هنالك عامل عجيب, لاحظه المؤرخون, وعلماء العلاقات الدولية, على الدول العظمى, التي تُلمُّ بها الضربات الموجعة, وتبدو عليها علامات الوهن والانحلال, واعراض السقوط. فهذه الدول اما ان تغذ الخطى, وباسرع ما يمكن, الى مدارج النهوض مرة اخرى, واما فانها ستغذ خطاها على الدرب الآخر .. درب الأفول. هنا السعي المتسارع الذي تبديه بعض الدول المتساقطة, باتجاه اعادة النمو, يسميه العلماء بــ (pheonix factoy) وقد لوحظ على كثير من الدول التي تساقطت, لكنها لمّت شتاتها, وتنامت من جديد, وكان ابرز مثالين لها في العصر الحديث هما المانيا واليابان, فما هي الا سنوات قلائل بعد كارثة الانهيار الشامل, عقب الحرب العالمية الثانية, الا وقد نهضت الدولتان, لتعوضا كل ما مضى واصبح حطاما, ولتسجلا ارقاما قياسية في عالم الصناعة والاقتصاد.. ولولا ما فرض عليهما من شروط دولية, تمنع اعادة تسليحهما, لربما عادتا قوتين عسكريتين, في طليعة القوى العسكرية في هذا العصر. يتصل عامل (الفيونكس) هذا بطبيعة وظروف الحرب التي انهزمت فيها تلك القوة العظمى, كما يتصل بطبيعة وخصائص الثقافة السياسية للشعب المكون لتلك القوة العظمى, وما اذا كان شعبا موحدا فيه بقية باقية من الفتوة, والتعلق بالامجاد ام لا. انهزمت كل من المانيا واليابان في الحرب لاسباب تتصل بسوء التخطيط والقيادة, لا بسوء الاستعداد والحماس والبلاء في الحرب وكانت الهزيمة مهينة مست كبرياء المواطنين, فانخرطوا في اباء وشمم وفي التزام قومي صادق في مشوار البناء الاقتصادي الناجز. وبالطبع فقد انضافت لذلك المسعى ـ في حالة المانيا ـ قطرات اسعافية كثيرة من العون الاقتصادي الذي سمى بمشروع مارشال, الذي صمم خصيصا لتقوية اقتصاديات عدة دول غربية, حتى لا تغدو عرضة للهزات والثورات, واجتياح الجيش الاحمر من جديد. الاتفاق الضائع ولكن ما انفق على روسيا, في خلال الاعوام السبع الاخيرة, وهو اضعاف اضعاف جملة ما انفق على المانيا حتى تنهض, لا تبدو له اية آثار ايجابية, او مجرد آثار انتعاش على الاقتصاد الروسي, الذي امتصّ كل تلك القروض, ولما تبدو عليه اي من سيماء العافية او الخلاص. وذلك مع ملاحظة ان روسيا لم تسقط صريعة حرب مدمرة كما سقطت المانيا, انما سقطت روسيا ـ وريثة الاتحاد السوفييتي السابق ـ دون حرب عظمى, وذلك في مسابقة تاريخية فريدة, لم يشهد لها التاريخ المكتوب مثيلا من قبل... اذ ان الدول العظمى لا تسقط ـ او لم تسقط من قبل قط ـ إلا إثر حرب اقليمية او عالمية عظمى! ولكن ربما كان ذلك هو سبب المعضل الروسي برمته. فما لم تحدث الهزيمة المدوية لا يتوقع العلماء والمؤرخون حدوث اي اثر لعامل (الفيونكس) الذي تتسارع به عودة الامة لاسترجاع ماضيها.. كان الظن لدى قادة روسيا ومخططيها الاقتصاديين ان مجرد الخروج من قبضة التخطيط الشمولي للاقتصاد, والتخلص من بلاد الهامش, المتمثلة في الدول السوفييتية الآسيوية, كفيل بإخراج روسيا الى عالم الاقتصاد الحر, والاندماج في المعسكر الغربي الناهض وقد كان ذلك ايضا هو حلم تركيا, يوم تحطمت غداة الحرب العالمية الاولى, فتخلصت من هوامشها, وارادت ان تندمج في الغرب, لتنمو حسب فلسفته, وتعود قوة عظمى من جديد, ولكن ها هي تركيا تراوح مكانها لزهاء ثلاثة ارباع قرن من الزمان! بؤس الحلول الاجرائية لم تكن الحلول الاجرائية هي الحلول المناسبة لعلاج المعضل الروسي, ومع ذلك فما كانت تنفد حزمة حلول من ذات الطبيعة الاجرائية, حتى يفكر المسؤولون الروس, ومن هم وراؤهم, في ابتكار سلسلة حلول اخرى من ذات الطبيعة الاجرائية, ولم