم تحصيلها لان الشركات التجارية تدفع بعملاتها خارج ظهر الدولة.. ونتيجة لذلك تذكر الارقام المنشورة بان حجم التهرب الضريبي يصل الى نحو 112 مليار دولار في العام بالنسبة لجميع الضرائب. وعلى مدى السبع سنوات الماضية من عهد يلتسين اتسعت الهوة بين الطبقات الاجتماعية بصورة كبيرة وتمتع بأثمار الاصلاح الاقتصادي فئة قليلة جدا من الروس تقدر بــ 25% من سكان روسيا.. وبات من الواضح ان العمال والفقراء هم وحدهم الذين يدفعون ثمن الاصلاح الاقتصادي وفوضوية الخصخصة.. وتتجلى صورة المأساة ان الملايين من الموظفين والعمال والعلماء لا يتقاضون رواتبهم منذ شهور وتشير التقديرات الى أن حجم المتأخرات والاجور وصلت الى 12 مليار من الروبلات!!! فقد اعلنت القيادات العسكرية بانه قد سمح الاسبوع الماضي للضباط والجنود بالبحث في الأحراش والغابات عن نبات (عش الغراب) لاستخدامه كنوع من الشربة لسد رمق الملايين من الجوعى الروس!!. ولعل احد الامثلة الصارخة لما يعانيه الملايين من الموظفين ما قاله الدكتور (اباكين) عميد معهد الاقتصاد في موسكو في تصريحات نشرتها الصحف الروسية ان حكومة يلتسين هي المسؤولة عن تأخير رواتب العمال وذهب الى أن يوجه دعوة مفادها (ان من حق العمال ان يشهروا احتجاجهم باللجوء لمقاضاة حكومتهم امام محكمة العدل الدولية استنادا الى أن تأخير دفع المرتبات من عمل انجز بالفعل لهو خرق فظيع لابسط حقوق الانسان) .. مؤامرة الغرب ولا يمكن الحديث عن تفاقم الازمة الروسية دون الاشارة عن الموقف الغربي مما يجري في موسكو والمتابع الحصيف للرؤية الاوروبية والامريكية يلاحظ ثمة تنافسا متعمدا تجاه درجة تأييد الاتفاق الذي توصل اليه الكرملين مع المعارضة ويمتد هذا الغموض الى مدى امكانية التزام الدول الغربية بتقديم الــ 22 مليون دولار لانقاذ الاقتصاد الروسي.. وفي هذا السياق لم ترفض واشنطن مطلقا الدور الذي يقوم به ببراعة توني بلير رئيس الدورة الحالية لمجموعة الدول الصناعية في نشر الانقسام بين الدول الاوروبية.. فالولايات المتحدة لا تريد ان تكون المساعدات بمثابة الطريق الجديد لعودة روسيا دولة قوية لان واشنطن ترى في كل الاحوال والظروف ان روسيا تبقى لاعبا هاما على رقعة الشطرنج العظمى رغم انها فقدت بعض اجزائها وتعاني من مشاكل لا حصر لها.. ولكن بالمنظور الامريكي ان روسيا يجب ان تبقى ولكن ضعيفة.. كما ان الاوروبيين يدعمون هذا الاتجاه ولكن لصالحهم وعبر سماسرتهم المربوطين بحبل سري بين مافيا روسيا واسواقهم المالية.. لذا فان شروط منح مساعدة انقاذ مرهونة بمدى التزام موسكو بالاستمرار في الاصلاحات والذي يعني في التحليل الاخير زيادة الافقار او اطلاق (رصاصة) الرحمة على الدب الروسي لكي تعود البلاد الى دولة متخلفة تملك اسلحة ذرية!! وفي ضوء هذه الحقائق نجد ان العديد من خبراء الخارجية الروسية لا يخفون قوتهم بان سياسة الصداقة التي يتبعها الغرب مع موسكو تستهدف حرمان روسيا من امكانية دولية يمكن ان تتمتع بها.. ويعترف خبراء روسيا بان واشنطن ودول حلف الاطلسي تريد الاحتفاظ بأقصى قدر ممكن من الاحترام لموسكو.. لكنها تسعى في ذات الوقت الى تدمير الاسس الجغرافية والسياسية الجيوبوليتك التي يمكن ان تسمح لروسيا ولو بالامل النظري في اكتساب مكانة القوة الثانية في السياسة العالمية.. وهذا يتجسد بما يجري في دول آسيا وافغانستان والبلقان ومنطقة الشرق الاوسط... وعلى هذا فان الغرب وفقا لما قاله صراحة الكاتب الروسي كوهين في (النيوز ويك) الامريكية ان الغرب هدفه تدمير روسيا حين قال: (الواقع ان روسيا كانت بحاجة الى اصلاح لكن الذي حدث انها سقطت في الفخ الغربي وجرها الى وضع كارثي مشيرا الى ان المواقف الغربية تجاه مساعدة موسكو هدفها انجاز السياسة المدمرة وليس انتشالها من مستنقع السقوط) . وهذا ما يؤكده الكسندر بوف احد كبار المسؤولين في كتلة (بيتناروسيا) فيقول صراحة ان الغرب يريد القضاء على الدور الروسي من خلال وضع شروط قاسية على مساعدته لموسكو لذا فهو يضع ثلاثة خيارات للخروج من الازمة الراهنة وهي: * ان الحصول على مزيد من القروض الاجنبية لتطوير الاقتصاد ومتابعة ما يسمى بالاصلاحات الاقتصادية. * والخيار الثاني يتمثل في الاعتماد على الروبل واحتكار الدولة للتجارة الخارجية وتخطيط الاقتصاد. * اما الاحتمال الثالث فيكمن في مواجهة اضطرابات دموية تؤدي الى تفتيت روسيا ويمكن ان يدفعها الى هاوية المجهول. وباختصار ان ما جرى في روسيا ربما جاء في اللحظة المناسبة لايقاظ اولئك الذين يتاجرون بمصير شعوبهم من سبات الكسب غير المشروع.. الا ان ما ترسمه التقارير ليلا ونهارا تحمل الخطر للجميع بكل تشابكات العولمة التي تجتاح العالم.. على ان السؤال يبقى: هل الازمة الروسية ستظل هائجة ببقاء يلتسين في قمة السلطة وهو غائب عن وعيه ام سيتم تقليص صلاحيته لرئيس حكومته وتقاسم السلطة مع البرلمان حتى تستقر الامور والاتيان بقيادة جديدة لن تكون باي حال شيوعية؟! الاجابة متروكة للايام القليلة القادمة ولاحداث حبلى بمفاجآت كبيرة ومن عيار الدب الروسي.. بقلم ـ عبدالله سعد