يدر في خلد المسؤولين الروس ان المعضل الاقتصادي لبلادهم, يتطلب ابداع حلول جذرية, بعيدة المدى, مثل تلك التي ابدعها القادة الصينيون بجوارهم, وهي الحلول التي مكنت الصين من ان تستوعب في اطار سياسة التخطيط الشامل, معظم متطلبات سياسة التحرير الاقتصادي, واستطاعت بذلك ان تزيح عن الاقتصاد الصيني, اسباب الركود والاختناق, وان تدفع به لانجاز معدلات نمو هي الاعلى عالميا حتى الآن. لم تخضع الصين لاغراء الحلول السهلة, ولم تعتمد على قروض صندوق النقد الدولي, ولم ترضخ لاملاءاته, ومضت تملى شروطها هي على المستثمرين الاجانب, واستطاعت بمزيج من الحزم والمرونة وبعد النظر, ان توائم بين النقائض, وان تستوعب حتى هونج كونج ـ بكل تعقيداتها الرأسمالية ـ ضمن اطار اقتصاد اشتراكي الملامح. لم يحدث شيء من هذا في روسيا التي لم تسع الى شيء من التميز, وكان اول ما فعله يلتسين ان اجتلب بروفسورا امريكيا في الاقتصاد, من جامعة هارفارد, وعينه مستشارا اقتصاديا له, باعتقاد ان مشاكل روسيا الاقتصادية لا تتطلب سوى علاجات ووصفات جزئية وقتية, ناسيا فارق الثقافة القومية, وسابق التجربة الاقتصادية, التي لا تزال تشكل الهيكل العام للاقتصاد... وهكذا اصبحت وصفات التحرير الاقتصادي الشكلية, تلك الوصفات التي يوزعها, ويضغط في سبيل امضائها صندوق النقد الدولي, هي الوصفات المعتمدة لمعالجة الاقتصاد الروسي, واضحى التعامل مع تلك الوصفات يتم بشكل اشبه ما يكون بتعامل المتحمسين مع الشعارات السياسية, تعامل لا يخلو من المزايدة والتطرف, ولكن المزايدة والتطرف كانت آخر ماتحتاجه حالة الاقتصاد الروسي وهو يعاني من ازمته الهيكلية العميقة.. ولئن افلح الولاء السياسي للغرب في جلب اموال صندوق النقد الدولي, وقروض اخرى مباشرة من الدول الغربية, الا ان افتقاد الحكمة الاقتصادية, حال دون ضخ تلك الاموال الى القنوات المناسبة في البناء الاقتصادي الروسي, وهكذا تبددت معظم تلك القروض وكأنها انصبّت في هاوية ليس لها قرار. وهكذا اصبح الاقتصاد الروسي اكبر مستنزف لاموال صندوق النقد الدولي, التي اتخذت مسارها باتجاه دعم الروبل, مثله مثل اي سلعة اخرى. هذا مع ملاحظة ان اول شرط من شروط صندوق النقد الدولي في تعامله مع الدول المقترضة, هو ان توقف تلك الدولة الدعم الحكومي للسلع الاستهلاكية, وان تخفض ميزانيات التعليم والدفاع. وهكذا فقد آن لصندوق النقد الدولي بعد سبع سنوات متصلة في دعم الاقتصاد الروسي, بلا جدوى, ان يتوخى ليراجع موقفه, وليتريث حتى في تسهيل سحب المبالغ المصدق بها فعلا لروسيا. ولذلك فقد اعطى الصندوق لنفسه فترة شهر ليراقب المشهد الروسي قبل ان يسمح بسحب 4.8 مليارات دولار آن اوان سحبها فعلا, وقبل ان يسمح بسحب مبلغ 4.3 مليارات دولار يحين اوان سحبها في منتصف هذا الشهر. وعندما طار رئيس الوزراء الروسي المعين تشيرنوميردين لمقابلة رئيس صندوق النقد الدولي مايكل كامديسس في اوكرانيا فانه لم يفلح في اقناع رئيس الصندوق لاقناع ادارته بتعجيل السحب, وعندما صرح رئيس وزراء المعين بتصريحات, اشتم منها انه قد توصل الى شبه اتفاق مع الصندوق, رد الصندوق بلباقة ولطف بتصريحات يقول فيها ان رئيس الوزراء الروسي كان يعبر عن قناعاته الخاصة, وتقويمه للاجتماع, وهو ما قد لا يعبر عن رأي الصندوق بالضرورة. روح اليأس العام وزاد رد فعل الصندوق حدة ما صرح به تشيرنوميردين لاحقا من انه على استعداد التوافق مع طرح المعارضة البرلمانية الشيوعية, التي تطالب بمزيد من سيطرة الدولة على الاقتصاد, وتأميم الصناعات الاستراتيجية, ودعم السلع, وهو ما يتعارض مع شروط الصندوق التي تطالب الحكومة الروسية بإيقاف عجز الميزانية خلال ثلاثة اعوام, وسن قوانين برلمانية لفرض مزيد من الضرائب على النشاط الاقتصادي, ووقف المحاولات الحكومية لدعم الروبل في مواجهة العملات الاجنبية. وقبل ان تتجلى آثار ذلك التناقض, برزت كتلة برلمانية قوية في الكونجرس الامريكي, عمادها 170 نائبا تدعو لوقف اي اعتمادات امريكية في ميزانية صندوق النقد الدولي, التي استنزفتها الازمة الاقتصادية الاسيوية (كان نصيب اندونيسيا وحدها 23 مليار دولار) , ثم جاءت الازمة الروسية لتهدد مستقبل كل الاموال التي ضخت او ستضخ الى هناك. وفي الحقيقة فإن امريكا نفسها اصبحت في ورطة, اذ ليس بمقدورها ان تواصل دعم الاقتصاد الروسي الى ما لا نهاية, كما لا تستطيع ان تسمح بانهياره بهذه السهولة, لان اثار انهياره ستصل حتما الى اقتصاديات الدول الاخرى, الامر الذي سيسهم في هز اسس الاقتصاد والتجارة الدولية. وهذا هو ـ فيما يبدو ـ ما سيكون عليه المآل بعد استكمال كافة الحلول الاجرائية الاسعافية, فالمزاج العام في روسيا الآن هو مزاج اليأس التام, ولا يوجد اي وصف افضل للتعبير عن ذلك المزاج, فالبنوك قد افرغت, او كادت ان تفرغ تماما من الارصدة, بعد ان تدهور سعر صرف الروبل بالدولار من 7.86 الى حوالي 16 روبل للدولار, واقلعت الحكومة عن اخر محاولاتها لدعم الروبل بواسطة البنك المركزي, تاركة الروبل ليسقط ـ كما عبر احد الاقتصاديين الساخرين ـ سقوطا حرا, وحسب شروط السوق الحر.. وجاءت اسوأ دلالات اليأس وفقدان الثقة في مستقبل الروبل, عندما اتجهت بعض البنوك الروسية الى تبديل ارصدتها من العملة المحلية لتحافظ عليها في شكل عملات اجنبية! ومع استحكام روح اليأس اصبح الناس يتسابقون على شراء الاطعمة خوف انعدامها. فالدولة العظمى المسماه روسيا لا تنتج اكثر من 48% من حاجتها من الغذاء, وذلك ما لا يمكن ان يقارن مع دولة كاليابان التي هي مجرد جزر متقطعة في المحيط, ولكنها تنتج مع ذلك كل حاجتها من الغذاء تقريبا, وما لا يمكن ان يقارن مع الصين التي تطعم 1.2 مليار فم كل يوم.. وازاء تسابق الناس على شراء الاطعمة, اغلقت الاسواق ابوابها, خشية ان تبيع الاطعمة لقاء اموال, لا تغدو لها اي قيمة حقيقية في الغد. ويبدو ان روح اليأس قد استحكمت ايضا في اوساط السياسيين الامريكيين. وقد كان مثيرا فعلا انهم وبما فيهم كلينتون نفسه ـ قد امتنعوا عن التعليق على تطورات الازمة الروسية وعبثا حاول الصحفيون ان يظفروا من كلينتون في لقائه الاخير بهم, ولو بتعليق خاطف حول الازمة الروسية. صمويل بيرجر, مستشار الأمن القومي الامريكي, وحده هو الذي تطوع فتحدث, ولكنه تحدث حديث اليأس, عندما وجه خطابه ليلتسين مطالبا اياه بالصمود. ليس لدى يلتسين اي فرصة للصمود, كما ليس لدى رئيس وزرائه المعين اي فرصة لتكوين حكومة مستقرة, لاسيما في ظل رفض البرلمان, بأغلبيته الشيوعية, لتعيينه اصلا, ورفض عرضه لتكوين حكومة وفاق وطني ينضم اليها عشرة وزراء شيوعيون.. وليس لدى كلينتون ما يقدمه في خلال زيارته لموسكو سوى كلمات التشجيع الفضفاض, فليس للرئيس الامريكي اي صلاحية دستورية لتقديم قروض او مساعدات, بخلاف موافقة الكونجرس, الذي لا يبدي اي حماسة تذكر, لتقديم مساعدات للدولة العظمى المنهارة, التي غدت عالة على الدول العظمى الباقية... وهكذا تتضاءل كل الآمال, ويبدو ان قدر الاضمحلال والذبول, وربما قدر الاضطراب والانفلات العنيف هو الذي سيحيق بالدولة العظمى السابقة. بقلم ـ د. محمد وقيع الله